ومن هذا الباب الشُّبه التي يضل بها بعض الناس، وهي ما يشتبه فيها الحق بالباطل، حتى يشتبه على بعض الناس، ومَن أوتي العلمَ بالفصل بين هذا وهذا؛ لم يشتبه عليه الحق بالباطل.
والقياسُ الفاسد إنما هو من باب الشبهات؛ لأنه تشبيه للشيء في بعض الأمور بما لا يشبهه فيه، فمن عرف الفصل بين الشيئين؛ اهتدى للفرق الذي يزول به الاشتباه والقياس الفاسد.
وما مِنْ شيئين إلا ويجتمعان في شيء، ويفترقان في شيء، فبينهما اشتباه مِنْ وجه وافتراق مِنْ وجه، ولهذا كان ضلال بني آدم من قبل التشابهِ.
والقياسُ الفاسد: لا ينضبط، كما قال الإمام أحمد ﵀: «أكثر ما يخطئ الناس مِنْ جهة التأويل، والقياس»، فالتأويل في الأدلة السمعية، والقياس في الأدلة العقلية، وهو كما قال.
والتأويلُ الخطأ؛ إنما يكون في الألفاظ المتشابهة، والقياس الخطأ؛ إنما يكون في المعاني المتشابهة.
[ ٤٢٣ ]
قوله: (ومن هذا الباب) البابُ يطلق ويراد به: النوع، والقسم، والمراد هنا: «ومِن نوع التشابه الخاص».
قوله: (الشُّبه) جمع شبهة؛ وهي: ما يشتبه فيها الحق والباطل من الألفاظ أو المعاني، مِنَ الأدلة السمعية، أو الأدلة العقلية، فهذه الشبه هي من قبيل التشابه الخاص الذي سبق تعريفه قريبًا.
قوله: (التي يضل بها بعض الناس) أي: الذين لا يهتدون إلى ما يزيل الاشتباه ويكشفه.
وهذه الشبه تجري في الأمور الشرعية، وفي الأمور العادية.
قوله: (وما من شيئين إلا ويجتمعان في شيء، ويفترقان في شيء، فبينهما اشتباه من وجه، وافتراق من وجه) هذه قاعدة عقلية عامة، كما يدل عليه قوله: (ما من شيئين) نكرةٌ في سياق النفي، ودخلت عليه «مِنْ» الزائدة.
ويكون ذلك في: الألفاظ، والذوات، والصفات، والأدلة، وغيرها، حتى إنَّ الأضداد؛ كالسواد، والبياض تجري فيها هذه القاعدة، فيتفقان من وجه، ويختلفان من وجه؛ فإنَّ كلًا من السواد والبياض؛ لونٌ، وعرضٌ، وموجود، ويفترقان فيما بينهما من الضدية في الألوان.
وهكذا النبي الصادق والمتنبئ الكذاب، بينهما اتفاق في: أنَّ كلًا منهما بشرٌ، وكلًا منهما يدعي النبوة، لكن مع الفارق، فهذا يقيم الله له
[ ٤٢٤ ]
من أدلة الصدق ما يضطر العقل لتصديقه، وهذا يظهر الله على يده ما يفضحه، ويضطر العقل إلى تكذيبه.
قوله: (والقياس الفاسد إنما هو من باب الشبهات)؛ فالقياس الفاسد من الشبهات التي يشتبه فيها الحق بالباطل، فيقع من لا بصيرة له في الخلط بسبب هذا القياس الفاسد، فمنشأ ضلال المعطلة؛ هو: قياس الخالق على المخلوق، ومنشأ شرك المشركين - الذين اتخذوا مع الله تعالى آلهة أخرى زاعمين أنهم يقربونهم إلى الله زلفى -؛ هو: القياس الفاسد: قياس الخالق على المخلوق، وهذا أفسد القياس.
وهكذا القياس الفاسد في الأحكام الفقهية، فمن القياس الفاسد؛ القياس الذي يعارِض النصَّ ويخالفه، وهو قياس «فاسد الاعتبار» (^١).
