ومن هداه الله سبحانه فرَّق بين الأمور وإن اشتركت من بعض الوجوه، وعَلِم ما بينها مِنَ الجمع والفَرْق، والتشابه والاختلاف، وهؤلاء لا يَضِّلون بالمتشابه من الكلام؛ لأنهم يجمعون بينه وبين المحكمِ الفارقِ الذي يبيِّن ما بينهما من الفَصْل والافتراق.
وهذا كما أنَّ لفظ «إنا»، و«نحن»، وغيرهما مِنْ صيغ الجمع يتكلم بها الواحد الذي له شركاء في الفعل، ويتكلم بها الواحد العظيم، الذي له صفات تقوم كلُّ صفةٍ مقامَ واحد، وله أعوان تابعون له، لا شركاء له.
فإذا تمسك النصراني بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩]، ونحوه على تعدد الآلهة؛ كان المحكم؛ كقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم (١٦٣)﴾ [البقرة]، ونحو ذلك مما لا يحتمل إلا معنى واحدًا؛ يزيل ما هناك مِنَ الاشتباه، وكان ما ذكره من صيغ الجمع؛ مبينًا لما يستحقه مِنْ العظمة والأسماء والصفات، وطاعة المخلوقات من الملائكة، وغيرهم.
وأما حقيقة ما دلَّ عليه ذلك من حقائق الأسماء والصفات، وما له من الجنود الذين يستعملهم في أفعاله؛ فلا يعلمه إلا هو: ﴿وَمَا
[ ٤٣٨ ]
يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]، وهذا من تأويل المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله.
بخلاف الملِك مِنَ البشر إذا قال: «قد أمرنا لك بعطاء»؛ فقد عُلم أنه هو، وأعوانه - مثل: كاتبِه، وحاجبه، وخادمه، ونحو ذلك - أمروا به، وقد يُعلم ما صدر عنه ذلك الفعل من اعتقاداته، وإراداته، ونحو ذلك.
والله ﷾ لا يَعلمُ عبادُه الحقائقَ التي أخبر عنها من صفاته، وصفات اليوم الآخر، ولا يعلمون حقائقَ ما أراد بخلقه وأمره من الحكمة، ولا حقائق ما صدرت عنه من المشيئة والقدرة.
أي: أن مَنْ أنعم الله عليه بالهدى؛ فرَّق بين الأمور وإن اشتبهت مِنْ بعض الوجوه؛ لأنه يدرك ما بينها من الفَرْق والجمع، خلاف مَنْ تقدم ذكرهم، من فرق الضلال من: الاتحادية، والجهمية، والفلاسفة.
قوله: (وهؤلاء لا يَضِلون بالمتشابه من الكلام …) أي: وهؤلاء المهديون لا يضلون بالمتشابه من الكلام، وهذا هو المقصود؛ لأنَّ موضوعَ الكلامِ: الآياتُ المتشابهات؛ وهي: من الكلام المتشابه.
قوله: (لأنهم يجمعون بينه وبين المحكم) أي: يجمعون بين المحكم والمتشابه؛ فيردون المتشابه إلى المحكم، وهذا هو منشأ الهداية، ففي القرآن متشابهٌ، وفي السنة أحاديثُ متشابهةٌ، وفي كلام الناس متشابه، فإذا
[ ٤٣٩ ]
ورد عن إمام من الأئمة - مثلًا - عبارة تُوهم كذا، أو تدل على كذا؛ فالواجبُ ردُّ هذا الكلام المشكل إلى أصوله، وإلى ما عُرف به، وكلامه الواضح، وأما المغرضون، والجاهلون؛ فإنهم يَضلون بالمتشابه من الكلام.
ثم مثَّل الشيخ ﵀ للكلام المتشابه من القرآن؛ لأن أصل الحديث هو الآيات المتشابهات، كما في آية آل عمران: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [٧]، وقد تقدم (^١) أن من معاني المتشابه: أنه اللفظ المحتمل، والمحكم؛ هو: البين الذي لا يحتمل إلا معنى واحدًا؛ فهذا منه.
