وكذلك قوله: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاء أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُور (١٦)﴾ [الملك] مَنْ توهم أن مقتضى هذه الآية أن يكون الله في داخل السموات، فهو جاهل ضال بالاتفاق، وإن كنا إذا قلنا: «إن الشمس والقمر في السماء» يقتضي ذلك؛ فإن حرف «في» متعلق بما قبله وما بعده، فهو بحسب المضاف، والمضاف إليه.
ولهذا يُفرَّق بين كونِ الشيء في المكان، وكون الجسم في الحيِّز، وكون العرض في الجسم، وكون الوجه في المرآة، وكون الكلام في الورق، فإنَّ لكلِّ نوعٍ من هذه الأنواعِ خاصيةً يتميزُ بها عن غيره، وإن كان حرفُ «في» مستعملًا في ذلك كله.
(في) مِنْ حروف الجر، ولها معانٍ (^١)، والأصل فيها «الظرفية»، ولكن هذه الظرفية تختلف بحسب ما قبلها وما بعدها، ولهذا قال الشيخ: إنه (يُفرَّق بين كون الشيء في المكان، وكون الجسم في
_________________
(١) «الجنى الداني في حروف المعاني» ص ٢٥٠، و«مغني اللبيب عن كتب الأعاريب» ص ١٩١.
[ ٣٤٣ ]
الحيز، وكون العرض في الجسم …) أي: أن (في) في كلِّ هذه التراكيب للظرفية، ولكن لكل تركيب خاصية يتميز بها عن الآخر.
فالشيء في المكان، يعني: أنه قد يتسع لغيره.
والجسم في الحيِّز؛ والحيز: ما شغله الجسم من الفراغ، وعلى هذا؛ فالحيز لا يسع غير الجسم المتحيز فيه.
والعرض في الجسم، يعني: أنه قائم به.
والوجه في المرآة، أي: صورته.
وهكذا صار لكل تركيب معنى يخصه، وأفادت (في) في كل تركيب معنى خاصًا.
وقول الشيخ: (وإن كنا إذا قلنا: إن الشمس والقمر في السماء يقتضي ذلك) أي: يقتضي أنهما في داخل السماء، وهذا يدل على أن الشيخ يذهب إلى ذلك (^١)، وهذا مشهور عند المفسرين (^٢).
والنصوص ليست صريحة في هذا؛ لأن لفظ (السماء) يحتمل السماء المبنية، والسماء بمعنى العلو، فالإخبار عن الشمس والقمر بأنهما في السماء ليس نصًا بأنهما داخل السماء.
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» ٤/ ٢٧١، و٦/ ٥٩٢ و٥٩٧.
(٢) «تفسير البغوي» ٥/ ٣١٧، و«النكت والعيون» ٣/ ٤٤٦، و«المحرر الوجيز» ٥/ ٣٧٥، و«الجامع لأحكام القرآن» ١٧/ ٤٥١، و«البحر المحيط» ٨/ ٣٣٤، و«تفسير ابن كثير» ٨/ ٢٣٣، و«اللباب في علوم الكتاب» ١٩/ ٣٩٠، و«نظم الدرر» ٨/ ١٧١، و«فتح القدير» ٤/ ٥٢٠، و«روح المعاني» ١٦/ ١٢٩.
[ ٣٤٤ ]
ومن أجل هذا الاحتمال لم يقطعِ المحققون (^١) بكذب ما ادَّعاه بعض الكفار مِنْ الوصول إلى القمر، ولم يُكَفِّروا مَنْ صدَّقهم، وقد دلت القرائن بعد ذلك على كذبهم.
* * *
_________________
(١) كالعلامة ابن باز في كتابه «الأدلة النقلية والحسية على إمكان الصعود إلى الكواكب»، والعلامة ابن عثيمين في كتابه «رسالة حول الصعود إلى القمر».
[ ٣٤٥ ]
فلو قال قائل: «العرش في السماء أم في الأرض»؟ لقيل: «في السماء»، ولو قيل: «الجنة في السماء أم في الأرض»؟ لقيل: «الجنة في السماء»، ولا يلزم من ذلك أن يكون العرش داخل السموات؛ بل ولا الجنة.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا سألتم الله الجنة فسلوه الفردوس، فإنها أعلى الجنة، وأوسط الجنة، وسقفها عرش الرحمن» (^١).
فهذه الجنة، سقفها الذي هو العرش فوق الأفلاك، مع أن الجنة في السماء، والسماء يراد به العلو، سواء كان فوق الأفلاك أو تحتها، قال تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء﴾ [الحج: ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا (٤٨)﴾ [الفرقان].
من المعلوم أن العرش في السماء وليس في الأرض، وكذا الجنة.
وإذا قيل: «إن العرش في السماء»، أو «الجنة في السماء»؛ لم يلزم أن يكون العرش ولا الجنة داخل السموات.
_________________
(١) رواه البخاري (٧٤٢٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٣٤٦ ]
فقد ثبت أن العرش سقف الجنة، وهذه الجنة فوق الأفلاك، أي: فوق السموات؛ لأن السموات مستديرة (^١).