وقد عرَّف الشيخ ﵀ القياس الفاسد بقوله: (لأنه تشبيه للشيء في بعض الأمور بما لا يشبهه فيه)؛ فالقياس الصحيح؛ هو: تشبيه الشيء لغيره فيما يشبهه فيه، أمَّا قياس الشيء على غيره فيما لا يشبهه؛ فهذا قياس فاسد، ولهذا يقال: «هذا قياس مع الفارِق»؛ كقياس المبطلين الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]؛ فجعلوا الربا مثل البيع، أي: أنه حلال، ﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فليس الربا مثل البيع، فقياسه عليه من القياس الفاسد.
قوله: (والقياس الفاسد لا ينضبط) أي: ليس له حدود، فيجري في مجالات كثيرة، فإذا كان قد وقع قياس الخالق على المخلوق، وقياس
_________________
(١) «أصول الفقه» ٣/ ١٣٥٣، و«شرح الكوكب المنير» ٤/ ٢٣٦.
[ ٤٢٥ ]
النبي على المتنبئ، أو المتنبئ الكذاب على النبي؛ فكذلك ما دونه من باب أَوْلى.
قوله: (كما قال الإمام أحمد ﵀: أكثر ما يخطئ الناس) (^١) أي: في أحكامهم، وفي تصوراتهم، وأقوالهم.
قوله: (من جهة التأويل …) إلخ، فالتأويلُ الخطأ الذي هو: «صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى المعنى المرجوح» يكون في الأدلة السمعية؛ لأنها ألفاظ؛ كصَرْفِ العامِّ إلى الخاصِّ، وصرف المحتمل إلى المعنى البعيد؛ فيحصل الخلط.
والقياس يكون في الأدلة العقلية؛ لأنه يتعلق بالمعاني.
ومنشأ الخطأ في كل من التأويل، والقياس؛ هو: التشابه.
* * *
_________________
(١) لم أجده عنه مسندًا، وقد ذكره المؤلف في عدد من كتبه منها: «جامع المسائل» ٢/ ١٩٠، و«الإيمان الكبير» ص ١١٨، و«مجموع الفتاوى» ١٩/ ٧٥، و«تنبيه الرجل العاقل» ١/ ٢١٣.
[ ٤٢٦ ]
وقد وقع بنو آدم في عامة ما يتناوله هذا الكلام من أنواع الضلالات، حتى آلَ الأمر بمَن يدعي التحقيق، والتوحيد، والعرفان منهم إلى أن اشتبه عليهم وجود الرب بوجود كلِّ موجود، فظنوا أنه هو؛ فجعلوا وجود المخلوقات: عَيْنَ وجود الخالق! مع أنه لا شيء أبعد عن مماثلة شيء، أو أن يكون إياه، أو متحدًا به، أو حالًا فيه؛ من الخالق مع المخلوق.
فمن اشتبه عليهم وجود الخالق بوجود المخلوقات - حتى ظنوا وجودها وجوده -؛ فهم أعظمُ الناس ضلالًا من جهة الاشتباه، وذلك أن الموجودات تشترك في مسمى الوجود، فرأوا الوجود واحدًا، ولم يفرقوا بين الواحد بالعين، والواحد بالنوع.
قوله: (وقد وقع بنو آدم في عامة ما يتناوله هذا الكلام) أي: بسبب التشابه، ثم قال الشيخ مصورًا مدى ما وقع من الضلال بسبب التشابه: (حتى آل الأمر بمن يدعي التحقيق، والتوحيد، والعرفان منهم إلى أن اشتبه عليهم وجود الرب بوجود كلِّ موجود، فظنوا أنه هو؛ فجعلوا وجود المخلوقات: عَيْنَ وجود الخالق!).
وهؤلاء هم الاتحادية، أو أصحاب وحدة الوجود، فالله عندهم؛ هو هذا الوجود، أو هذا الوجود هو الله! وزعموا أنَّ إدراك هذه الحقيقة؛ هو تحقيق التوحيد، وأن من وصل إلى هذا؛ صار من العارفين!.
[ ٤٢٧ ]
وهؤلاء الاتحادية قائلون بالاتحاد العام؛ لأن القائلين بالاتحاد أو القائلين بالحلول؛ منهم:
* مَنْ يقول بالحلول العام.
* ومَن يقول بالاتحاد العام.
* ومِنهم مَنْ يقول بالاتحاد الخاص.
* أو الحلول الخاص (^١).