والله تعالى يذكر نفسه كثيرًا بصيغة الجمع؛ كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ [الفتح] وقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [نوح: ١] وقال: ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُون (٩٧)﴾ [الحجر] وغيرها من الآيات.
فهذه الصيغة في اللغة العربية تحتملُ أكثرَ مِنْ معنى، وقد بينها الشيخ بقوله: (يتكلم بها الواحد الذي له شركاء في الفعل، ويتكلم بها الواحد العظيم الذي له صفات تقوم كلُّ صفة مقام واحد، وله أعوان تابعون له، لا شركاء له) أي: يتكلم بها الواحد الذي له من أسباب العظمة: مِنْ الصفات، أو من العبيد، والجنود؛ ما يجعله يعبر عن نفسه بهذه الصيغة، وله صفات كل صفة تقوم مقام واحد.
فإذا كان هناك شخص: محدث، فقيه، شاعر، كاتب، فإنْ عُدَّ الفرسان؛ فهو معهم، وإن عُدَّ المحدثون؛ فهو معهم، وإن عُدَّ الفقهاء؛
_________________
(١) ص ٣٦٠.
[ ٤٤٠ ]
فهو معهم، وإن عُدَّ الشعراء؛ فهو معهم، فكل صفة ألحقته بتلك الطائفة، فالإنسان يكون بالصفة المتعددة بمثابة الجماعة، وهذا يبين كيف جاءت اللغة بإطلاق هذا اللفظ على الواحد الذي له من أسباب العظمة ما له من المعاني القائمة به، أو من الأتباع والعبيد، لا شركاء له.
فصيغةُ «إنا»، و«نحن»، وغيرهما؛ محتملةٌ، وقد جاءت هذه الصيغة في القرآن الكريم؛ كما تقدم، وجاءت في مواضع يخبر الله بها عن بعض العباد ممَّن له مِنْ أسباب العظمة ما له؛ كقوله تعالى عن سليمان: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ [النمل: ٢٧]، وكما في قصة يوسف مع الملك ﴿قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا﴾ [يوسف: ٥٤] إذًا؛ فهذه الصيغة من المتشابه.
قوله: (فإذا تمسك النصراني بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾، ونحوه على تعدد الآلهة …) أي: أن النصرانيَّ يقول بتعدد الآلهة؛ فإنه يقول بالتثليث، ويحتج على هذا بمثل هذه الصيغة المحتملة في حد ذاتها.
قوله: (كان المحكم كقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم (١٦٣)﴾ [البقرة]، ونحو ذلك ممَّا لا يحتمل إلا معنى واحدًا يزيل ما هناك من الاشتباه) أي: أن المحكم الذي يزيل هذا الاشتباه ويبطل هذا الاستدلال: النصوصُ المصرِّحة بالوحدانية لله تعالى في: ألوهيته، وربوبيته، مثل: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١)﴾ [الإخلاص]، ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤]، ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّار (١٦)﴾ [الرعد]؛ فهذا هو المحكم.
[ ٤٤١ ]
وقد تقدم في «القاعدة الثالثة» (^١): أن الله تعالى يذكر نفسه تارة بصيغة الإفراد، كما في آية «ص»، وفي غيرها من المواضع، ويذكر نفسه بصيغة الجمع، وكل من الصيغتين تدل على معنى حق، فصيغة الإفراد تدل على الوحدانية لله تعالى فهو الواحد الأحد المتفرد في ألوهيته وربوبيته فلا شريك له ولا شبيه، وصيغة الجمع تدل على أسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وكثرة جنوده وعبيده.
فكلٌّ مِنْ الصيغتين لها دلالة ثابتة للرب تعالى، فصيغة الإفراد تدل على ما هو ثابت له من التفرد، فهو الإله الذي لا شبيه له، والرب الذي لا شريك له، فلا إله غيره، ولا رب سواه، ولا شبيه له، في ذاته ولا في صفاته ولا أفعاله، وصيغة الجمع تدل على عظمته، وهذا يتضمن الدلالة على أسمائه الحسنى وصفاته العلى وعلى ما له من العبيد والجنود، الذين لا يعلم عددهم ولا يحصيهم إلا الله ﷾: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾.
