القاعدة الخامسة
أنا نعلم ما أخبرنا به من وجه دون وجه، فإن الله تعالى قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء]، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، وقال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب (٢٩)﴾ [ص]، وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد]، فأمر بتدبر الكتاب كله.
وقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الألْبَاب (٧)﴾ [آل عمران].
معنى هذه القاعدة: أن ما أخبرنا الله به ورسوله ﷺ من الأسماء والصفات، أو أمر المعاد؛ معلوم لنا من وجه لا مطلقًا، فلو كان معلومًا لنا مطلقًا كُنَّا محيطين بما أخبرنا به، والله تعالى يقول:
[ ٣٥٢ ]
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه]، ولو كنا لا نعلمه مطلقًا؛ كانت هذه الأخبار ألفاظًا لاحظَّ لنا منها؛ إلا مجرد التلاوة، من غير أن يكون للعقل والفهم حظ.
فهذه الأخبار إذًا؛ معلومة لنا من وجه دون وجه، فإذا قرأناها فهمناها؛ لكن فهمًا محدودًا، فنفهمها من جانب، ولا نحيط بها علمًا.
أما الوجه الذي نعلمه؛ فهو: ما تدل عليه هذه النصوص حسب دلالة اللسان العربي، لأننا خوطبنا بلسان عربي مبين، والرسول ﵊ عربي، فكل من يحسن اللسان العربي له حظ من فهم هذه النصوص.
فنفهم هذه النصوص من جهة ما تدل عليه من المعنى بحسب دلالة اللغة، ولا بد - أيضًا - من مراعاة السياق الذي وردت فيه، ودلالة النصوص المفسِّرة، فإن كلام الله تعالى يُفَسِّر بعضه بعضًا، والسنة تفسر القرآن، هذا هو الوجه الذي نعلمه.
أما الوجه الذي لا نعلمه؛ فهو الحقائق والكيفيات لتلك الأمور المخبَرِ عنها، فلا نعلم حقائقها، ولا كيفياتها بل هي غيب، فيكون هذا الخبرُ معلومًا لنا من جهة معناه، وغيرَ معلومٍ لنا من حيث حقيقتُه وكيفيته.
فقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] فيه خبرٌ عن الله بأن يديه تعالى مبسوطتان، وهذا يدل على أن له تعالى يدين، ومن شأن يديه البسط، والبسط تقدم أنه يحتمل معنيين (^١):
_________________
(١) ص ١٦٧.
[ ٣٥٣ ]
أحدهما: البسط ضد القبض، فالله تعالى يبسط يديه كما يشاء، ويقبضهما كما يشاء.
والآخر: أن المراد بالبسط كثرة العطاء والجود (^١).
وكلٌّ من المعنيين حق، لكن المعنى الثاني أنسب للسياق، لأن المراد الرد على اليهود الذين وصفوا الله بالبخل، وعبَّروا عن ذلك بقولهم: ﴿يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، ويوضحه قوله بعدها: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾؛ فنفهم من هذه الآية أنه تعالى له يدان، وأنهما مبسوطتان، وأنه تعالى ينفق كيف يشاء، وأن يديه ليست كيدي أحد من الخلق.
وهذا يرجع إلى ما علم بالشرع والعقل؛ مِنْ أنه تعالى ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وليس المراد باليدين القوة أو النعمة، فإن هذا وإن كان له أصل في اللغة إلا أنه يأباه السياق، ويأباه - أيضًا - ذكر اليدين بلفظ التثنية؛ كما تقدم في المقارنة بين آية «ص» وآية «يس» (^٢).
فهذا هو الجانب الذي نعلمه، وهو موجَب اللغة، والسياق، والنصوص الأخرى المفسِّرة، ولكن لا نعلم كنه يديه وكيفيتهما، ولا يصح لنا أن نتخيل كيفية يدي الرب تعالى على نحو أيدي أحد من العباد؛ لأنه تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته.
_________________
(١) «تفسير الطبري» ٨/ ٥٥٣.
(٢) ص ٣١٧.
[ ٣٥٤ ]
فمن قال: «كيف يدي الرب»؟ قلنا له: «كيف الرب»؟ فإذا قال: «لا يَعلم كيف هو إلا هو». قلنا: «وكذلك يداه لا يعلم كيفيتهما إلا هو ﷾»، ف «القول في الصفات كالقول في الذات» من حيث الثبوت، ونفي التشبيه، ونفي العلم بالكيفية.