فأما القائلون بالاتحاد العام؛ فهم أصحاب وحدة الوجود، الذين يقولون: «إن الله هو هذه الموجودات»، فالوجود هذا شيء واحد، وأما تكثُّره؛ فهو بحسب المظاهر، والحقيقة واحدة.
والقائلون بالحلول العام؛ هم: قدماء الجهمية، يقولون: «إن الله حال في كلِّ مكان» - تعالى الله عن قولهم - وهؤلاء هم الذين رد عليهم الإمام أحمد ﵀، ونقض شبهاتهم التي تعلقوا بها من القرآن، وبين ما يتضمنه قولهم من الفساد في العقل مع مناقضته للسمع (^٢)؛ فإن قولهم يتضمن: أن الله موجود في الحشوش، وبطون الحيوان، وكل مكان مستقذر! تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
والفرقُ بين الحلول والاتحاد؛ ظاهرٌ؛ فالقول بالحلول يتضمن تميز الوجودين، وإثباتهما، لكن أحدهما حلَّ في الآخر، مثل: الروح،
_________________
(١) «حقيقة مذهب الاتحاديين» ص ١٧١، و«بيان تلبيس الجهمية» ٥/ ٤٦، و«الجواب الصحيح» ١/ ٦٦ و٢/ ٣٠٦، و«درء التعارض» ٦/ ١٥١».
(٢) في كتابه «الرد على الجهمية والزنادقة» ص ١٤٤.
[ ٤٢٨ ]
والبدن، فكل منهما له وجود، لكن الروح حالَّة في البدن، ولها حقيقة متميزة، كما تقدم في المثل الثاني (^١).
وأما القائلون بالاتحاد فليس عندهم وجودان؛ بل الوجود عندهم واحد.
وبهذا يتبين: أن مذهبهم أقبح، وهم أكفر.
أما الاتحاد الخاص؛ فكقول بعض النصارى: «اتحد اللاهوت في الناسوت، فصارا شيئًا واحدًا».
وأما الحلول الخاص؛ فكقول بعض النصارى: «حل اللاهوت في الناسوت»، وكقول غلاة الرافضة: «إن الإله حلَّ في علي وسائر الأئمة».
والله تعالى مباينٌ لخلقه، ومبابينته لخلقه؛ أعظم من مباينة أيِّ مخلوق لمخلوق، وهو عالٍ فوقَ جميعِ مخلوقاته، ومعنى كونه بائنًا من خلقه: أنه ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته.
وقد صَوَّر الشيخ هذا المعنى بقوله: (مع أنه لا شيء أبعد عن مماثلة شيء …) أي: من الخالق مع المخلوق، و«المماثلة» هي: «المشاركة في بعض الخصائص»، والمخلوقات يكون بينها مباينة كما تقدم في المثل الأول: أن موجودات الآخرة مباينة لموجودات الدنيا، فليست مثلها (^٢)، وتقدم أيضًا: أن مباينة الله لخلقه؛ أعظم من مباينة موجودات الآخرة لموجودات الدنيا (١).
_________________
(١) ص ٢٤١.
(٢) ص ٢٢٥.
[ ٤٢٩ ]
فلا شيء أبعد عن مماثلة شيء آخر؛ من الخالق مع المخلوق.
قوله: (أو أن يكون إياه) أي: لا شيء أبعد عن أن يكون هو الشيء الآخر؛ من الخالق مع المخلوق، وهذه النسبة؛ هي: الوَحدة، فإذا قلت: «هذا هو ذاك»؛ صار شيئًا واحدًا.
قوله: (أو متحدًا به) أي: لا شيء أبعد عن أن يكون متحدًا بشيء آخر؛ من الخالق مع المخلوق.
والاتحاد؛ هو: «امتزاج الحقيقتين حتى تكون حقيقة واحدة»، ولا يكون هناك تميز لإحدى الحقيقتين عن الأخرى.
قوله: (أو حالًا فيه) أي: لا شيء أبعد عن أن يكون حالًا في شيء آخر؛ من الخالق مع المخلوق، وفي الحلول تكون الحقيقتان متميزتين، كما تقدم.
