فصل
وأمَّا في طرق الإثبات؛ فمعلوم - أيضًا - أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه؛ إذ لو كفى في إثباته مجرد نفي التشبيه؛ لجاز أن يوصف الله ﷾ مِنَ الأعضاء، والأفعال بما لا يكاد يحصى ممَّا هو ممتنع عليه مع نفي التشبيه.
وأن يوصف بالنقائص التي لا تجوز عليه مع نفي التشبيه، كما لو وصفه مفترٍ عليه ب «البكاء»، و«الحزن»، و«الجوع»، و«العطش» مع نفي التشبيه.
وكما لو قال المفتري: «يأكل لا كأكل العباد، ويشرب لا كشربهم، ويبكي ويحزن لا كبكائهم ولا حزنهم»، كما يقال: «يضحك لا كضحكهم، ويفرح لا كفرحهم، ويتكلم لا ككلامهم».
ولجاز أن يقال: «له أعضاء كثيرة لا كأعضائهم»، كما قيل: «له وجه لا كوجوههم، ويدان لا كأيديهم»، حتى يذكر المعدة، والأمعاء والذكر، وغير ذلك ممَّا يتعالى الله ﷿ عنه، سبحانه وتعالى عمَّا يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
[ ٥٢٠ ]
يذكر الشيخ هنا الضابط الثاني الذي سبق أن أشار إليه في مطلع «القاعدة» (^١)؛ وهو: أنه لا يصح الاعتماد في إثبات الصفات لله تعالى على مجرد نفي التشبيه.
ومعناه عند من يقول به: أنَّ كلَّ ما ليس فيه تشبيه؛ يجوز إثباته لله تعالى.
ووجه فساده: أنه لو قيل بذلك؛ للزم منه؛ أنه يجوز - عقلًا - أن يوصف الله تعالى بما لا يحصى من الأعضاء والأفعال من غير تشبيه.
كما لو قال مفترٍ على الله: «إنه تعالى يأكل ويشرب، ويجوع ويعطش، ويبكي ويحزن، - ونحو ذلك ممَّا هو ممتنع عليه تعالى - مع نفي التشبيه»، أي: مع نفي مشابهة هذه الصفات لصفات الخلق.
ويجعل ذلك مثل وصف أهل الحق لله تعالى بصفات الكمال مع نفي التمثيل، حين يقولون - مثلًا -: (إنه يضحك لا كضحكهم، ويفرح لا كفرحهم، ويتكلم لا ككلامهم).
وكذلك يثبتُ المفتري على الله: أعضاء لله تعالى ممتنعة عليه، فيصفه بها مع نفي التشبيه، ويجعلها مثلَ وصفه تعالى بأنه: (له وجهٌ لا كوجوه الخلق، ويدان لا كأيديهم).
_________________
(١) في قوله: «إذ الاعتماد في هذا الباب على … مطلق الإثبات من غير تشبيه؛ ليس بسديد». ص ٤٦٢.
[ ٥٢١ ]
فالاعتماد فيما يجوز على الله في باب الإثبات على مجرد نفي التشبيه؛ يلزم منه هذا الباطل؛ وهو: تجويز وصف الله تعالى بما يتنزَّه عنه، ويمتنع عليه مع نفي التشبيه؛ وما لزم منه الباطل؛ فإنه باطل.
والظاهر أن الشيخَ يقصدُ بذلك أهل الكلام؛ مثل: الأشاعرة فيما يرون جواز اتصاف الباري به عقلًا؛ فيثبتونه مع نفي التشبيه.
ومِنَ المعلوم بداهة؛ أنه لا يلزم مَنْ سلك هذه الطريقة: أن يصف الله تعالى بهذه النقائص، وإن كان جوازُها على الله؛ لازمَ مذهبِه؛ لأنَّ القولَ الحقَ: أنَّ لازمَ المذهبِ؛ ليس بمذهب؛ إلا إذا التزمه صاحب المذهب، ولكن إذا كان يلزم عليه باطل؛ دل على بطلانه (^١).
* * *
_________________
(١) «القواعد الكلية» ص ٢٥٤، و«مجموع الفتاوى» ١٦/ ٤٦١ و٢٠/ ٢١٧، و«درء تعارض العقل والنقل» ٨/ ١٠٨، و«الكافية الشافية» ص ٢٢٩.
[ ٥٢٢ ]