ولهذا افترقَ الناسُ في هذا المقام ثلاث فرقٍ:
فالسلف والأئمة وأتباعهم: آمنوا بما أخبر اللهُ به عن نفسه، وعن اليومِ الآخر، مع علمهم بالمباينة التي بين ما في الدنيا وبين ما في الآخرة، وأنَّ مباينةَ اللهِ لخلقِهِ أعظمُ.
والفريق الثاني: الذين أثبتوا ما أخبر الله به في الآخرة من الثواب والعقاب، ونفوا كثيرًا مما أخبر به من الصفات، مثل: طوائف من أهل الكلام: المعتزلة، ومَن وافقهم.
والفريق الثالث: نفوا هذا وهذا؛ كالقرامطة الباطنية، والفلاسفة أتباع المشَّائين، ونحوهم من الملاحدة، الذين ينكرون حقائقَ ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر.
ثُمَّ إنَّ كثيرًا منهم: يجعلون الأمر والنهي من هذا الباب؛ فيجعلون الشرائع المأمور بها، والمحظورات المنهي عنها؛ لها تأويلات باطنة تخالف ما يعرفه المسلمون منها، كما يتأولون الصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، وحج البيت.
فيقولون: «إن الصلوات الخمس معرفة أسرارهم، وإن صيام شهر رمضان كتمان أسرارهم، وإن حج البيت السفر إلى شيوخهم»!، ونحو ذلك من التأويلات، التي يعلم بالاضطرار أنها كذبٌ وافتراء
[ ٢٢٩ ]
على الرسل صلوات الله عليهم، وتحريفٌ لكلام الله ورسوله عن مواضعه، وإلحادٌ في آيات الله.
وقد يقولون: «إن الشرائع تلزم العامة دون الخاصة»، فإذا صار الرجلُ مِنْ عارفيهم، ومحققيهم، وموحديهم؛ رفعوا عنه الواجبات، وأباحوا له المحظورات.
وقد يوجد في المنتسبين إلى التصوف والسلوك مَنْ يدخل في بعض هذه المذاهب.
وهؤلاءِ الباطنيةُ الملاحدةُ؛ أجمع المسلمونَ على أنَّهم أكفرُ من اليهود والنصارى.
يذكر الشيخُ هنا فِرَق الناس فيما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر:
فأهل السنة والجماعة؛ (وهم السلف الصالح والأئمة وأتباعهم: آمنوا بكل ما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر)، آمنوا بما جاء في الكتاب والسنة من ذلك كله، مع علمهم وإيمانهم بمباينة موجودات الآخرة لموجودات الدنيا، وأنَّ مباينةَ الله تعالى لخلقه أعظمُ من مباينة هذه المخلوقات بعضها بعضًا.
فمذهبُ أهل السنة والجماعة متفقٌ ومنتظم ومنسجم مع العقل والنصوص الشرعية، لا اضطراب فيه، ولا تناقض.
[ ٢٣٠ ]
والفرقةُ الثانية: طوائف من أهل الكلام؛ وهم: الذين أثبتوا ما أخبر الله به من الثواب والعقاب في الآخرة في الجملة، ونفوا كثيرًا مما أخبر الله به عن نفسه، ويدخل في هؤلاء: المعتزلة، والجهمية، والأشاعرة، فهؤلاء كلهم فرَّقوا بين ما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر، فأثبتوا بعضًا ونفوا بعضًا، فوقعوا في التناقض؛ حيث فرقوا بين ما جاءت النصوص الشرعية بإثباته.
وإن كان بين هؤلاء اختلاف في إثبات بعض أمور الآخرة، فالمعتزلة: تنكر الشفاعة لأهل الكبائر، وتوجب لهم الخلود في النار، ومنهم من ينازع في الحوض، والميزان (^١)، بخلافِ الأشاعرةِ.
والجهميةُ تقول بفناء الجنة والنار (^٢)، بخلاف المعتزلة، والأشاعرة.
والفرقة الثالثة: القرامطة الباطنية، والفلاسفة، ونحوهم من الملاحدة الذين ينكرون حقائق ما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر، فينفون أسماء الله وصفاته، كما ينفون حقائق اليوم الآخر، وربما لبَّسوا فقالوا: «البعث روحاني»، وجعلوا ما يكون في الدار الآخرة من النعيم والعذاب من باب التخييل الذي لا حقيقة له.
وكثير من هؤلاء يجعلون الشرائع من هذا الباب، فيجعلون لما أمر الله به وما نهى عنه تأويلات باطنة تخالف ما يعرفه المسلمون
_________________
(١) انظر: «الإبانة عن أصول الديانة» ص ٨٦، و«مقالات الإسلاميين» ص ٤٧٢ - ٤٧٤، و«درء تعارض العقل» ٥/ ٣٤٨.
(٢) «مقالات الإسلاميين» ص ٤٧٤، و«الرد على من قال بفناء الجنة والنار» ص ٤٢، و«حادي الأرواح» ٢/ ٧٢٣، و«الكافية الشافية» ص ٢٣.
[ ٢٣١ ]
منها؛ كما يتأولون الصلوات الخمس بمعرفة أسرارهم، وصيام رمضان بكتمان أسرارهم، وحج البيت الحرام بالسفر إلى شيوخهم، ونحو ذلك من التأويلات التي يعلم بالاضطرار أنها كذبٌ وافتراء على الله ورسله، وتحريف للكلم عن مواضعه، وإلحاد في آيات الله وشرائعه (^١).
