فمن نظر إلى القدر فقط، وعظَّم الفناء في «توحيد الربوبية»، ووقف عند الحقيقة الكونية؛ لم يميِّز بين العلم والجهل، والصدق والكذب، والبر والفجور، والعدل والظلم، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال، والرشد والغي، وأولياء الله وأعدائه، وأهل الجنة وأهل النار.
وهؤلاء مع أنهم مخالفون بالضرورة لكتب الله، ودينه، وشرائعه، فهم مخالفون - أيضًا - لضرورة الحس والذوق، وضرورة العقل والقياس؛ فإن أحدهم لا بدَّ أن يلتذ بشيء، ويتألم بشيء، فيميِّز بين ما يؤكل ويشرب، وما لا يؤكل ولا يشرب، وبين ما يؤذيه من الحر والبرد، وما ليس كذلك، وهذا التمييز بين ما ينفعه ويضره؛ هو: الحقيقة الشرعية الدينية.
يتكلم الشيخ هنا عن الجبرية من غلاة الصوفية الذين يغلون في إثبات القدر، ويفنون في (توحيد الربوبية)، ويقفون عند الحقيقة
[ ٦٨٨ ]
الكونية، ويعرضون عن الأمر والنهي، وهم الذين تقدم تسميتهم ب «المشركيَّة» (^١).
فهؤلاء ينظرون إلى القدر وحده، ويعرضون عن الشرع، ويقفون عند الحقيقة الكونية، وهي: كون الله تعالى خالق كل شيء.
وهؤلاء لم يميزوا ولم يفرقوا بين الأضداد؛ فلم يفرقوا بين العلم والجهل، ولا بين الصدق والكذب، ولا بين الطاعة والمعصية، ولا بين البر والفجور، ولا بين العدل والظلم، ولا بين الهدى والضلال، ولا بين الرشد والغي، ولا بين أولياء الله وأعدائه، ولا بين أهل الجنة وأهل النار.
ويرون أن حقيقة التوحيد وكماله؛ عدم التفريق بين الأشياء في ذاتها، فتحقيق التوحيد وشهود كمال الربوبية يكون - عندهم - بعدم التمييز بين الأشياء، ومتى فَرَّق الشخص بين الأشياء، من الطاعة والمعصية، والعدل والظلم، والصدق والكذب، والنافع والضار، والواجب والمحرم، والحسن والقبيح، وغير ذلك؛ لم يكن موحدًا، ولا محققًا لشهود كمال «توحيد الربوبية» الذي يسمونه «الفناء».
وقد اتفق الأشاعرة، وغلاة الصوفية على أن الأشياء في ذاتها لا فرق بينها؛ بل هي سواء.
والفرق بين الأشاعرة، وغلاة الصوفية في هذا المقام، أن الأشاعرة جعلوا الشرع مفرقًا بين الأشياء التي هي عندهم متساوية في ذاتها،
_________________
(١) ص ٦٦٠.
[ ٦٨٩ ]
فجعلوا التمييز بين حُسن الصدق وقُبح الكذب؛ مرده إلى الشرع فقط، وإن كانا متساويين في نفس الأمر.
أما غلاة الصوفية؛ فوقفوا عند الحقيقة الكونية، وأعرضوا عن الشرع، فسووا بين الأشياء في ذاتها وفي حكمها، ولم يفرقوا بينها لا في ذاتها، ولا من جهة الشرع، ويرون أن كمال المعرفة والتوحيد في عدم التمييز، فلا فرق عندهم بين الصدق والكذب، ولا بين الطاعة والمعصية، لا من حيث ذاتها، ولا من ناحية الشرع؛ لأنهم معرضون عن الأمر والنهي.
والحق أن هؤلاء الذين يقفون عند الحقيقة الكونية، وينظرون إلى القدر فقط، ويعرضون عن الشرع، ولا يميزون بين الأشياء في ذاتها؛ هؤلاء مخالفون لضرورة العقل، والقياس، والحس، والذوق، والشرع، وقولهم مِنْ أبطل الباطل (^١).