إذًا؛ فقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ معلوم لنا من وجه دون وجه، وهكذا سائرُ نصوصِ الصفاتِ القولُ فيها واحد، وكذا نصوصُ المعاد القول فيها كالقول في نصوص الصفات، كما في المثل الأول المتقدم (^١).
فإذا قرأنا قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّان (٦٨)﴾ [الرحمن]، وقوله: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَان (٥٠)﴾ [الرحمن]، ونحوها؛ فهذه النصوص معلومة لنا من وجه، فنفهم من هذه الآيات أن الله تعالى أعد لعباده أصناف النعيم: من مشارب، وملابس ومساكن، وزوجات، كما قال تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِين (٢٠)﴾ [الطور] فيفهم من هذه الآية: أن نساء الجنة حور عين، والحُور: جمع حوراء، والعِين: جمع عَيناء، والحَوَرُ؛ هو: «شدة سواد العين، مع شدة بياضها، مع بياض البدن» (^٢)، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى (^٣)، والعَيَنُ؛ هو: سعة العين (^٤)، فضيق العين وصغرها؛ مذموم في الصفات (^٥).
_________________
(١) ص ٢٢٥.
(٢) «تهذيب اللغة» ٥/ ٢٢٩.
(٣) «حادي الأرواح» ١/ ٤٧٥ - ٤٧٦.
(٤) «المخصص» ١/ ٩٩.
(٥) «حادي الأرواح» ١/ ٤٧٦.
[ ٣٥٥ ]
فهذا كله مفهوم لنا بدلالة اللغة، ودلالة السياق، ولكن لا نعلم كُنه هذه المطاعم، والمشارب، والملابس، ولا نتصور ولا نتخيل حقيقة وكنه تلك الزوجات؛ بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وقال تعالى في الحديث القدسي المتفق على صحته: «أعددت لعبادي الصالحين: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» (^١)، فنعلم أن ما أخبر الله به ورسوله ممَّا أعد الله لأوليائه في الجنة؛ أنه وإنْ كان موافقًا لما نعرفه في الدنيا؛ فإنه ليس مثل ما في الدنيا، كما قال ابن عباس ﵄: «ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء» (^٢).
إذًا نصوص الوعد معلومة لنا من وجه دون وجه.
وهذه القاعدة يقصد بها الرد على أهل التفويض الذين يقولون: إن هذه النصوص - أي: نصوص الصفات - من المتشابه؛ فلا يفهم منها شيء، ولا تدل على معنى يدركه السامع، والمخاطَب، والتالي، فهي ألفاظٌ تقرأ فقط، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
والدليل على هذه القاعدة مركب من مجموع دليلين فأكثر؛ فأما الدليل على الوجه الأول من القاعدة؛ فآيات التدبر، كما قال الله تعالى: (﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾) وقال: (﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾)، وقال: (﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾).
_________________
(١) رواه البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.
(٢) تقدم في ص ٢٢٦.
[ ٣٥٦ ]
فالله تعالى ذم الكافرين والمنافقين على إعراضهم عن تدبر القرآن، وفي هذا أمر للمؤمنين بتدبر القرآنِ، وتدبرُ القرآن؛ هو: تعقل معانيه والنظر في دلالاته، وإنما يُدرك معنى الكلام في أخرياته؛ فلا يفهم معناه إلا بعد استكماله، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ أي: أَغَفَلوا فلا يتدبرون القرآن؟! (^١).
وإذا جاء حرف العطف بعد الهمزة؛ فالراجح أن العطف على محذوف، ويقدَّر بنحو ما ذكر (^٢).
وقوله تعالى: (﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب (٢٩)﴾) فيه بيان أن الله تعالى أنزل كتابه ليتفكر الناس في آياته، ويعقلوا معانيها، لأن التدبر هو الطريق إلى فهم المراد من الكلام، ولكن لا بدَّ أن يكون هذا التدبر مبنيًا على أصول الفهم، فلا بد أن يكون لدى المتدبر:
* إلمامٌ باللغة العربية.
* وبالأدلة الشرعية.
_________________
(١) «تفسير أبي السعود» ٢/ ٢٠٧، و«فتح القدير» ١/ ٧٣٤، و«أضواء البيان» ٧/ ٤٥٧.
