وهؤلاء جميعهم يفرون من شيء؛ فيقعون في نظيره، وفي شرٍّ منه، مع ما يلزمهم من التحريفات والتعطيلات، ولو أمعنوا النظر؛ لسووا بين المتماثلات، وفرقوا بين المختلفات، كما تقتضيه المعقولات، ولكانوا من الذين أوتوا العلم، الذين يرون أن ما أنزل إلى الرسول هو الحق من ربه، ويهدي إلى صراط العزيز الحميد، ولكنهم من أهل المجهولاتِ المشبَّهة بالمعقولات، يُسَفْسِطُون في العقليات، ويُقَرْمِطُون في السمعيات.
بعد أن عرض الشيخ مذاهب المعطلة باختلاف طوائفهم، بيَّن أنهم يفرون من شيء؛ فيقعون في نظيره، وفي شرٍّ منه (^١).
فالغلاة فروا من تشبيهه بالموجودات والمعدومات؛ فلزمهم التشبيه بالممتنعات، وهذا أقبح من التشبيه بالموجود، أو المعدوم الممكن، وإن كان الجميع باطلًا.
_________________
(١) الصفدية ص ١٢٧.
[ ١٤٣ ]
وهكذا الفلاسفة ينفون عن الله الصفات بشبهة أن إثباتها يلزم منه التركيب.
وكلُّ من نفى شيئًا مما جاء به الرسول ﷺ فرارًا من شيء؛ فلا بد أن يقع في نظيره، أو في شرٍّ مما فرَّ منه، ولو أن هؤلاء جميعهم أمعنوا النظر؛ لسووا بين المتماثلات، وفرقوا بين المختلفات، كما هو مقتضى العقول السليمة المتجردة عن الأهواء المضلة، والتعصب.
كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١]، وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّار (٢٨)﴾ [ص].
ومن أدلة مناقضة مذهب الفلاسفة للمعقول: تسويتهم بين المختلفات، كما سووا بين الصفات، وجعلوا هذه الصفة هي الصفة الأخرى، كما سبق (^١).
ومن أدلة مناقضة مذهب المعتزلة للمعقول: تفريقهم بين المتماثلات، كما فرقوا في الإثبات بين أسماء الله وصفاته، فأثبتوا الأسماء ونفوا الصفات، كما سبق (^٢).
فلو أن هؤلاء كانوا من أصحاب النظر الصحيح، والعقل الصريح؛ لما وقعوا في هذا التناقض، وَلَكَانوا من الذين أوتوا العلم الذين يرون أن ما أنزل إلى الرسول هو الحق من ربه ويهدي إلى صراط العزيز الحميد.
_________________
(١) ص ١٣٩.
(٢) ص ١٤٠.
[ ١٤٤ ]
ولكن هؤلاء الضُّلَّال المعطلة ليسوا من أهل العقل ولا النقل؛ بل هم من أهل القضايا المجهولات التي يظنونها ويزعمونها قضايا عقلية، كما إذا قالوا: «إن الوجود المطلق موجود في الخارج»، أو: «إن العِلم هو العالِمِ».
ومعنى قوله: (يسفسطون في العقليات) أي: يقفون من العقليات موقف أهل «السفسطة» منها؛ وهو: المكابرة والإنكار (^١).
ومعنى قوله: (يقرمطون في السمعيات) أي: يفعلون في السمعيات فعل القرامطة، وهو اللعب بمعانيها وصرفها عن ظاهرها إلى معانٍ أخرى لا يحتملها اللفظ، ولا يدل عليها السياق (^٢).
* * *
_________________
(١) ذكر شيخ الإسلام في «بيان تلبيس الجهمية» ٢/ ٣٣٧: أن «السفسطة»: «كلمة مُعَرَّبة، وأصلها باليونانية «سوفسقيا» أي: حكمة مموهة؛ فإن «صوفيا» باليونانية؛ هي: الحكمة، ولهذا يقولون: «فيلاسوفا» أي: محب الحكمة». وقال في «منهاج السنة» ٧/ ٤٦٤: «السفسطة في العقليات؛ هو القدح فيما علم بالحس والعقل بشُبه تعارض ذلك، فمن أراد أن يدفع العلم اليقيني المستقر في القلوب بالشبه؛ فقد سلك مسلك السفسطة؛ فإن السفسطة أنواع: أحدها: النفي والجحد والتكذيب؛ إما بالوجود أو بالعلم به. والثاني: الشك والريب. وهذه طريقة اللاأدرية الذين يقولون: «لا ندري»، فلا يثبتون ولا ينفون، لكنهم في الحقيقة قد نفوا العلم، وهو نوع من النفي؛ فعادت السفسطة إلى: جحد الحق المعلوم، أو جحد العلم به. وانظر أيضًا: «منهاج السنة»: ٢/ ٥٢٥، و«الصفدية» ص ١٢٨.
(٢) تقدم أمثلة لذلك في: ص ١٣٣.
[ ١٤٥ ]