فغاليتهم يسلبون عنه النقيضين، فيقولون: «لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل»، لأنهم - بزعمهم - إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات، فسلبوا النقيضين، وهذا ممتنع في بَدائِهِ العقول، وحرفوا ما أنزل الله تعالى من الكتاب، وما جاء به الرسول ﷺ، ووقعوا في شرٍّ مما فروا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعات؛ إذ سلب النقيضين؛ كجمع النقيضين، كلاهما من الممتنعات.
وقد علم بالاضطرار أن الوجود لا بُدَّ له مِنْ مُوجِد، واجب بذاته، غني عما سواه، قديم أزلي، لا يجوز عليه الحدوث ولا العدم. فوصفوه بما يمتنع وجوده، فضلًا عن الوجوب، أو الوجود، أو القِدَم.
بعد أن ذكر الشيخ مذهب المعطلة على جهة الإجمال؛ وهو: «أنهم لا يصفون الله تعالى إلا بالصفات السلبية على جهة التفصيل،
[ ١٣١ ]
ولا يثبتون إلا وجودًا مطلقًا» فهذا قدر مشترك بينهم، ولكنهم طوائف، فهم ليسوا على درجة واحدة، ففيهم غلاة، وفيهم دون ذلك.
بعد ذلك شرع الشيخ في ذكر تفصيل مذاهب المعطلة:
فمذهب غلاة المعطلة أنهم يصفون الله تعالى بسلب النقيضين.
والنقيضان في اصطلاح المناطقة: «هما اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان معًا» (^١)؛ ك «الوجود، والعدم»، و«الحركة، والسكون في الشيء الواحد والوقت الواحد».
فهؤلاء الغلاة يقولون عن الله تعالى: (إنه لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل)، وهلم جرًّا (^٢).
فالتعطيل: سلب الصفات الثبوتية عن الرب تعالى، أما هؤلاء فغلوا حتى سلبوا عنه النقيضين، أي: الصفة ونقيضها. وهذا المذهب يصدق على الباطنية القرامطة.
وشبهتهم في ذلك - حسب زعمهم - (أنهم إذا وصفوه بالإثبات؛ شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي؛ شبهوه بالمعدومات)، فسلبوا عنه النقيضين فرارًا من تشبيهه بالموجودات والمعدومات!.
وقد رد عليهم الشيخ وبين فساد مذهبهم، فذكر أن هذا القول - أي: سلب النقيضين - ممتنع في بداهة العقول، أي: أن فساده وامتناعه أمرٌ بدهي مدرك، لا تحتاج معرفته إلى نظر وطول فكر.
_________________
(١) «شرح الكوكب المنير» ١/ ٦٨، و«آداب البحث والمناظرة» ص ٤٣.
(٢) «درء التعارض» ٣/ ٣٦٧، و«مجموع الفتاوى» ٥/ ١٩٧ و٢٧٤ و٦/ ٥١٦، و«منهاج السنة» ١/ ١٤٩ و٢/ ٣١١.
[ ١٣٢ ]
ثم بيَّن أنهم فروا من تشبيهه بالموجودات والمعدومات؛ فوقعوا في شرٍّ من ذلك، ألا وهو: التشبيه بالممتنعاتِ، فالموجودُ أكملُ من المعدومِ، والمعدومُ الممكنُ أكملُ من المعدومِ الممتنعِ؛ إذ المعدوم قد يكون ممكنًا، وقد يكون ممتنعًا، فكلُّ ممتنعٍ معدومٌ، وليس كلُّ معدومٍ ممتنعًا، فسلبُ النقيضين؛ كجمع النقيضين، كلاهما ممتنع.
وقد جرَّهم هذا المذهب الباطل الذي خالفوا فيه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ؛ إلى تحريف نصوص الوحيين.
والمقصود بالتحريف هنا: التحريف المعنوي.