فكل أحد يفرق بذوقه بين ما يلتذ به ممَّا يؤكل ويشرب، وما لا يلتذ به، ويفرق بحسه بين ما يؤذيه من الحر والبرد، وما ليس كذلك، ويفرق الناس بعقولهم بين كثير ممَّا ينفعهم، وما يضرهم.
وهذا التمييز بين ما ينفع وما يضر؛ هو: مضمون الشرع، فهو الحقيقة الشرعية الدينية، كما أن هناك أمورًا عرف الفرق بينها من جهة الشرع، فمَن لم يُفَرِّق بين ما فَرَّق بينه الشرع؛ فهو ملحد بمخالفته للشرع، والعقل.
_________________
(١) «أقوم ما قيل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل» ص ١٠٦، و«الاحتجاج بالقدر» ص ٣١٠.
[ ٦٩٠ ]
ومن ظن أن البشر ينتهي إلى حد يستوي عنده الأمران دائمًا؛ فقد افترى، وخالف ضرورة الحس، ولكن قد يَعرِض للإنسان بعض الأوقات عارض؛ كالسُّكْر، والإغماء، ونحو ذلك ممَّا يشغله عن الإحساس ببعض الأمور، فأما أن يسقط إحساسه بالكلية مع وجود الحياة فيه؛ فهذا ممتنع.
فإن النائم لم يسقط إحساس نفسه؛ بل يرى في منامه ما يسره تارة، وما يسوؤه أخرى، فالأحوال التي يُعبر عنها ب «الاصطلام»، و«الفناء»، و«السُّكر»، ونحو ذلك؛ إنما تتضمن عدم الإحساس ببعض الأشياء دون بعض، فهي مع نقص صاحبها؛ لضعف تمييزه؛ لا تنتهي إلى حد يسقط فيه التمييز مطلقًا.
يذكر الشيخ هنا أن من نفى التمييز بين الأشياء مطلقًا، فهو مخالف لضرورة الحس.
وتكلم الشيخ هنا عن بعض مصطلحات الصوفية؛ وهي: (الاصطلام)، و(الفناء)، و(السُّكْر)، وهي عبارات متقاربة مؤداها: الوصول إلى حالة يفقد فيها الشخص التمييز بين الأشياء (^١).
_________________
(١) «التوقيف على مهمات التعاريف» ص ٦٨ و٥٦٥ و٤٠٩، و«معجم الصوفية» ص ٤٩ و٣١٩ و٢١١.
[ ٦٩١ ]
فيذكر الشيخ أن الشخص قد يكون في بعض الأحوال والأوقات - كما في المصطلحات السابقة - لا يميز بين بعض الأشياء؛ لوجود ما يشغله عن الإحساس ببعض الأمور، أمَّا أن يسقط إحساسه بالكلية؛ فلا يميز بين الأشياء مطلقًا؛ فهذا لا يكون مع وجود الحياة.
فالنائم - مثلًا - لا يسقط إحساسه بالكلية؛ بل يحس بنفسه فيرى في منامه ما يسره تارة، وما يسوؤه أخرى.
فمن زعم سقوط الحس والتمييز بالكلية مع وجود الحياة؛ فقد غلط على الشرع والقدر والحس.
فحالة الفناء، والسكر، والاصطلام؛ إنما تتضمن عدم الإحساس ببعض الأشياء دون بعض، فهي حالة نقص لضعف تمييز صاحبها، ولكنها مع هذا الضعف؛ لا تصل إلى حد يسقط فيه التمييز بين الأشياء مطلقًا ما دامت حياته باقية فيه.
* * *
[ ٦٩٢ ]
ومَن نفى التمييز في هذا المقام مطلقًا، وعظَّم هذا المقام؛ فقد غلط في الحقيقة الكونية والدينية: قدرًا، وشرعًا؛ غلط في خلق الله، وفي أمره، حيث ظن وجود هذا، ولا وجود له، وحيث ظن أنه ممدوح، ولا مدح في عدم التمييز، والعقل، والمعرفة.