(٢) هذا رأي الزمخشري وتبعه جماعة، وخالفهم الجمهور، انظر حججهم وما استشهدوا به في: «الكتاب» ٣/ ١٨٧، و«المقتضب» ٣/ ٣٠٧، و«الكشاف» ١/ ١٩٧، ٢/ ٦٣٤، و«تفسير البحر المحيط» ١/ ٣٣٩، و«الجنى الداني في حروف المعاني» ص ٣١، «توضيح المقاصد والمسالك» ٢/ ١٠٣٣، و«مغني اللبيب عن كتب الأعاريب» ص ٢٢، و«أوضح المسالك» ٣/ ٣٥٣، و«شرح الأشموني على ألفية ابن مالك» ٣/ ٩٠، و«شرح التصريح على التوضيح» ٢/ ١٥٥.
[ ٣٥٧ ]
* وبالمأثور من التفسير، عن الرسول ﷺ، وعن الصحابة، والتابعين.
قوله تعالى: (﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾) تدل هذه الآية على الحض على تدبر القرآنِ كلِّه لا بعضه، فعلم بهذا أنَّ القرآن كلَّه يمكن فهمه، لأن ما لا يمكن فهمه؛ لا يؤمر بتدبره، لأنه لا معنى ولا فائدة لتدبره، فلو سمعت كلامًا أعجميًا وأنت لا تعرف هذه اللغة؛ فإنه ليس بإمكانك أن تتدبره لتفهم شيئًا، فالكلام الذي يتدبر هو الذي يمكن فهمه، وما لا يمكن فهمه؛ فلا يؤمر بتدبره، بل لا يمكن تدبره.
فلما أمر الله تعالى بتدبر القرآن كله علم أن القرآن كله يمكن فهمه؛ ليكون حجة على صدق الرسول ﷺ، وللتعبد بتلاوته، والتعبد بتدبره، ثم بالإيمان بمعانيه، والعمل بأوامره ونواهيه (^١).
إذًا؛ فنصوص التدبر تدل على أنا نعلم ما أخبرنا به من نصوص الصفات ونصوص المعاد من وجه، وهو الشِّق الأول من القاعدة.
وهناك أدلة أخرى من هذا الجنس تدل على هذا، كقوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٨] وقوله تعالى ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وما أشبهها، وهذا ليس خاصًا ببعض القرآن؛ فكل القرآن بيان للناس، وهدى لهم، وما لا يفهم منه شيء لا يكون بيانًا ولا هدى.
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» ١٦/ ٤١٠، و«مقدمة في أصول التفسير» ص ٣١، و«القاعدة المراكشية» ص ١٥٧، و«الفتوى الحموية» ص ٢٩٦.
[ ٣٥٨ ]
ففي النصوص المتقدمة دليل على الشِّق الأول من القاعدة؛ وهو: «أنا نعلم ما أخبرنا به من وجه»، وفيها رد على أهل التفويض الذين يقولون: «إن من نصوص القرآن ما لا يفهمه أحد»، كما سيأتي في الكلام على المتشابه.
والدليل على الشِّق الثاني من القاعدة، أي: الدليل على أن من مدلول هذه الأخبار ما لا يعلمه العباد آية آل عمران؛ وهي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الألْبَاب (٧)﴾، والضمير في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ يعود إلى الآيات المتشابهات، فلا يعلم تأويل المتشابه إلا الله تعالى.
فبين هذه الآية والآيات المتقدمة في التدبر تعارض في الظاهر؛ لأن آيات التدبر تدل على أن القرآن كله يمكن فهمه، وهذه الآية يظهر منها: أن من آيات القرآن ما لا يعلم تأويله إلا الله سبحانه، وهذا تعارض في الظاهر.
والجمع بينها هو القاعدة؛ وهو أن نقول: إن الآيات المتشابهات ليست ألفاظًا مجردة لا يفهم منها شيء، وليست معلومة من كل وجه؛ بل هي معلومة من وجه دون وجه، ويتضح هذا بمعرفة معنى التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، وهو الحقيقة المخبَر عنها في النصوص، كما سيأتي في الكلام على معاني التأويل.
