فصل
وأفسد من ذلك ما يسلكه نفاة الصفات أو بعضها، إذا أرادوا أن ينزهوه عمَّا يجب تنزيهه عنه ممَّا هو من أعظم الكفر -، مثل: أن يريدوا تنزيهه عن: «الحُزْن»، و«البكاء»، ونحو ذلك.
ويريدون الرد على اليهود الذين يقولون: «إنه بكى على الطوفان حتى رَمِدَ (^١)، وعادته الملائكةُ» (^٢)، والذين يقولون بإلهية بعض البشر، وأنه الله، - فإن كثيرًا من الناس يحتج على هؤلاء بنفي التجسيم، أو التحيز، ونحو ذلك، ويقولون: «لو اتصف بهذه النقائص والآفات؛ لكان جسمًا أو متحيزًا؛ وذلك ممتنع».
وبسلوكهم مثل هذه الطريق استظهر عليهم الملاحدة، نفاة الأسماء والصفات، فإن هذه الطريق لا يحصل بها المقصود لوجوه:
_________________
(١) «الرَّمَدُ: وجع العين، وانتفاخُها». «لسان العرب» ٣/ ١٨٥.
(٢) حكاه عنهم الشيخ في مواضع من كتبه ك «درء التعارض» ٦/ ٣٤٨، و«الجواب الصحيح» ١/ ٣٥٠، وكذا ابن القيم في «هداية الحيارى» ص ٢٤٥.
[ ٥٠٧ ]
بعد أن بيَّن الشيخ فساد الاعتماد في التنزيه على مجرد نفي التشبيه، ذكر هنا طريقة أخرى أفسد مِنْ سابقتها؛ وهي: الاعتماد في تنزيه الله تعالى عمَّا يجب تنزيهه عنه ممَّا هو من أعظم الكفر على نفي التجسيم والتحيز، وهذه الطريقة يسلكها نفاة الصفات أو بعضها مِنْ المعتزلة والأشاعرة.
فإذا أراد أولئك تنزيه الله تعالى عن صفات النقص؛ ك «الحزن»، و«البكاء»، و«المرض»، و«الولد»، و«البخل»، و«الفقر»، ونحو ذلك - ممَّا يصفه به أعداء الله تعالى من اليهود وغيرهم -، فإذا أراد هؤلاء المتكلمون نفاة الصفات أو بعضها تنزيه الله تعالى عن هذه الصفات ونحوها، التي يعد القول بها من أعظم الكفر والرد على اليهود ونحوهم في ذلك، فإنهم ينفونها بحجة أن إثباتها مستلزم للتجسيم والتحيز، وهذا ممتنع على الله.
والشيخ هنا يبين أن الاعتماد في تنزيه الله تعالى عن هذه النقائص التي يصفه بها الكفار على حجة استلزامها للتجسيم، أن هذه الطريقة فاسدة لا يحصل بها المقصود من إبطال الباطل؛ بل إن سلوكها من قِبَل المعتزلة، والأشاعرة؛ سبَّب أن تسلط عليهم الملاحدة من نفاة الأسماء والصفات؛ كالجهمية، والباطنية، والفلاسفة.
فإنهم يقولون: إنكم إذا نفيتم ما نفيتم من الصفات بحجة استلزامها للتجسيم، ورددتم على اليهود الذين وصفوا الله تعالى بالنقائص
[ ٥٠٨ ]
بالحجة نفسها؛ فكذلك يلزمكم ذلك فيما أثبتم من الأسماء الصفات؛ فإنه مستلزم للتجسيم (^١).
واعتراض الشيخ عليهم هنا مُنْصَبٌّ على الدليل لا على أصل المسألة، فنفي النقائص عن الله تعالى حق، ولكن طريقتهم التي سلكوها في ذلك فاسدة لا يحصل بها المقصود، وبيَّن ذلك من وجوه:
* * *
_________________
(١) «شرح حديث النزول» ص ١٢٦، و«منهاج السنة» ٢/ ٥٦٣، و«الرسالة الأكملية» ص ٧٤، و«الفرقان بين الحق والباطل» ص ١٦٤، و«درء التعارض» ١/ ١٢٩ و٧/ ٩٥.
[ ٥٠٩ ]
أحدها: أن وَصْف الله تعالى بهذه النقائص والآفات؛ أظهر فسادًا في العقل والدين من نفي التحيز والتجسيم، فإن هذا فيه مِنْ: الاشتباه، والنِّزاع، والخفاء ما ليس في ذلك، وكُفْرُ صاحبِ ذلك؛ معلوم بالضرورة من دين الإسلام.
والدليلُ مُعرِّف للمدلول، ومبيِّن له، فلا يجوز أن يُستدل على الأظهرِ الأبين بالأخفى، كما لا يُفعل مثل ذلك في الحدود.
