المقدمة
الحمدُ لله الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسانَ ما لم يعلمْ، وصلى اللهُ على عبدِه ورسولِه، وخيرته من خلقِه، وخاتِم أنبيائه ورسلِه، محمدٍ، وآله، وصحبه، وسلم تسليمًا مزيدًا، أما بعد:
فإنَّ نعمةَ الهدايةِ للإسلام، والتوفيق لمذهب السنة والجماعة؛ أعظمُ نعمةٍ، فمن وُفِّق لذلك؛ فليكثرْ مِنْ حَمْدِ الله؛ فإنَّ أكثرَ الناسِ يَتخبَّطون في ظلماتِ الكفرِ، وضلالاتِ البدعِ وجهالاتِها، والمُوفَّقُ حقًا؛ مَنْ رُزق التوفيقَ للزوم مذهب أهل السنة والجماعة، والاستقامة على ذلك: علمًا، وعملًا.
وقد بُلِيَتْ هذه الأمة بالافتراق والبدع؛ كما حدث في الأمم قبلها، وكان لهذه البدع أئمةٌ مُنظِّرون لَبَسُوا على الناس دينهم، وبثوا من الشبهات ما ضلَّ بها خلقٌ كثيرٌ؛ لم يعتصموا بالكتاب والسنة، واستمعوا لأهل البدع، أو قرأوا كتبهم، أو جلسوا إليهم، وقصَّروا في تَعَلُّمِ العلم النافع، والحُججِ العقلية والنقلية، التي دلَّ عليها الكتاب والسنة، وقرَّرها أهلُ العلم والإيمان وأوضحوها.
وقد كان من نعمةِ الله وفضله؛ أنَّه لم تخلُ هذه الأمة على مرِّ عصورها من قائمٍ لله بالحجة والبيان، يزيِّفُ ما يُحدِثه المُحْدِثون، ويفتريه المُفترون، ويبيِّنُ الحقَّ، وينصحُ الخلقَ.
[ ٦ ]
وقد كتب علماء أهل السنة في ذلك كتبًا يتعذَّر على العادِّ حصرها، وكان الإمامُ، أبو العباس، أحمد ابن تيمية ﵀ له اليد الطولى في ذلك، فقد كتب في نشر العقيدة الصحيحة، والدفاع عنها، وكشف شبهات المخالفين بأنواعهم؛ كتبًا كثيرة، كان من أحسنها كتابُ: «تحقيق الإثبات للأسماء والصفات، وبيان حقيقة الجمع بين القدر والشرع» (^١)، المشهور ب «العقيدة التدمرية»، أو «الرسالة التدمرية»، وهو كتاب نفيس، حافلٌ بتقريرِ مذهب أهل السنة والجماعة، والتقعيد له، والرد على أصناف المخالفين من الفلاسفة، والمتكلمين: عقلًا، ونقلًا.
ولما كان في الكتاب ردٌّ على هذه الطوائف، ودخولٌ في محاورات معها؛ كان فيه مواضع كثيرة قد يصعب على طالب العلم فهمها؛ لوجود مصطلحات وتعبيرات لم يسبق له دراستها، ولما كان هذا الكتاب المبارك قد قُرِّر تدريسه في بعض الجامعات في بلادنا؛ أصبح طلاب العلم بحاجة ماسة لشرح يسهِّل فهمه ويكشف عن غامضه، ويُظهر دُرَرَه.
وكان ممن تولَّى شرحه في هذا العصر: فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك حفظه الله فشرحه للطلاب في «كلية الشريعة» و«أصول الدين» بالرياض سنين عددًا، وكان قد سُجِّل الشرح صوتيًا، وكُتِب في مذكرات؛ كان الطلاب يتداولونها بينهم، ثم اعتنى به تحقيقًا وتعليقًا الشيخ الدكتور سليمان بن صالح الغصن حفظه الله؛ حسب
_________________
(١) هكذا سماه مؤلفه شيخ الإسلام، كما في «مجموع الفتاوى» ١٦/ ٤٣٠.
[ ٧ ]
خطة بيَّنها في صدر عمله، ثم قرأه على الشارح، وطُبع في مجلد عن دار «كنوز أشبيليا»، في عام ١٤٢٥ هـ، ففرح به طلبة العلم، وانتفعوا به.
وقد وقع في الكتاب ملحوظات في الإخراج، والتحقيق، وكان الشرح أيضًا في مواضع منه بحاجة إلى زيادةِ بيانٍ، وشرح، وتوضيح.
لذا رأى الشيخ حفظه الله أن يُعاد إخراجه، وعَهِد إليَّ أن أعتني به، ثم أقرأه عليه.