[ ٣٥٩ ]
فالآيات المتشابهات معلومة لنا من وجه دون وجه، فالوجه الذي نعلمه هو الذي نصل إليه بالتدبر، والوجه الذي لا نعلمه هو الذي استأثر الله تعالى بعلمه، وأخبرنا بذلك في قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ﴾، إذًا؛ فهذه القاعدة يستدل لها بمجموع النصوص: نصوص التدبر وما أشبهها، وآية آل عمران.
وهي مستنبطة من هذه النصوص، وهي أيضًا تتضمن الجمع بين هذه النصوص، فبمراعاة مضمون القاعدة؛ يحصل الجمع.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ قد دلت الآية على أن القرآن نوعان: آيات محكمات، وآيات متشابهات، والآياتُ المحكمات هنَّ الأصل الذي يُرَدُّ إليه غيره، فالآيات المتشابهات ترد إلى الآيات المحكمات.
وقد اختُلِف في المراد بالمحكمات والمتشابهات (^١)، فقيل: المحكم؛ هو: «البيِّن الذي لا يشتبه معناه، ولا يخفى على أكثر الناس»، والمتشابه؛ هو: «الذي يخفى معناه على بعض الناس».
وقريب من هذا قول من يقول: المحكم؛ هو: «ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا»، والمتشابه؛ هو: «ما يحتمل أكثر من معنى».
وقيل: المحكم؛ هو: «الناسخ»، والمتشابه؛ هو: «المنسوخ».
وقيل: إن المحكم؛ هو: «ما يجب الإيمان به والعمل»، أي: يقتضي عملًا؛ كنصوص الأوامر والنواهي، والحلال والحرام، والمتشابه: «ما
_________________
(١) «تفسير الطبري» ٥/ ١٩٢.
[ ٣٦٠ ]
يجب الإيمان به ولا يقتضي عملًا»؛ كالنصوص الخبرية التي تتضمن أمورًا علمية عقدية، كما تضمنته سورة الإخلاص.
وسيأتي لهذا مزيد بحث عند الكلام على المحكم والمتشابه بنوعيه العام والخاص في ثنايا هذه «القاعدة» (^١)؛ فإن القرآن قد وُصف بأنه كله محكم، وبأنه كله متشابه، وأن بعضه محكم وبعضه متشابه، كما في هذه الآية، آية آل عمران، ولهذا كان الإحكام نوعين، والمتشابه نوعين، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ﴾ أي: يعرضون عن المحكم الواضح البيِّن، ويتبعون المتشابه الذي فيه خفاء واشتباه؛ طلبًا للصد عن سبيل الله، وتضليل الناس عن الحق، وطلبًا لتأويله الذي لا سبيل إلى معرفته؛ وهو ما استأثر بعلمه سبحانه، أو طلبًا لتفسيره على ما يوافق أهواءهم، أو طلبًا لتفسيره بغير علمٍ، وتفسيرُه لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم على القراءة الأخرى.
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ﴾ الآية فيها قراءتان؛ فالجمهور من الأمة سلفًا وخلفًا على الوقف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ﴾، وذهب بعض السلف إلى أن الوقف على قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ فعلى الأول الراسخون في العلم لا يعلمون
_________________
(١) ص ٤٠٩، ٤١٧.
[ ٣٦١ ]
تأويل المتشابه، وتكون جملة: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ مستأنفة ف «الراسخون» مبتدأ، وجملة «يقولون» خبر المبتدأ.
وعلى القراءة الثانية - كما هو رأي مجاهدٍ ومَن معهُ - يكون الراسخون في العلم يعلمون تأويله، وجملة «يقولون» مستأنفة، وإذا وصَلْتَ تكون الجملة الفعلية حالًا، أي: الراسخون في العلم يعلمون تأويله قائلين: آمنا به، وتكون في محل نصب (^١).
قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ هذا من كمال علمهم، فالعلم الصحيح يثمر الإيمان.
فهذه هي «القاعدة»، وهذا هو دليلها، ثم يأتي الكلام على ما يتعلق بمعاني التأويل.
* * *
_________________
(١) «تفسير الطبري» ٥/ ٢٢١، و«البيان في غريب إعراب القرآن» ١/ ١٩٢، و«التبيان في إعراب القرآن» ص ٧٣، و«تفسير البحر المحيط» ٢/ ٤٠١ و«الدر المصون» ٣/ ٢٩.
[ ٣٦٢ ]