فإنه يقال لمن نفى ذلك مع إثبات الصفات الخبرية وغيرها من الصفات: ما الفرق بين هذا، وبين ما أثبته، إذا نفيت التشبيه، وجعلت مجرد نفي التشبيه كافيًا في الإثبات؟
فلا بدَّ من إثبات فرق في نفس الأمر.
فإن قال: «العمدة في الفرق هو السمع، فما جاء السمع به أثبته، دون ما لم يَجِئْ به السمع».
قيل له: «أولًا: السمعُ هو خبرُ الصادق عمَّا هو الأمر عليه في نفسه، فما أخبر به الصادق؛ فهو حقٌ مِنْ نفي أو إثباتٍ، والخبرُ دليلٌ على المخبَر عنه، والدليلُ لا ينعكس، فلا يلزمُ مِنْ عدمه عدم المدلول عليه، فما لم يرد به السمعُ يجوز أن يكون ثابتًا في نفس الأمرِ، وإن لم يرد به السمعُ؛ إذا لم يكن قد نفاه.
ومعلوم أنَّ السمعَ لم ينفِ كلَّ هذه الأمورِ بأسمائها الخاصة، فلا بدَّ مِنْ ذكر ما ينفيها مِنْ السمع، وإلا فلا يجوز حينئذٍ نفيها، كما لا يجوز إثباتها».
[ ٥٢٣ ]
يقول الشيخ: (فإنه يقال لمن نفى ذلك) - أي: صفات النقص، وما يجب تنزيه الله عنه من: الأفعال، والأعضاء مع إثبات الصفات الخبرية؛ كالوجه، واليدين، والصفات العقلية؛ من: العلم، والقدرة، والسمع وغيرها - يقال له: (ما الفرق بين ما نفيته، وما أثبته) ما دام أنَّ اعتمادك من جهة العقل فيما يجوز على الله على مجرد نفي التشبيه؟!
وعلى هذا فإنه يلزمه على قاعدته في الإثبات: أن يجيز إثبات الجميع مع نفي التشبيه دون تفريق بين الصفات.
فإنْ قال مَنْ يجعلُ الضابطَ له في مطلقِ الإثباتِ مجردَ نفي التشبيه مع كونه ينفي النقائص عن الله تعالى، إن قال هذا في حجته في التفريق بين ما نفاه من صفات النقص، وما أثبته مِنْ صفات الكمال: إن العمدةَ في الفرق بين ما أثبتُّ وما نفيتُ؛ السمعُ، - يعني: النصوص الشرعية - فما جاء في النص إثباته أثبتُّه، وما جاء في النص نفيه نفيتُه.
فهو يجعلُ الفرقَ بين إثباتِ صفاتِ الكمالِ لله؛ كالوجه، واليدين، ونفي صفات النقص عن الله تعالى؛ كالجوع، والحزن، والبكاء؛ مجرَّدَ أنَّ الأول جاء به السمع، والثاني لم يرد به السمع. والشيخ هنا يبين فساد الاعتماد على هذا المسلك.
فمَن جعلَ العمدةَ في الفرق بين ما يُثبِتُ لله من صفات الكمال وما يَنفي عنه من صفات النقص؛ هو: السمع، فما جاء في السمع إثباته؛ أثبتَه، وما جاء في السمع نفيه؛ نفاه، يقال له:
[ ٥٢٤ ]
أولًا: إن السمع خبرُ الصادقِ، والخبرُ الصادقُ: إخبارٌ بما الأمر عليه، أي: إخبارٌ عن الواقع، وهذا حقٌ في النفي والإثبات، وهذا الخبر؛ هو: الدليل على المخبَر عنه، والدليل لا ينعكس.
ومعنى أن الدليل لا ينعكس: أي: لا يلزم مِنْ عدم الدليل المعين؛ عدم المدلول؛ إذ يمكن أن يكون الشيء ثابتًا في نفس الأمر، وإن لم يرد به دليل من السمع، ما دام أنه لم يرد دليل معين على نفيه.
وكان الأصلُ في الإثبات عندكم مجرَّدَ نفي التشبيه، والفرق بين ما يُثبت وينفى؛ ورود الدليل السمعي، ومن المعلوم أن السمع - الكتاب والسنة - لم يرد بنفي كل هذه النقائص بأسمائها الخاصة؛ كالحزن، والبكاء، والجوع، ونحو ذلك.
فيلزم من جعل العمدة عنده في نفي النقائص عن الله تعالى مجيء نفيها في السمع؛ ألَّا ينفي النقائص التي لم يرد السمع بالنص على نفيها باسمها؛ بل تبقى عنده من قبيل الجائز المسكوت عنه، الذي لا يثبت، ولا ينفى.