فالآيات التي هي نص في التوحيد؛ تبطل استدلال النصراني الباطل، فيجب رد المتشابه إلى المحكم الذي يبين المراد به ويزيل الاشتباه والباطل الذي يتعلق به المبطل (^٢).
_________________
(١) ص ٣١٣.
(٢) «الجواب الصحيح» ٢/ ٢٦٩، و«مجموع الفتاوى» ٥/ ٢٣٣، و«الفرقان بين الحق والباطل» ١٤٥، و«تفسير سورة الإخلاص» ص ٣٧٧، و«شرح حديث النزول» ص ٣٧٣.
[ ٤٤٢ ]
قوله: (وأما حقيقة ما دل عليه ذلك …) تقدم أن صيغة الجمع في حق الله تعالى من نوع المتشابه، وهذا الاشتباه نسبي - أي: لبعض الناس - فأما من هداه الله تعالى؛ فإنه يجمع بينها وبين المحكم؛ فيعرف المراد من هذا، وهذا.
وهذه الصيغة من نصوص الصفات؛ لأنها إخبار من الله عن نفسه، فلها تأويل نعلمه، وتأويل لا نعلمه.
والتأويل الذي نعلمه؛ هو التأويل بمعنى: التفسير، والذي لا نعلمه؛ هو: ما تدل عليه هذه النصوص من حقائق أسماء الله تعالى في الواقع، وكثرة الجنود.
ونحن نعلم أن لله سبحانه جنودًا كثيرين، وعبيدًا كثيرين، لكن لا نعلم مداهم، ولا نحصيهم، ولا نعلم قُوَّتهم؛ فالملائكة - مثلًا -: نعلم أنهم: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُون (٢٧) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُون (٢٧)﴾ [الأنبياء]، ونعلم أنهم كثيرون، ولكن لا نتصور، ولا ندرك مدى هذه الكثرة، ولا مدى طاعتهم وخضوعهم وعبوديتهم لله تعالى، فهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه.
ثم وازن الشيخ ﵀ بين ورود هذه الصيغة في حق الله، كما في الآيات المتقدمة، وصدورها عن بعض الخلق، - وبينها بلا شك فرقٌ - بقوله: (بخلاف الملِك مِنْ البشر إذا قال: «قد أمرنا لك بعطاء»؛ فقد عُلم أنه هو، وأعوانه - مثل: كاتبِه، وحاجبِه، وخادمه، ونحو ذلك - أمروا به)
[ ٤٤٣ ]
أي: وإن كان ابتداء الأمر مِنْ قِبل الملِك؛ فإن الكاتب، والحاجب، والخادم، ونحوهم؛ له تأثير في هذا الأمر، ومشاركة فيه.
حتى إن الشفاعة عند المخلوق تتضمن نوع شَرِكة للشافع مع المشفوع عنده، وأما الشافع عند الله تعالى؛ فلا مُلك له؛ بل الشفاعة كلها لله تعالى، فلا أحد يشفع عنده إلا بإذنه، ولكن الشافع عند المَلِك من البشر له مشاركة؛ لأن المشفوع عنده؛ يمكن أن يشفِّع أو يستجيب لهذا الأمر المطلوب؛ وإن كان كارهًا؛ لأنه يرجو هذا الشافع، أويخافه.
ففرق بين ورود هذه الصيغة في حق الله سبحانه، وورودها في حق المخلوق.
قوله: (ولا يعلمون حقائق ما أراد بخلقه وأمره من الحكمة، ولا حقائق ما صدرت عنه من المشيئة والقدرة) فكل هذا لا يعلمه العباد، وإن علموا أصل المعنى؛ وهو: أن هذا الفعل صادر عن قدرته ومشيئته، ولكن لا نتصور كُنْهَ وحقيقة قدرته تعالى وحكمته، ونحن نعلم شيئًا من الحكمة في حدود ما بيَّنه سبحانه، وما هدانا إليه، ولكن لا نسبة لما عَلِمنا إلى ما لا نعلم من ذلك.
* * *
[ ٤٤٤ ]