فهذه المعاني التي يفسِّرون بها شرائع الله لا تمتُّ إلى المعنى الحقيقي بصلةٍ؛ لا لغة، ولا شرعًا، وليس عليها أي دليل لا صحيح ولا فاسد؛ بل هي من باب التحريف والإلحاد الظاهر.
وقد يقولون بأن الشرائع تلزم العامة دون الخاصة، فإذا صار الرجل من كبرائهم ومحققيهم؛ أسقطوا عنه التكاليف، فرفعوا عنه الواجبات، وأباحوا له المحظورات، لأن هذه التكاليف إنما تلزم العامة - حسب زعمهم - وهذا يقولونه مصانعة، وإلا فليس في الحقيقة لديهم شرائع يؤمنون بها.
وقد يوجد في بعض المنتسبين للتصوف والسلوك من يدخل في بعض هذه المذاهب الباطنية ويتبعها، كالقول بأن للشرع معنى باطنًا غير الظاهر، أو أن بعض الناس يصل إلى درجة تسقط عنه التكاليف.
_________________
(١) حكاه عنهم شيخ الإسلام في: «درء تعارض العقل والنقل» ٥/ ٣٨٣، و«بغية المرتاد» ص ٣٨١، و«الصفدية» ص ٥١، و«شرح حديث النزول» ص ٤٢٦، و«مجموع الفتاوى» ٢٨/ ٤٧٤، و٣٥/ ١٣٣، وذكر الكتب التي ردت عليهم وبينتْ فضائحهم في: «مجموع الفتاوى» ٩/ ١٣٤ و٢٧/ ١٧٤، و«منهاج السنة» ٨/ ٢٥٨، و«درء تعارض العقل والنقل» ٥/ ٨، و«الرد على المنطقيين» ص ١٨٤.
[ ٢٣٢ ]
ويستفاد من هذا أن الباطنية نوعان (^١):
* باطنية الرافضة؛ وهم: الذين يتظاهرون بالتشيع لآل البيت.
* وباطنية الصوفية.
فيشتركون في القول بأنَّ للنصوص معانيَ باطنةً، تخالف ما يفهمه المسلمون منها، وكل منهم يؤول النصوص بحسب ما يتفق مع الشعار الذي يتخذه.
فباطنية الصوفية يتظاهرون بالسلوك والعبادة، وباطنية الرافضة يتظاهرون بحب آل البيت.
والذين ينطبق عليهم وصف أصحاب السلوك الذين ذكرهم الشيخ؛ هم: أصحاب وحدة الوجود، القائلين بأن وجود الرب؛ عين وجود كل موجود.
وهؤلاء الباطنية الملاحدة؛ أجمع المسلمون على أنهم أكفرُ من اليهود والنصارى؛ لأن اليهود والنصارى يؤمنون بالله وتَمَيُّزِه عن خلقه، كما يؤمنون باليوم الآخر في الجملة، ويقرون بالجنة والنار والشرائع في الجملة.
أما هؤلاء الباطنية؛ فحقيقة مذهبهم: الكفر بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر.
_________________
(١) «بيان تلبيس الجهمية» ٢/ ١٦٧، و«شرح حديث النزول» ص ٤٢٦، و«رسالة في علم الباطن والظاهر» ص ٢٣٧.
[ ٢٣٣ ]
وما يحتجُ به أهلُ الإيمان والإثبات على هؤلاء الملاحدة؛ يحتجُ به كلُّ من كان من أهل الإيمان والإثبات على مَنْ يَشرك هؤلاء في بعض إلحادهم، فإذا أثبت لله تعالى الصفات، ونفى عنه مماثلة المخلوقات، كما دلَّ على ذلك الآيات البينات؛ كان ذلك هو الحق الذي يوافق المنقول والمعقول، ويهدمُ أساسَ الإلحادِ والضلالات.
يذكرُ الشيخُ هنا موازنة بين الباطنيةِ، وأهلِ الكلام.
فأهلُ الكلام شاركوا الباطنيةَ، والفلاسفةَ في نفي ما نفوا من الصفات على اختلاف طوائفهم، كما شاركوا أهل السنة في الإيمان باليوم الآخر.
فكلُّ ما يُرد به على الباطنية في إلحادهم وتحريفهم؛ يُرد به على من شاركهم في بعض إلحادهم وتحريفهم، فإذا قيل للباطنية: «إن تحريفكم لنصوص الشرع باطلٌ ومخالف للمعقول والمنقول واللغة»، يقال لمن حرَّف معاني نصوص الصفات أو بعضها: «إن تحريفكم لها ونفيكم لحقيقة معناها مخالفٌ للمعقول والمنقول واللغة»، وهكذا.
ولهذا تسلَّط عليهم الفلاسفة، واحتجوا عليهم بتأويلهم لنصوص الصفات على ما تأولوه من نصوص المعاد والشرائع.
[ ٢٣٤ ]
فمن أثبت لله تعالى الصفات، ونفى عنه مماثلة المخلوقات كما دلت على ذلك الأدلة العقلية والنقلية؛ كان ذلك هو الحق الموافق للنقل والعقل، الهادم لأساس الإلحاد والضلال.
* * *
[ ٢٣٥ ]