القاعدة الثالثة
إذا قال القائل: «ظاهر النصوص مراد، أو ظاهرها ليس بمراد».
فإنه يقال: لفظ «الظاهر» فيه إجمال واشتراك، فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم؛ فلا ريب أن هذا غير مراد.
ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرًا، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفرًا وباطلًا، واللهُ ﷾ أعلمُ وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر أو ضلال.
هذه القاعدة مناسبة للتي قبلها، فإن مضمون القاعدة السابقة: بيان حكم ما يجب فيه التفصيل، ومقصود هذه القاعدة: بيان ما يجب في لفظ (الظاهر)، أي: ظاهر نصوص الصفات؛ فلفظ (الظاهر) فيه إجمال
[ ٢٩٩ ]
واشتراك، فهو لفظ مشترك يدل على أكثر من معنى، فلا بدَّ فيه من الاستفصال والتفصيل في الحكم (^١).
وظاهر الكلام؛ هو: «المعنى الذي يتبادر ويسبق إلى ذهن ذي الفهم السليم المستقيم، العارف بلغة الخطاب».
فظاهرُ نصوص صفات الله تعالى عند السلف الصالح؛ هو ما يليق بالله تعالى من الصفات.
أما الجاهلُ بالله تعالى، أو ذو الفهم الفاسد؛ فإن ظاهرَ نصوص الصفات عنده؛ التمثيلُ، فيتبادر إلى ذهنه من ألفاظ النصوص؛ مماثلة صفات الله تعالى لصفات خلقه.
ولما كان لفظ ظاهر نصوص الصفات له أكثر من معنى بحسب مذاهب الناس في نصوص الصفات، وصار فيه إجمال واشتراك؛ وجب الاستفصال والتفصيل فيه على ما يلي:
١ - فمَن قال: إن الظاهر من نصوص الصفات مراد، وأراد بالظاهر: إثبات الصفات على ما يليق بالله تعالى ويختص به؛ فقوله حقٌ، وهو مصيب في اللفظ والمعنى، وهذا سبيل أهل السنة.
٢ - ومَن قال: إن ظاهرها مراد، وزعم أن ظاهرها مماثلة صفات الله تعالى بصفات خلقه - وهذا مذهب المشبهة -؛ فقوله باطل من جهة اللفظ والمعنى.
_________________
(١) «الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز» ص ٣٥٥، و«الفتوى الحموية» ص ٥٢٦.
[ ٣٠٠ ]
فليس التمثيل ظاهرها، وليس التمثيل بمراد، فالله تعالى ليس كمثله شيء سبحانه.
٣ - ومَن قال: إن ظاهرها ليس بمراد، وظاهرها عنده إثبات الصفات لله تعالى، وإثبات الصفات عنده تشبيه، فظاهرها عنده التشبيه، وهذا الظاهر ليس بمراد؛ فهذا مبطل في زعمه أن ظاهرها التشبيه، ومبطل في نفيه للصفات بناء على هذا الاعتقاد والتوهم.
وإن كان مصيبًا من وجه؛ وهو: ما قصد إليه من نفي التمثيل، لكنه مبطل حيث نفى المعنى الحق لصفات الله تعالى.
٤ - ومن قال: إن الظاهر ليس بمراد؛ لأن ظاهرها التمثيل، وهذا ليس بمراد؛ بل المراد إثبات صفات تليق بالله تعالى، فهذا يمكن أن يكون مصيبًا في المعنى، ومخطئًا في اللفظ حيث زعم أن ظاهرها التمثيل.
وهذا إنما يليق بالجاهل السني، يعني: السني في معتقده، لكنه جاهلٌ قاصرُ الفهمِ والتصورِ، يتبادر إلى فهمه المعنى الباطل، ولكنه لا يثبته وإنما يثبت المعنى اللائق بالله تعالى.
وهذا الجاهل، وأولئك المعطلة؛ كلهم تضمن كلامهم أنَّ ظاهرَ كلامِ اللهِ كفرٌ وضلال؛ لأن ظواهر نصوص صفات الله تعالى - على فهمهم وزعمهم - التمثيل بصفات خلقه، وهو كفر وضلال.
وهذا الكلام منهم يتضمن الطعن في حكمة الله تعالى وحسن بيانه، مع أن الله تعالى وصف كتابه بأنه أحسن الحديث كما قال ﷿: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣].
[ ٣٠١ ]
وهل مِنْ الحكمة أن يخاطب الله تعالى عباده بما يُفهم منه خلاف مراده؟
وهل يكون هذا إلا مِنْ:
* عاجز عن البيان.
* أو جاهل بما يتكلم به.
* أو مُلَبِّس مُعَمٍّ غاشٍّ لا يريد إيضاح مراده.
وكلُّ هذا ممَّا يجب تنزيه الله تعالى عنه، وتنزيه رسوله ﷺ عنه؛ وهو:
* أعلم الناس بالله.
* وأقدر الناس على البيان.
* وأنصحهم للخلق (^١).
ولهذا قال الشيخ هنا: (السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرًا، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفرًا وباطلًا، واللهُ ﷾ أعلمُ وأحكم مِنْ أنْ يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر وضلال).
* * *
_________________
(١) «درء تعارض العقل والنقل» ١/ ٢٢ و٥/ ٣٧٠، و«الفتوى الحموية» ص ١٩٥، و«شرح حديث النزول» ص ٣٣٢.
[ ٣٠٢ ]