أي: ومَن عظَّم مقام نفي التمييز مطلقًا؛ فقد غلط في الحقيقة الكونية والدينية، أي: شرعًا، وقدرًا.
أما غلطه من جهة الشرع؛ فحيث مدح عدم التمييز بين الأشياء، وهذا باطل؛ لأن عدم التمييز، وعدم العقل، والمعرفة؛ غير ممدوح.
وأما غلطه من جهة القدر؛ فحيث ظن أن عدم التمييز مطلقًا يمكن أن يوجد مع الحياة، وهذا باطل؛ لأنه لا وجود له، فالله تعالى لم يقدره، ولم يخلقه.
فمن ادعى وجود شيء غير موجود في الواقع؛ فهو غالط من جهة الحقيقة الكونية القدرية، ومن مدح شيئًا لم يثنِ عليه الشرع ولم يأتِ به؛ فهو غالط على الحقيقة الشرعية، حيث مدَح ما لم يمدحه الشرع، ودعا إلى ما لم يرِد به الشرع.
* * *
[ ٦٩٣ ]
وإذا سمعتَ بعضَ الشيوخ يقول: «أريد ألَّا أريد»، أو: «إن العارف لا حظَّ له»، أو: «إنه يصير كالميت بين يدي الغاسل»، ونحو ذلك؛ فهذا إنما يمدح منه سقوط إرادته التي لم يؤمر بها، وعدم حظه الذي لم يؤمر بطلبه، وأنه كالميت في طلب ما لم يؤمر بطلبه، وترك دفع ما لم يؤمر بدفعه.
ومن أراد بذلك أنه تبطل إرادته بالكلية، وأنه لا يحس باللذة والألم، والنافع والضار؛ فهذا مخالف لضرورة الحس والعقل، ومن مدح هذا؛ فهو مخالف لضرورة الدِّين والعقل.
يذكر الشيخ هنا بعض عبارات الصوفية، ويناقشها، ويبيِّن ما تحتمله من معنى صحيح، وباطل (^١).
فالعبارة الأولى: (أريد ألَّا أريد) (^٢)، فهذا إنما يمدح منه سقوط الإرادة التي لم يؤمر بها الشخص: إرادة المحرم، وإرادة المفضولات المباحة.
أما سقوط إرادته مطلقًا حتى عن إرادة الطاعة، وترك المعصية؛ فهذا محرم شرعًا؛ لأنه يجب على الإنسان أن يريد الطاعة وترك المعصية،
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» ١٠/ ٤٩٤، و«جامع المسائل» ٦/ ٩، و«مدارج السالكين» ٢/ ٨٢.
(٢) نسبها شيخ الإسلام إلى: أبي يزيد البسطامي. «الاستقامة» ص ٣٤٩، وانظر تعليقه عليها في «جامع المسائل» ٦/ ١١.
[ ٦٩٤ ]
كما أن سقوط الإرادة مطلقًا بحيث لا يريد أن يفعل ولا يترك؛ مخالف للحقيقة الكونية.
وأما العبارة الثانية؛ وهي قولهم: (إن العارف لا حَظ له)، فهذا يمدح منه عدم حظه الذي لم يؤمر بطلبه، أي: ترك حظوظ الدنيا التي لم يؤمر بطلبها، أما الحظوظ التي أمر بها؛ فإنه لا يمدح بتركها.
وأما العبارة الثالثة؛ وهي قولهم: (إن العارف يصير كالميت بين يدي الغاسل)، فهذا إنما يمدح كونه كالميت في ترك طلب ما لم يؤمر بطلبه، وترك دفع ما لم يؤمر بدفعه.
أما أن يكون كالميت بالنسبة لجميع الأقدار، فهذا مخالف للحس، والعقل، والشرع، فإذا أحس بالبرد، أو الجوع، أو الخوف؛ فعل ما يدفع ذلك، وهذا أمر معلوم بالحس والعقل، كما أن مقتضى الشرع أنْ نفِرَّ من قدر الله إلى قدر الله.
* * *
[ ٦٩٥ ]