وقاربهم طائفة ثالثة من أهل الكلام، من المعتزلة، ومَنِ اتَّبعهم، فأثبتوا لله الأسماء دون ما تضمنته من الصفات، فمنهم من جعل «العليم»، و«القدير»، و«السميع»، و«البصير»؛ كالأعلام المحضة المترادفات، ومنهم من قال: «عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بصير بلا سمع ولا بصر»، فأثبتوا الاسم دون ما تضمنه من الصفات.
والكلامُ على فساد مقالة هؤلاء وبيان تناقضها بصريح المعقول المطابق لصحيح المنقول؛ مذكورٌ في غير هذه الكلمات.
أي: قاربَ الفلاسفةَ طائفةٌ من أهل الكلام من المعتزلة، ومَنِ اتَّبعهم، وإن كانوا ليسوا كالفلاسفة في الضلال، فهم أثبتوا لله تعالى الأسماء دون ما تضمنته من الصفات.
وأهل الكلام؛ هم: «الذين يعتمدون على نظريات فلسفية، واستدلالات عقلية في باب الاعتقاد».
وسموا ب (أهل الكلام)؛ إما لكثرة كلامهم وجدلهم، أو لأن أعظم قضية وقع فيها الخلاف بين الأمة؛ هي: مسألة «كلام الله تعالى».
[ ١٤٠ ]
وعلم الكلام؛ هو: «تلك العلوم، والنظريات، والشبهات، والجدليات، في أبواب الاعتقاد».
وقد صار في عرف بعض المتأخرين عَلَمًا على عِلم «التوحيد»، والصواب أنه لا ينبغي تسمية علم «أصول الدين» بعلم «الكلام»؛ لأن الكلامَ مذمومٌ، والعقيدة المستمدة من كلام الله ورسوله وقضاياها وأدلتها؛ ليست من الكلام المذموم.
وأشهر طوائف المتكلمين: المعتزلة الذين كان لهم صولة وجولة في عهد المأمون، لما أحاطوا به، وأثروا فيه، وألَّبُوه على كل من يخالفهم في الرأي، لا سيما أهل السنة والجماعة.
ويَدخل فيمن تبع المعتزلةَ: الرافضةُ، والزيديةُ، فإنهم اعتنقوا كثيرًا من أصول المعتزلة في باب «الأسماء والصفات»، وفي «حكم أهل الكبائر في الآخرة» (^١).
والقاسم المشترك بين المعتزلة في باب «الأسماء والصفات» أنهم يثبتون «الأسماء» وينفون «الصفات»، ثم يختلفون في التعبير، فمنهم مَنْ يقول: «إن أسماء الله تعالى؛ كالأَعْلَام المحضة المترادفة».
والعَلَمُ المحض؛ هو: «اللفظ الذي لا يدل إلا على العلمية، ولا يدل على الوصفية في شيء»؛ كمن سمي: «حافظًا»، و«صالحًا»، و«محمدًا»، ولم يكن مُتَّصفًا بمعاني هذه الأسماء.
فجردوا أسماء الله تعالى عمَّا تضمنته من المعاني.
_________________
(١) «منهاج السنة» ١/ ٩ و٧٢ و٢/ ٣٠٢.
[ ١٤١ ]
ومنهم مَنْ يقول: (عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بصير بلا سمع ولا بصر).
والفرق بين هؤلاء ومَن قبلهم: أن هؤلاء لم يطلقوا اسم الله تعالى إلا مقرونًا بالتصريح بنفي ما تضمنه من الصفة، أما الأولون فليسوا كذلك، وإن كان الجميعُ متفقينَ على نفي الصفة، وإنما الخلاف بينهم في التعبير فقط.
وأشار الشيخ إلى فساد مقالة هؤلاء، ومناقضتها لصريح المعقول، المطابق لصحيح المنقول، ومِن أدلة هذا التناقض وعلاماته: التسوية في الحكم بين المختلفات، أو التفريق بين المتماثلات؛ كنفيهم للصفات مع إثباتهم للأسماء، مع أن الجميع قد جاءت به نصوص الكتاب والسنة، وكلها مضافة إلى الله تعالى، فيلزمهم إما أن يثبتوا الجميع، أو ينفوا الجميع (^١)، وسيأتي مزيد كلام في ذلك (^٢).
_________________
(١) «منهاج السنة» ٢/ ١١٥.
(٢) ص ١٨٥.
[ ١٤٢ ]