فلا تُنفى؛ لأن السمع لم يرد بنفيها، ولا تثبت؛ لأن السمع لم يرد بإثباتها.
والحق: أن هذه النقائص ممَّا يجب تنزيه الله تعالى عنه، ولو لم يرد نص خاص بكلٍّ منها؛ بل هي من الأمور الممتنعة على الله تعالى عقلًا وشرعًا، كما يدل عليه «المثل الأعلى» (^١).
_________________
(١) تقدم بيان معناه في ص ١٢٤، ٢٣٩.
[ ٥٢٥ ]
وأيضًا، فلا بدَّ في نفس الأمر مِنْ فرقٍ بين ما يثبت له، وينفى عنه؛ فإن الأمور المتماثلة في الجواز،، والوجوب، والامتناع؛ يمتنع اختصاص بعضها دون بعض بالجواز، والوجوب، والامتناع، فلا بدَّ من اختصاص المنفي عن المثبَت بما يخصه بالنفي، ولا بدَّ من اختصاص الثابت عن المنفي بما يخصه بالثبوت.
وقد يُعبَّر عن ذلك بأن يقال: لا بدَّ مِنْ أمر يوجب نفي ما يجب نفيه عن الله تعالى، كما أنه لا بدَّ مِنْ أمر يُثبت له ما هو ثابت، وإن كان السمع كافيًا؛ كان مخبِرًا عمَّا هو الأمر عليه في نفسه، فما الفرق في نفس الأمر بين هذا، وهذا؟!
سبق أنه يلزمُ مَنْ جعلَ العمدةَ في مطلق الإثبات؛ الاعتماد على مجردِ نفي التشبيه أن يُجَوِّز وصفَ الله تعالى بما لا يحصى من الأعضاء، والأفعال، والنقائص مع نفي التشبيه.
وأنه يقال لمن أثبت لله تعالى الصفات الخبرية، ونفى عن الله تعالى صفات النقص: ما الفرق عندك بين ما نفيته، وما أثبته ما دام أن القاعدة عندك نفي التشبيه؟
وسبق أنه يجعلُ الفرقَ بين ما يثبت، وما ينفى؛ السمع، فما جاء في السمع إثباته أثبتَه، وما جاء في السمع نفيه نفاه؛ وتبيَّن فساد هذا
[ ٥٢٦ ]
المسلك؛ إذ لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، فعدم الدليل المعين على نفي نقص من النقائص؛ ليس دليلًا على عدمها، فيلزم على هذا المسلك أن تكون هذه النقيصة ممَّا يجوز وجودها؛ لعدم الدليل المعين على نفيها باسمها، كما لم يدل دليل على إثباتها؛ فتكون ممَّا يجوز عقلًا.
ويبيِّن الشيخ هنا أنه لا بدَّ من فرق في نفس الأمر بين ما يثبت لله تعالى من صفات الكمال، وما ينفى عنه من صفات النقص؛ فإن الأمور المتماثلة في الجواز، والوجوب، والامتناع؛ يمتنع التفريق بينها في الجواز، والوجوب، والامتناع.
فالأمور المتماثلة يمتنع التفريق بينها، فما كانت متماثلة في الجواز؛ يمتنع التفريق بينها في الجواز، وما كانت متماثلة في الوجوب؛ يمتنع التفريق بينها في الوجوب، وما كانت متماثلة في الامتناع؛ يمتنع التفريق بينها في الامتناع.
فإذا جاء الشرع بإثبات شيء، ونفي شيء؛ يمتنع أن يقال بالتسوية بينهما في الجواز؛ بل لا بدَّ أن يكون هناك فرقٌ في نفس الأمر بين ما جاء الشرع بإثباته، وما جاء الشرع بنفيه، فالشرع قائم على الحِكمة، ويمتنع في الحكمة التفريق بين المتماثلات، أو التسوية بين المختلفات، كما في الأوامر، والنواهي.
[ ٥٢٧ ]
فلا يقال مثلًا: إنه لا فرق بين إثبات العَدْل لله تعالى، ونفي الظلم عنه، إلا أنه ورد إثبات هذا بالسمع، ونفي ذاك؛ بل الحق أن بينهما فرقًا في نفس الأمر، فالعدلُ كمالٌ، والظلمُ نقصٌ.
فلا بدَّ أن يكون في المنفي عن الله تعالى ما يقتضي نفيه عقلًا عن الله تعالى، ولا بدَّ أن يكون فيما يثبت لله تعالى ما يقتضي إثباته، ويخصه بالثبوت.
* * *
[ ٥٢٨ ]