الوجه الأول من وجوه بيان فساد طريقة المتكلمين في نفي النقائص عن الله تعالى بنفي التجسيم والتحيز؛ أن يقال:
إن تنزيه الله تعالى عن هذه النقائص والآفات؛ كالحزن، والبكاء، والمرض؛ أظهر في العقل والدين من نفي الجسم والحيز عن الله تعالى؛ فإن نفي التحيز والتجسيم فيه مِنْ: الخفاء، والنزاع، والاشتباه ما ليس في الأول، فليس في المسلمين مَنْ يُنازِع في نفي الحزن، والبكاء، والمرض، ونحو ذلك عن الله تعالى؛ لأن كفرَ مَنْ وَصْف الله تعالى بذلك؛ معلوم بالضرورة من دين الإسلام؛ بخلاف التجسيم - مثلًا - ففيه نزاع، وخفاء، واشتباه، فهناك من أثبته؛ كالكرَّامية (^١)، وهناك من استفصل في معناه، وهم أهل السنة، وهكذا.
_________________
(١) نسبة إلى محمد بن كرَّام السجستاني، وسيأتي حديث للمؤلف عنهم في ص ٦٢٨، وترجمته هناك.
[ ٥١٠ ]
وإذا كان الأمر كذلك؛ فلا يصح الاستدلال بالأخفى على الأظهر؛ لأن المفترض أن يكون الدليلُ أظهرَ وأبين من المدلول، كما يفعل في الحدود - يعني: التعريفات - فالشيء يُعَرَّف بما هو مَعروف لدى المخاطب، لا بشيء أخفى مِنْ المعرَّف، أو بما لا يفهمه المخاطب.
فجَعْلُ هؤلاء نفي التجسيم دليلًا على نفي البكاء، والحزن، والمرض عن الله تعالى؛ لا يصح، بل هو فاسد؛ لما سبق.
* * *
[ ٥١١ ]
الوجه الثاني: أن هؤلاء الذين يصفونه بهذه الآفات؛ يمكنهم أن يقولوا: «نحن لا نقول بالتجسيم والتحيز»، كما يقوله مَنْ يثبت الصفات وينفي التجسيم؛ فيصير نزاعهم مثل نزاع مثبتة صفات الكمال، فيصير كلام مَنْ وصف الله بصفات الكمال، وصفات النقص؛ واحدًا! ويبقى رد النفاة على الطائفتين بطريق واحد، وهذا في غاية الفساد.
الوجه الثاني: أن هؤلاء الذين يصفون الله تعالى بالنقائص والآفات من اليهود ونحوهم؛ يمكنهم أن يجيبوا عن دليل المتكلمين على نفي هذه النقائص؛ وهو: نفي التجسيم والتحيز، فيقولون: نحن نثبت ما نثبت، (ولا نقول بالتجسيم والتحيز).
كما يقول مِثلَ ذلك مثبتةُ صفاتِ الكمال من أهل السنة والجماعة، الذين يثبتون لله تعالى صفات الكمال، وينفون إطلاق لفظ: التحيز، والتجسيم.
فيكون رد المتكلمين على الطائفتين واحدًا، أي: يكون ردهم على مَنْ يثبت لله تعالى صفات الكمال بنفس الحجة التي ردوا بها على من يثبت لله تعالى صفات النقص، وهي القول باستلزام ذلك للتحيز، والتجسيم.
[ ٥١٢ ]
وهذا يتضمن التسوية في الرد على مَنْ يصف الله تعالى بالنقائص، ومن يصفه بصفات الكمال، وفي ذلك تسوية بين الحق والباطل، فطريقة تفضي إلى ذلك؛ طريقة فاسدة؛ بل في غاية الفساد.
* * *
[ ٥١٣ ]
الثالث: أن هؤلاء ينفون صفات الكمال بمثل هذه الطريقة، واتصافُه بصفات الكمال واجبٌ ثابتٌ بالعقل والسمع؛ فيكون ذلك دليلًا على فساد هذه الطريقة.
الرابع: أن سالكي هذه الطريقة متناقضون، فكلُّ مَنْ أثبت شيئًا منهم؛ ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من الإثبات، كما أن كلَّ مَنْ نفى شيئًا منهم؛ ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من النفي.
فمثبتةُ الصفات؛ كالحياة، والعلم، والقدرة، والكلام، والسمع، والبصر؛ إذا قالت لهم النفاة؛ كالمعتزلة: «هذا تجسيم؛ لأن هذه الصفات أعراض، والعرض لا يقوم إلا بالجسم، فإنا لا نعرف موصوفًا بالصفات إلا جسمًا».
قالت لهم المثبتة: «وأنتم قد قلتم: «إنه حي، عليم، قدير»، وقلتم: «ليس بجسم»، وأنتم لا تعلمون موجودًا، حيًا، عالمًا، قادرًا؛ إلا جسمًا، فقد أثبتموه على خلاف ما علمتم، فكذلك نحن»، وقالوا لهم: «أنتم أثبتم حيًا، عالمًا، قادرًا، بلا حياة، ولا علم، ولا قدرة، وهذا تناقض يُعلم بضرورة العقل».
ثم هؤلاء المثبتة إذا قالوا لمن أثبت أنه يرضى، ويغضب، ويحب، ويبغض، أو مَنْ وصفه بالاستواء، والنزول، والإتيان، والمجيء، أو بالوجه، واليد، ونحو ذلك؛ إذا قالوا: «هذا يقتضي التجسيم؛ لأنَّا لا نعرف ما يوصف بذلك إلا ما هو جسم».
[ ٥١٤ ]
قالت لهم المثبتة: «فأنتم قد وصفتموه بالحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، وهذا هكذا؛ فإن كان هذا لا يوصف به إلا الجسم؛ فالآخر كذلك، وإنْ أمكنَ أنْ يوصفَ بأحدهما ما ليس بجسم؛ فالآخر كذلك، فالتفريق بينهما تفريق بين المتماثلين».
الوجه الثالث: أن هؤلاء النفاة من المعتزلة والأشاعرة يبنون قولهم في نفي الصفات على هذه الطريقة؛ وهي: نفي التجسيم والتحيز، ومِنَ المعلوم أنَّ إثباتَ الصفاتِ حقٌ ثابتٌ بالعقل والسمعِ، والحقُ لا يمكن أن يقوم على نفيه دليلٌ صحيح، وأيُّ دليل يقام على إبطال هذا الحق؛ فهو باطل؛ وعليه؛ فدليلُ هؤلاء على نفي صفات الكمال عن الله؛ دليلٌ باطل؛ لاستلزامه نفي الحق الثابت.
والوجه الرابع: مِنْ وجوه فساد هذه الطريقة: أن سالكيها متناقضون، والتناقضُ دليلُ الفساد، ولو كانت صحيحة؛ لم تتناقض، والكلامُ هنا مع الأشاعرةِ، والمعتزلةِ؛ فالمعتزلةُ يوافقون الأشاعرة في إثبات الأسماء، والأشاعرة يوافقون المعتزلة في نفي ما نفوه هم مِنْ الصفات.
فيقول المعتزلة للأشاعرة: «إثباتكم لما أثبتم من الصفات؛ يستلزم التجسيم؛ لأن هذه الصفاتِ أعراضٌ، والأعراضُ لا تقوم إلا بجسم؛ فإثباتها مستلزم للتجسيم، والله تعالى مُنزَّهٌ عن التجسيم».
[ ٥١٥ ]
فيقول لهم الأشاعرة: «وأنتم - يا معتزلة - أثبتم لله تعالى أسماء، ومِن المعلوم أنه لا يوجد في الشاهد مسمى بهذه الأسماء إلا ما هو جسم، فما أثبتموه من الأسماء؛ مستلزمٌ للتجسيم، وإذا كان هذا غير لازمٍ في نظركم، فكذلك إثبات ما أثبتنا من الصفات؛ غير مستلزم للتجسيم».
فكلُّ مَنْ أثبت شيئًا؛ ألزَمَ الآخَرَ بإثباته؛ بحجة ما يوافقه فيه مِنْ الإثبات، كما أن كلَّ مَنْ نفى شيئًا منهم؛ ألزَمَ الآخَرَ بنفيه؛ بحجة ما يوافقه فيه من النفي.
فالمعتزلةُ يحتجون على الأشاعرة بما وافقوهم فيه مِنْ النفي، والأشاعرةُ يحتجون على المعتزلة بما وافقوهم فيه من الإثبات.
وأهل السنة - أيضًا - يمكنهم أن يسلكوا هذه الطريقة؛ فيحتجوا على كل منهم بما عندهم من الإثبات.
فإذا قال الأشاعرة: «إن إثبات الرضا، والغضب، والمحبة، والبغض، والاستواء، والنزول، والإتيان، والمجيء، والوجه، واليد، ونحو ذلك؛ مستلزمٌ للتجسيم».
قال لهم أهل السنة: «وكذلك العلم، والحياة، والقدرة والسمع، والبصر؛ فإنْ كان إثبات هذه لا يستلزم تجسيمًا - وقد وصفتم الله تعالى بها -؛ فكذلك ما نفيتم لا تستلزم تجسيمًا، وإنْ جعلتموها مستلزمة للتجسيم؛ فهذه كذلك، فالقول فيها واحد».
[ ٥١٦ ]
وليس المرادُ هنا بيانَ بطلانِ مذهبهم، وإنما المراد بيان تناقضهم في سلوكهم هذه الطريقة في النفي والتنزيه. والتناقضُ دليلُ الفساد، فهذه الطريقة فاسدة.
* * *
[ ٥١٧ ]