وإذا تبيَّن أن غاية ما يقرره هