وهذا باب مُطَّرِدٌ، فإن كلَّ واحد من النفاة لما أخبر به الرسول ﷺ من الصفات، لا ينفي شيئًا - فرارًا مما هو محذور -؛ إلا وقد أثبت ما يلزمه فيه نظير ما فرَّ منه، فلا بُدَّ له في آخر الأمر من أن يثبت: موجودًا، واجبًا، قديمًا، متصفًا بصفات تميزه عن غيره، ولا يكون فيها مماثلًا لخلقه.
فيقال له: «وهكذا القول في جميع الصفات». وكلُّ ما نثبته من الأسماء والصفات؛ فلا بُدَّ أن يدل على قدر مشترك تتواطأ فيه المسميات، ولولا ذلك لما فهم الخطاب، ولكن نعلم أنَّ ما اختص الله به، وامتاز عن خلقه؛ أعظمُ مما يخطر بالبال، أو يدور في الخيال.
يختم الشيخ هذا الأصل بالإشارة إلى تناقض المخالفين النفاة الذين ينفون ما أخبر به الرسول ﷺ من صفات الله تعالى سواء نفيًا عامًا أم نفيًا لبعضها.
[ ٢١٠ ]
فكل من نفى شيئًا مما جاء في كتاب الله، أو سنة رسوله ﷺ من صفات الله تعالى، فرارًا من محذور مُتوهم لديه؛ فلا بد أن يثبت ما يلزمه فيه نظير ما فر منه (^١).
ولابد لهذا النافي أن يثبت: (موجودًا، واجبًا، قديمًا، متصفًا بصفات تميزه عن غيره، ولا يكون فيها مماثلًا لخلقه)، وإلا خرج إلى التعطيل والجحد المحض لوجود الرب تعالى.
وإذا أَثبت «موجودًا متصفًا بصفات تميزه عن غيره» ليس كسائر الموجودات، قيل له: (وهكذا القول في جميع الصفات)، فنثبتها على وجه يليق بالله تعالى، ليس مماثلا فيها لشيء من خلقه».
وبعد إثبات الأسماء والصفات؛ فلا بُدَّ أن يُعلم بأنها تَدل ويُفهم من معانيها: (قَدْرٌ مشترك تتواطأ) - أي: تتفق - (فيه المسمَّيات).
مثال ذلك: إذا قلنا: «اللهُ موجودٌ»؛ فإنه يدل على قدر مشترك يدل على مطلق الوجود، وهو مسمى الاسم المطلق: «وجود، أو: موجود»، فنفهم من قولنا: «اللهُ موجودٌ»: المعنى العام الكلي المشترك للفظ: «الوجود»، كما نفهم منها: ما يدل عليه التخصيص والإضافة إلى الرب تعالى؛ مثل: كونِ وجودِه: واجبًا، قديمًا، ونحو ذلك.
ولا بدَّ من هذا القدر المشترك الذي تتفق فيه المسميات، ولولا ذلك لما فهم الخطاب، فإذا قرأنا قوله تعالى: ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فنفهم من قوله: ﴿الْحَيُّ﴾ قَدْرًا مشتركًا، ومعنى عامًا، هو: مسمى الاسم المطلق للفظ: ﴿الْحَيُّ﴾، وهو: كونه ذو حياةٍ، والحياةُ ضد الموت.
_________________
(١) «شرح حديث النزول» ص ١١٢، و«مجموع الفتاوى» ٦/ ٤٥، و«الصفدية» ص ٣٢٧، و«درء تعارض العقل والنقل» ١/ ١٢٨.
[ ٢١١ ]
ولا بد من وجود هذا القدر المشترك حتى يفهم الخطاب، ولو لم يكن هذا المعنى مفهومًا؛ لم نعلم معاني أسماء الله وصفاته، ولم نميز بينها، وَلَكَان اللهُ تعالى خاطبنا بما لا نعقل ولا نفهم.
ومع ذلك، يجب أن نعلم أنَّ ما اختصَّ الله تعالى به عن خلقه من معاني صفاته من: حياة، وسمع، وبصر، وقدرة، وغير ذلك؛ فوقَ، وأعظمُ مما يخطر بالبال، أو يدور في الخيال، لأنَّ كُنْهَ صفات الله تعالى وحقائقها؛ لا ندركها، ولا يمكن أن نحيط بها، أو نتخيلها.
* * *
[ ٢١٢ ]