فاللهُ تعالى أبعدُ عن مماثلة خلقه، أو أن يكون نفس الخلق، أو أن يتحد بالخلق، أو أن يحلَّ فيه؛ من أي شيء إلى شيء آخر، ومع عِظم التباين بين الخالق والمخلوق؛ وقع الاشتباه على بعض الناس حتى ظن هؤلاء الملاحدة الجهلة وجود المخلوقات: عين وجود الخالق!.
وحُكمُ هؤلاء كما قال الشيخ: (فهم أعظم الناس ضلالًا من جهة الاشتباه)، وقد تقدم (^١) أيضًا: أنهم هم الملاحدة الذين أجمع المسلمون على أنهم أكفر من اليهود والنصارى.
_________________
(١) ص ٢٣٣.
[ ٤٣٠ ]
قوله: (وذلك أن الموجودات تشترك في مسمى الوجود) هذا هو منشأ الاشتباه المتقدم.
قوله: (فرأوا الوجود واحدًا، ولم يفرقوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع) أي: أنهم جعلوا الوجود المشترك؛ واحدًا بالعين لا واحدًا بالنوع، والصواب المقطوع به: أن الوجود المشترك؛ واحد بالنوع.
والفرق بينهما: أن الواحد بالعين؛ هو ما لا يُتصور فيه الاشتراك، والواحد بالنوع؛ هو ما يتصور فيه الاشتراك، ف «الوجودُ المطلق» مشتركٌ، لكن «وجودك أنت» لا يتصور فيه الاشتراك، فالوجود المطلق واحد بالنوع، وهو اسم مطلق، ومعناه؛ معنى كلي لا يختص بموجود دون موجود، ومِن هذا القبيل: «الإنسان»، و«هذا الإنسان»، فالأول اسم عام، ومعناه: عامٌّ كلي، والثاني: خاصٌّ لا يتصور فيه الاشتراك.
والمقصود مما تقدم: التمثيل للضلال الذي منشأه الاشتباه.
* * *
[ ٤٣١ ]
وآخرون توهموا أنه إذا قيل: «الموجودات تشترك في مسمى الوجود»، لزم التشبيه، والتركيب، فقالوا: «لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي»، فخالفوا ما اتفق عليه العقلاء، مع اختلاف أصنافهم مِنْ أن الوجود ينقسم إلى: قديم، ومحدث، ونحو ذلك من أقسام الموجودات.
وطائفة ظنت أنه إذا كانت الموجودات تشترك في مسمى الوجود؛ لزم أن يكون في الخارج عن الأذهان موجودٌ مشترك فيه، وزعموا أن في الخارج عن الأذهان: كليات مطلقة؛ مثل: وجود مطلق، وحيوان مطلق، وجسم مطلق، ونحو ذلك؛ فخالفوا الحس، والعقل، والشرع، وجعلوا ما في الأذهان ثابتًا في الأعيان، وهذا كله من أنواع الاشتباه.
قوله: (وآخرون توهموا …) هذا مثال آخر لمن ضلَّ بسبب التشابه بين الموجودات في مطلق الوجود، وهؤلاء هم الذين تقدم ذكر مذهبهم (^١)؛ وهم: المعطلة نفاة الصفات الذين ينفون الصفات زاعمين أن إثباتها يستلزم التشبيه؛، وهم: الجهمية، والمعتزلة، وكذلك الفلاسفة؛ الذين ينفون الصفات بحجة أن إثباتها يستلزم التركيب، فلهم هاتان الشبهتان: شبهة التشبيه، وشبهة التركيب.
_________________
(١) ص ١٨٥، ١٨٨، ٢٠٣.
[ ٤٣٢ ]
قوله: (لزم التشبيه، والتركيب) أي: تشبيه الخالق بالمخلوق، والتركيب في ذاته تعالى؛ في زعم الفلاسفة الذين يقولون: «إن هذه معانٍ متعددةٌ متغايرة، وهي تركيبٌ، واللهُ منزهٌ عن التركيب»، وهذا لا يعنينا هنا، وإنما الذي يعنينا أن الطائفة؛ هم: الجهمية، والمعتزلة، والفلاسفة؛ فهم الذين يشملهم قول الشيخ: (وآخرون).
قوله: (فقالوا: لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي) أي: أن إطلاق لفظ الوجود على الخالق والمخلوق من قبيل المشترك اللفظي، وهم قالوا هذا؛ ليتخلصوا مما توهموه من التشبيه، والتركيب.
والمشترك اللفظي؛ هو: «ما اتحد لفظه، وتعدد معناه» (^١)، مثل: «المشتري» للنجم، وللمبتاع، و«العين» للعين الباصِرة، وللعين الجارية، وللذهب، ومثل: «سهيل» للنجم، ولإنسان اسمه سهيل، فالاشتراك بين هذه الأسماء؛ إنما هو في اللفظ فقط، وأما معانيها؛ فمختلفة.
والحق أن كلمة «موجود» تطلق على كل موجود، فالاشتراك بين الموجودات في هذه الكلمة في لفظها ومعناها؛ ولا بد؛ لأن الوجودَ ضدُّ العدم.
وهذا المعنى ثابت لكل موجودٍ، فكلُ موجود؛ فهو غير معدوم؛ فالاشتراك حينئذٍ: اشتراك معنوي.
_________________
(١) «روضة الناظر» ١/ ١٠١، و«شرح الكوكب المنير» ١/ ١٣٧، و«إيضاح المبهم من معاني السلم» ص ٨، و«آداب البحث والمناظرة» ص ٣١.
[ ٤٣٣ ]
والمشترك المعنوي يُسمى: «المتواطئ»؛ وهو: «ما اتحد لفظه، ومعناه» (^١) سواء تفاوت المعنى، أو لم يتفاوت (^٢)؛ كلفظ «إنسان» يطلق على: محمد، وعمر، وبكر، وهكذا.
إذًا؛ فقول هؤلاء بالاشتراك اللفظي؛ قول باطل.
والدليل على أن «الوجود» «متواطئ»، وليس ب «مشترك لفظي» ذكره الشيخ بقوله: (فخالفوا ما اتفق عليه العقلاء، مع اختلاف أصنافهم مِنْ أن الوجود ينقسم إلى: قديم، ومحدث، ونحو ذلك من أقسام الموجودات) أي: أن الوجود ينقسم إلى: قديم، ومحدث، وينقسم - أيضًا - إلى: واجب، وممكن، وإلى: محسوس مشاهد، وغائب غير مشاهد، ونحو ذلك (^٣).
والانقسام يدل على أن بين القسمين وَحدةٌ؛ كالحَبِّ - مثلًا -؛ فإنه ينقسم إلى: قوت، وما ليس بقوت، والإنسان ينقسم إلى: ذكر، وأنثى، وينقسم إلى: أسود، وأبيض، وينقسم إلى: مؤمن، وكافر، هذا هو الدليل على أن «الوجود» «متواطئ» (^٤). والله أعلم.
_________________
(١) «روضة الناظر» ١/ ١٠٠، و«شرح الكوكب المنير» ١/ ١٣٤، و«إيضاح المبهم من معاني السلم» ص ٨، و«آداب البحث والمناظرة» ص ٣٠.
(٢) وإذا تفاوت المعنى؛ سمي «مُشَكِّكًا»، وهو نوع من المتواطئ العام، وسيأتي نحوه في ص ٥٠٤ وما بعدها.
(٣) «شرح حديث النزول» ص ٨١، و«منهاج السنة» ٢/ ١١٨، و«مجموع الفتاوى» ٥/ ٢١٠.
(٤) بالمعنى العام ل «المتواطئ» الذي يدخل فيه «المشكِّك»، وسيذكر الشارح أن لفظ «الوجود» «مشكِّك»؛ لوجود التفاوت العظيم بين وجود الموجودات. انظر: ص ٥٠٤.
[ ٤٣٤ ]
قوله: (وطائفة ظنت …) إلخ، هذا مثالٌ ثالث لمن ضل بسبب الاشتباه الذي يكون بين الأشياء، والطائفة هذه طائفةٌ من الفلاسفة.
قوله: (ظنت أنه إذا كانت الموجودات تشترك في الوجود؛ لزم أن يكون في الخارج عن الأذهان موجود مشترك فيه) أي: أنهم جعلوا ما في الأذهان ثابتًا في الأعيان، وسبق بيان: «أن المعاني الكلية المشتركة لا توجد إلا في الذهن، لا فيما خرج عنه من الموجودات في الخارج» (^١)، وهؤلاء لم يَقْصروا هذا على الوجود المشترك؛ بل زعموا أن في الخارج - أيضًا - كليات مطلقة؛ ك (وجود مطلق)، و(حيوان مطلق)، وهكذا.