فالسماء يراد بها العلو سواء كان فوق الأفلاك - أي: السموات - أم تحتها، كما في الآيتين اللتين ذكرهما المؤلف، فالسماء في الآية الأولى: «سقف الدار»، وفي الثانية: «السحاب».
وإذا كان الإخبار عن المخلوق بأنه في السماء؛ لا يلزم منه أن يكون داخلَ السمواتِ ولا شيءٍ آخر؛ فالخالق تعالى أَوْلى ألَّا يلزم في حقه ذلك؛ إذ هو العلي الأعلى ﷾.
* * *
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» ٥/ ١٥٠ و٦/ ٥٨٦، و«الرسالة العرشية» ص ٥٦٥، و«منهاج السنة» ٥/ ٤٤٢، و«بيان تلبيس الجهمية» ٤/ ٨.
[ ٣٤٧ ]
ولما كان قد استقرَّ في نفوس المخاطبين أن الله هو العلي الأعلى، وأنه فوق كل شيء؛ كان المفهوم من قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاء﴾ [الملك: ١٦]: أنه في السماء، وأنه في العلو، وأنه فوق كل شيء.
وكذلك الجارية لما قال لها: «أين الله؟» قالت: في السماء (^١)، إنما أرادت العلو، مع عدم تخصيصه بالأجسام المخلوقة، وحلوله فيها.
وإذا قيل: «العلو»، فإنه يتناول ما فوق المخلوقات كلها، فما فوقها كلها هو في السماء، ولا يقتضي هذا أن يكون هناك ظرف وجودي يحيط به؛ إذ ليس فوق العالم شيء موجود إلا الله، كما لو قيل: «إن العرش في السماء»، فإنه لا يقتضي أن يكون العرش في شيء آخر موجود مخلوق.
لما بيَّن الشيخ أنَّ المراد بالسماء: العلو، وأنه مِنَ المستقر في نفوس الناس أن الله تعالى هو العلي الأعلى، وأنه فوق كل شيء؛ ذكر أنهم يفهمون من وصف الله تعالى بأنه في السماء أن معناه: أنه في العلو، وأنه فوق كل شيء، دون أن يكون في شيء موجود يحيط به، أو يحصره، أو يحويه؛ فإن العلو يتناول ما فوق المخلوقات.
_________________
(١) رواه مسلم (٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم ﵁.
[ ٣٤٨ ]
وإذا كان المخلوق يمكن أن يوصف بأنه في العلو، دون أن يكون في شيء وجودي يحويه ويحيط به؛ كما في العرش؛ فالخالق أَوْلى وأحرى بألَّا يستلزم وصفه بأنه في السماء أن يكون في شيء وجودي، يحيط به، ويحصره، فلكلِّ مقامٍ مقالٌ.
فإذا قلنا: «الطير في السماء»، فإنا نعني به: العلو النسبي.
وإذا قلنا: «الملائكة في السماء»، فإنا نعني به: السموات المبنية؛ فإنهم عُمَّارها.
وإذا قلنا: «الجنة في السماء»، كان هذا محتملًا أن تكون داخل السموات، أو فوقها، وأما الفردوس التي سقفها عرش الرحمن، وهي أعلى الجنة، فإنها فوق السموات، وهي في العلو، وهكذا العرش.
فكل ما كان في العلو فهو في السماء، وما فوق المخلوقات جميعًا؛ فهو في العلو، العلو المطلق.
فالعلو نوعان: علو نسبي، وعلو مطلق.
فالعلو النسبي يكون في حق المخلوقات، فبعضها فوق بعض، فوصف المخلوق بالعلو؛ هو بالنسبة لما دونه.
أما العلو المطلق على كل شيء؛ فهو في حق الباري ﷾، فله العلو المطلق: ذاتًا، وقدرًا، وقهرًا.
[ ٣٤٩ ]
وإذا قُدِّر أن السماء المراد بها الأفلاك؛ كان المراد أنه عليها، كما قال: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، وكما قال: ﴿فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٣٧]، وكما قال: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢]، ويقال: «فلان في الجبل»، و«في السطح»، وإن كان على أعلى شيء فيه.
هذا تمام الكلام على قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاء﴾ [الملك: ١٦].
ما معنى أن الله في السماء؟ الأصل في معنى «في» أنها للظرفية، ومعنى السماء: العلو، فمعنى أن الله في السماء، أي: في العلو.
وإذا قُدِّر أن المراد بالسماء في قوله: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاء﴾ يعني: الأفلاك، أي: السموات السبع الطباق المبنية؛ فيتعين أن تكون «في» بمعنى: «على»، ولذلك شواهد في لغة العرب، وكما في الآيتين والمثالين اللذين ذكرهما المؤلف فإن «في» بمعنى «على».
وقول الشيخ: (وإن قُدِّر أن السماء المراد بها الأفلاك كان المراد أنه عليها) يريد لفظ (السماء) الذي في الآية، ويريد بالأفلاك: السموات السبع.
[ ٣٥٠ ]
وقد جعل هذا التفسير احتمالًا مما يدل على أن الراجح عنده: أن معنى (السماء) في الآية العلو، و«في» للظرفية (^١).
ولا منافاة بين التفسيرين.
* * *
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» ٥/ ١٠٦ و١٦/ ١٠١.
[ ٣٥١ ]