وقاربهم طائفة من الفلاسفة وأتباعهم، فوصفوه بالسُّلُوب، والإضافات، دون صفات الإثبات، وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق.
بعد أن ذكر الشيخ الطائفة الأولى من الزائغين عن منهج المرسلين في مسألة الصفات؛ وهم: الباطنية الذين يصفون الله بسلب النقيضين؛ ذكر الطائفة الثانية ممن قاربوهم في ضلالهم، وإن كانوا أخف منهم؛ وهم طائفة من الفلاسفة الإلهيين؛ لأن من الفلاسفة:
* من يثبت لله تعالى الصفات في الجملة.
* ومنهم المعطلة، وفي مقدمتهم: «معلمهم الأول»، و«الثاني الفارابي» (^١)، و«ابن سينا»، فهؤلاء وصفوا الله تعالى «بالسُّلُوب» أي: بالصفات، أي: صفات النفي.
_________________
(١) محمد بن محمد بن طرخان بن أَوْزَلَغ، أكبر الفلاسفة المنتسبين للإسلام، ومِن كتبه تخرج ابنُ سينا، كان يحسن عدة لغات، وهو واضع آلة الموسيقى المسماة ب «القانون»، له تصانيف كثيرة في «المنطق»، و«الطب»، و«الموسيقى»، وفي كتبه ما في كتب الفلاسفة من الضلال والكفر بالله. وقد تعقب جملة من أقواله =
[ ١٣٦ ]
و«الإضافات»؛ هي: الصفات الإضافية، والإضافة؛ هي: النسبة، والشيء الإضافي؛ هو: الشيء النسبي، فهو ليس أمرًا وجوديًا؛ بل أمر اعتباري معنوي.
فالصفة الإضافية؛ هي: المعنى الذي لا يعقل إلا بوجود مقابل له، ومثال ذلك: «القَبْلِيَّة»، و«البَعْدِيَّة»، و«الأُبوة»، و«البُنوة».
فالقبلية - مثلًا - ليست صفة ذاتية للشيء؛ بل صفة باعتبار ما بعده، وكذا الأبوة، فهي صفة باعتبار ابنه، وإن كان هذا الأبُ ابنًا باعتبار أبيه، فهو اكتسب الصفة بالنسبة لغيره، وليست صفة ملازمة له؛ ك «يَدِه»، و«طوله»، و«لونه».
ويلاحظ أن هذه الصفات الإضافية لا وجود لها حقيقة، وإنما وجودها عقلي معنوي.
ومن الأمثلة التي تذكر لذلك تسمية الفلاسفة لله تعالى «العلة الأولى»، وهذا مثل تسمية المتكلمين لله تعالى ب «القديم».
فكون الشيء علة يقتضي معلولًا، فالعِلِّية صفة إضافية باعتبار وجود معلول، فهي صفة إضافية نسبية لا وجود لها حقيقة، بخلاف صفة «الخَلق»، واسم «الخالق» فالله تعالى هو الخالق اسمًا وَوصفًا، ولو لم يُوجد خلق، فهو لم يكتسب هذه الصفة من شيء خارج عنه
_________________
(١) = الإمامُ ابن تيمية في عدد من كتبه؛ ك «درء التعارض»، و«الرد على المنطقيين»، و«مجموع الفتاوى»، مات بدمشق عام ٣٣٩ هـ وقد ناهز الثمانين. انظر: «وفيات الأعيان» ٥/ ١٥٣، و«عيون الأنباء» ص ٦٠٣، و«مجموع الفتاوى» ٢/ ٦٧ و٨٦، و«سير أعلام النبلاء» ١٥/ ٤١٦، و«إغاثة اللهفان» ٢/ ٢٧٩.
[ ١٣٧ ]
وهو الخلق - كما تكتسب العِلةُ وصفَ العِلِّية باعتبار وجودِ المعلول، وكما يكتسب الأبُ وصفَ الأبوةِ بوجود ابن له.
ومن أسباب منع إطلاق لفظ «العلة الأولى» على الرب تعالى - والتي يقصد بها الفلاسفة: «العِلة التامة التي يستلزم وجودها وجود المعلول» - أنه يلزم من هذا اللفظ: أن وجود الرب يستلزم وجود المخلوقات، وهذا باطل؛ لأن وجود الله تعالى لا يلزم منه وجود مخلوقاته، ولهذا نَجِد الفلاسفة الذين أطلقوا هذا اللفظ والوصف على الله تعالى؛ قالوا بقدم العالم لهذا السبب.
فالفلاسفة لا يصفون الله تعالى بصفات الإثبات؛ بل بالسلوب، والإضافات، ويجعلونه؛ هو (الوجود المطلق بشرط الإطلاق) (^١) أي: وجود لا يقيد بأي صفة؛ بل يقيد بالإطلاق، أي: بأن يقال: هو «الوجود المطلق»، وهو ما يقابل «الوجود المعين»، كما لو قلت: «الإنسان»، فهذا مطلق لا بشرط الإطلاق، أي: غير مقيد.
وإذا قلت: «الإنسان المطلق»، فهذا مطلق بشرط الإطلاق، أي: مقيد بالإطلاق، ولا يمكن وجوده في الخارج، بخلاف ما لو قلت: «إنسان» دون تقييده بالإطلاق، فإنه يوجد في الخارج معينًا، ويمكن أن تقيده أيضًا ببعض الصفات، كما لو قلت: «إنسان كبير»، أو «أسود»، ونحو ذلك.
_________________
(١) «شرح حديث النزول» ص ٩٧، و«درء التعارض» ١/ ٢٨٦ و٣/ ٣٦٢، و«منهاج السنة» ٢/ ١٨٧، و«الصفدية» ص ١٤١.
[ ١٣٨ ]
وقد عُلم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن، لا فيما خرج عنه من الموجودات، وجعلوا الصفة هي الموصوف، فجعلوا «العِلْمَ» عين «العَالِمِ»، مكابرة للقضايا البديهيات، وجعلوا هذه الصفة هي الأخرى، فلم يميزوا بين «العلم»، و«القدرة»، و«المشيئة» جحدًا للعلوم الضروريات.
أي: علم بالعقل الصريح، أي: السليم الذي لا يعتريه شك ولا شبهة: أن هذا - أي: الوجود المطلق - لا يوجد إلا في الذهن، دون ما خرج عنه من الموجودات.
ومن مقولات الفلاسفة: «أن الصفة هي الموصوف»، و«أن كل صفة هي الصفة الأخرى»، فلا فرق بين معنى صفة وأخرى، ف «العِلم»؛ هو «القدرة»، و«القدرة»؛ هي «الإرادة»، و«الإرادة»؛ هي «الحياة»، ونحو ذلك.
ويجعلون (العِلم) هو (العالِم)، فيكابرون القضايا البديهيات، ويجحدون العلوم الضروريات.
* * *
[ ١٣٩ ]