واللهُ ﷾ لا تُضرب له الأمثال التي فيها مماثلة لخلقه، فإنَّ اللهَ لا مِثل له، بل له المَثَلُ الأعلى، فلا يجوز أن يشترك هو والمخلوق في قياس «تمثيل»، ولا في قياس «شمول» تستوي أفراده.
ولكن يستعمل في حقه «المثل الأعلى»؛ وهو: أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال؛ فالخالق أولى به، وكل ما تنزه عنه المخلوق من نقص؛ فالخالق أولى بالتنزيه عنه، فإذا كان المخلوق مُنزَّهًا عن مماثلة المخلوق مع الموافقة في الاسم؛ فالخالق أَولى أن يُنزه عن مماثلة المخلوق، وإن حصلت موافقة في الاسم.
وبعد أن ذكر الشيخُ المثلَ المضروب بأسماء نعيم الجنة وموافقتها لبعض الأسماء المشاهدة في الدنيا، وذكر مواقف الناس من ذلك، ختم الحديث عن ذلك بالتأكيد والتذكير بأن الله تعالى (لا تضرب له الأمثال التي فيها مماثلة لخلقه)، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلّهِ الأَمْثَالَ
[ ٢٣٦ ]
إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُون (٧٤)﴾ [النحل] وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير (١١)﴾ [الشورى].
فأما ضرب الأمثال التي تتضمن تعظيمه، وتُبين أنه تعالى أَولى بالكمال، وأَولى بالتنزيه عن النقص من خلقه؛ فهذا واردٌ في القرآن؛ كما في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِنْ شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء﴾ [الروم: ٢٨].
فهذا من قياس الأولى، ومضمونه: أنه إذا كان المملوك منكم لا يكون شريكًا لمالكه، ولا يرضى المالكُ أن يكونَ المملوكُ شريكًا له ومساويًا له؛ فاللهُ تعالى أَولى ألَّا يكون أحد من خلقه وعبيده شريكًا له.
(فلا يجوز أن يشترك الخالقُ والمخلوق في قياس «تمثيل»)، يستوي فيه الفرع والأصل، (ولا في قياس «شمول» تستوي أفراده) (^١).
فقياس الشمول: مصطلح منطقي معروف؛ وهو: «الدليل المكون من مقدمتين، فأكثر» (^٢)، والمقدمة؛ هي: «القضيةُ التي تُكَوِّن جزءَ الدليل».
_________________
(١) «بيان تلبيس الجهمية» ٢/ ٣٤٧، و«درء تعارض العقل والنقل» ١/ ٢٩ و٧/ ٣٢٣ و٣٦٢، و«الرد على المنطقيين» ص ١٩٣، و«شرح الأصبهانية» ص ١٨٠.
(٢) وتمامُ التعريفِ: «يلزم عنهما لذاتهما قولا آخر». «حاشية الأخضري على السلم» ص ٣٣، و«حاشية الباجوري على السلم» ص ٦٠، و«إيضاح المبهم من معاني السلم» ص ١٢، و«آداب البحث والمناظرة» ص ١٠٣.
[ ٢٣٧ ]
وقياس التمثيل؛ هو: القياس المعروف عند الأصوليين؛ وهو: «إلحاقُ فَرْعٍ بأصل في حُكم؛ لِعلةٍ جامعةٍ بينهما» (^١)؛ وحقيقة القياسَين واحدة، إلا أنهما مختلفان في الأسلوب والصيغة (^٢).
وتقريب هذا بالمثال التالي:
فمثال القياس الفقهي - «قياس التمثيل» -: إلحاق النبيذ بالخمر في التحريم؛ لجامع الإسكار. فالنبيذ: فَرْعٌ، والخمر: أصل، والحكم: التحريم، والعلة: الإسكار.
وهذا القياس يُمكن أن يصاغ بصيغة «قياس الشمول»؛ فيقال:
النبيذ: مسكر، وكل مسكر حرام؛ فالنبيذ: حرام (^٣).
فلا يجوز استعمال قياس التمثيل، ولا الشمول في حق الله تعالى، فلوازم صفات المخلوق؛ لا تلزم في صفات الله تعالى.
وأهل البدع يستعملون قياس الشمول في حق الرب تعالى، ومن ذلك قولهم: «الصفات لا تقوم إلا بجسم، وكل جسم مركب، فلو كان لله تعالى صفات؛ لكان جسمًا، ثُم لكان مركبًا؛ فيلزم من ذلك: التركيب، والتشبيه»، فينفون عن الله تعالى الصفات بناء على أنه يلزم في حق الخالق ما يلزم في حق المخلوق.
_________________
(١) «روضة الناظر» ٣/ ٧٩٧، و«أصول الفقه» ٣/ ١١٨٩، و«شرح الكوكب المنير» ٤/ ٦.
(٢) «الرد على المنطقيين» ص ١٥٧، و«درء تعارض العقل والنقل» ٧/ ١٥٣، و«آداب البحث والمناظرة» ص ٢٩١.
(٣) «شرح الأصبهانية» ص ٤٥٥.
[ ٢٣٨ ]
فلا يجوز أن يُستعمل في حق الرب تعالى هذا القياس، وإنما يستعمل في حقه: قياس الأولى؛ كما قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ﴾ [النحل: ٦٠].
و(المثل الأعلى)؛ هو: «الوصف الأكمل»، فله المثل الأعلى في الواقع، وفي قلوب المؤمنين.
و(المثل الأعلى)؛ يتضمن قياس الأَولى؛ وهو: «أنَّ كلَّ كمالٍ ثبت للمخلوق لا نقص فيه؛ فالخالقُ أَولى به».
فمثلًا: نقول: «العلمُ صفة كمال، والمخلوقُ يتصف بالعلم؛ فالخالقُ أَولى بالاتصاف بصفة الكمال هذه من المخلوق، لئلا يكون المخلوقُ أكملَ من الخالق».
وتقييدُ الكمال بكونه (لا نقص فيه) احترازٌ من بعض الكمالات التي يوصف بها المخلوق وهي كمال في حقه، ولكنها تتضمن نقصًا، فالإنسانُ الذي يولد له؛ أكملُ من العقيم، والإنسانُ الذي يأكل الطعام؛ أكملُ من المريض الذي لا يأكل.
ولكن هذا الكمال يستلزم نقصًا في المخلوق، فالولدُ يستلزم التجزؤ في الإنسان؛ لأن الولد جزء من الوالد، كما أنه يستلزم النظير، فالولدُ نظيرُ والده، ويستلزم الحاجة من وجه؛ كحاجته إليه في معونته مثلًا، كما أنَّ الأكل يستلزم الحاجة إلى الطعام.
وكذلك كل ما تنزه عنه المخلوق من صفات النقص؛ فالخالقُ أولى بأن ينزه عنه.
[ ٢٣٩ ]
فإذا كان المخلوقُ منزهًا عن مماثلة المخلوق مع الموافقة في الاسم - كما سبق في ذكر المثل بموجودات الآخرة مع موجودات الدنيا (^١) - فالخالقُ ﷾ أولى ألَّا يماثل خلقه، وإنْ حصلت موافقة في الاسم، المتضمنة للاشتراك في المعنى العام الكلي المشترك، الذي هو مسمى الاسم عند الإطلاق.
* * *
_________________
(١) ص ٢٢٥.
[ ٢٤٠ ]