وقد سبق ذكر هذا المعنى في «مبحث الروح» في «المثل الثاني» (^٢)، وأن الذين لا يصفون الروح إلا بالسلوب يقولون: «إنها لا تدرك المعاني المعينة، وإنما تدرك الأمور الكلية»؛ لأن عندهم أن المعاني الكلية موجودة في الخارج.
فهذا نوع من الضلال بسبب الاشتباه.
فالمقولة الباطلة هنا: اعتقاد أن في الخارج موجودًا مطلقًا، وكليات مطلقة، ومنشأ هذا الغلط؛ هو: أن الموجودات تشترك في مطلق الوجود، والحيوانات تشترك في مطلق الحيوانية، والأجسام تشترك في مطلق الجسمية، والناس يشتركون في مطلق الإنسانية.
_________________
(١) ص ١٣٩، ١٥٠.
(٢) ص ٢٤٤.
[ ٤٣٥ ]
وهذه المقولة باطلةٌ؛ فليس في الخارج وجود مطلق، فكل ما في الخارج؛ فهو مُعَيَّنٌ جزئي ليس بمشترك، وكلُّ شيءٍ مستقلٌ بوجوده عن غيره (^١).
إذًا؛ فالاشتراك بين الموجودات، أو الحيوانات، أو بين الأجسام، أو بين أفراد الناس؛ إنما هو في أمر ذهني، لا في أمر موجود في الخارج.
قوله: (فخالفوا الحس، والعقل، والشرع) أي: أن قولَهم هذا مخالفٌ للحس؛ فإنه معلومٌ بالحسِ: أنَّ ما في الخارج؛ إنما هو جزئي، فليس هناك شيء مشترك يُرى أو يلمس، وإنما الذي يدرك بالحس؛ هو: أمور معينة.
وخالف أيضًا: العقلَ؛ فإن من المعلوم بداهة: أن المعنى الكلي لا يكون إلا في الذهن، وقد تقدم ذكر هذا المعنى عن الفلاسفة، وأنهم قالوا عن الله: «إنه الوجود المطلق بشرط الإطلاق» (^٢)، وقد علم بصريح العقل: أن هذا لا يوجد إلا في الذهن، لا فيما خرج عنه من الموجودات.
وخالف قولُهم هذا أيضًا: الشرعَ؛ فإن الشرع قد جاء بأحكام، وإن كانت قد جاءت بصيغ عامة؛ فإن هذه النصوص العامة إنما تتعلق بالأعيان والأفراد، فهي عامة ولكن واقعها إنما ينطبق على الأفراد.
_________________
(١) «الرد على المنطقيين» ص ٣٦٣، و«درء التعارض» ١/ ٢٨٦ و٥/ ١٧٠، و«منهاج السنة» ٢/ ١٨٩ و٣/ ٣٠٢، و«شرح الأصبهانية» ص ٥١١، و«مجموع الفتاوى» ٥/ ٢٠٣.
(٢) ص ١٣٨.
[ ٤٣٦ ]
فخالف هؤلاء: الحس، والعقل، والشرع؛ فإنها تقتضي عدم وجود الكليات في الخارج.
قوله: (وهذا كله من أنواع الاشتباه) أي: أن غلط الاتحادية حيث زعموا أن وجود الموجودات؛ عين وجود الرب، وذلك بسبب اشتراك الموجودات في الوجود.
وغلط الجهمية، والمعتزلة، والفلاسفة - أيضًا - حيث قالوا: «إن الوجود مقول بالاشتراك اللفظي»، حذرًا ممَّا توهموه من التشبيه، والتركيب.
وغلط مَنْ غلط من الفلاسفة حيث زعموا أن الموجودات إذا كانت تشترك في الوجود؛ ففي الخارج موجود مطلق، وهكذا الشأن في سائر المعاني الكلية، فهي موجودة في الخارج، عندهم، وهذا كله من الضلال بسبب الاشتباه.
* * *
[ ٤٣٧ ]