وتحريف الباطنية للنصوص الشرعية شرُّ أنواع التحريف، فإنه ليس عليه أي دليل؛ بل هو صرف للنص الشرعي عن ظاهره دون أي دليل ولا قرينة، فهو مِنْ باب اللعب بمعاني الألفاظ الشرعية، كتحريفهم معنى قول الله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَان (١٩)﴾ [الرحمن]، قالوا: «علي وفاطمة» (^١)، وفي قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَب (١)﴾ (^٢)، قالوا: «أبو بكر وعمر»، وهكذا تحريفهم لمعاني الشرائع (^٣).
_________________
(١) انظر من تفاسير الرافضة: «التفسير الصافي» ٥/ ١٠٩، و«الميزان في تفسير القرآن» ١٩/ ١٠٣، واستدل به الرافضي ابن المطهر في «منهاج الكرامة» - كما في «منهاج السنة» ٧/ ٢٤٤ - وردَّ عليه شيخُ الإسلام.
(٢) أي: «هما يدا أبي لهب»!، حكاه عنهم شيخ الإسلام في: «مقدمة في أصول التفسير» ص ٢٢٠، و«رسالة في علم الظاهر والباطن» ص ٢٣٧، و«شرح الأصبهانية» ص ٥٢٦.
(٣) سيأتي بيان تحريفهم في ص ٢٣١.
[ ١٣٣ ]
وأيضًا فإن من أدلة فساد قولهم هذا أي: - سلب النقيضين وتشبيه الله تعالى بالممتنعات - أنهم ناقضوا فيه ما علم بالاضطرار من أن الوجود - أي هذا الكون - لا بدَّ له مِنْ مُوجِد واجب بذاته، والواجب؛ هو: الذي لا يجوز عليه الحدوث، ولا العدم.
وقوله: (غني عمَّا سواه) أي: لا يفتقر إلى غيره، وهذا من لوازم وجوبِ وجوده.
وقوله: (قديم) هذه صفة موضِّحة؛ لأنه لو لم يكن قديمًا لم يكن واجبًا، فالقِدمُ من لوازم وجوب وجوده.
وقد شاع عند أهل الكلام إطلاق «القديم» عَلَمًا على الله تعالى، والصواب: أن «القديم» ليس من أسماء الله الحسنى (^١)، وإن كان يجوز الإخبار عنه تعالى بذلك؛ لأن «القديم»؛ هو: المتقدم على غيره، والله متقدم على كل شيء، فلا بداية لوجوده.
والقِدم نوعان:
* قِدم نسبي؛ كتقدم الأب على ابنه.
* وقِدم مطلق، وهو: التقدم على كل شيء، وهذا خاص بالله تعالى، ويدل على ذلك اسمه «الأول»، كما فسر ذلك رسول الله ﷺ بقوله: «أنت الأول؛ فليس قبلك شيء» (^٢) فهذا المعنى حقٌ.
_________________
(١) «منهاج السنة» ٢/ ١٢٣ و٤٩٥، و«الصفدية» ص ٣٦٩.
(٢) رواه مسلم (٢٧١٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١٣٤ ]
قوله: (أزلي) هذه كلمة مؤكِدة لما قبلها، فهي تأكيد لكلمة «قديم»، ف «أزلي» نسبة إلى «الأَزَل»؛ وهو مقابل ل «الأبد»، ف «الأزلي»: ما لا بداية له، و«الأبدي»: ما لا نهاية له (^١).
والفرق بين القديم، والأزلي: أن القديم: «ما لا بداية لوجوده»، والأزلي: «ما لا بداية له مطلقًا، وجوديًا كان أو عدميًا». فهو أعم من القديم (^٢).
قوله: (لا يجوز عليه الحدوث ولا العدم) هذا تأكيد لما سبق، وهو وصف لواجب الوجود.
قوله: (فوصفوه بما يمتنع وجوده) وهو سلب النقيضين، فهؤلاء وصفوا الله تعالى بما يجعله ممتنعًا، فضلًا عن أن يكون موجودًا، أو واجبَ الوجودِ، أو قديمًا.
_________________
(١) «درء التعارض» ٣/ ٣٧، و«التوقيف على مهمات التعاريف» ص ٢٩، «تاج العروس من جواهر القاموس» ٢٧/ ٤٤٢.
(٢) «منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات» ص ١٧.
[ ١٣٥ ]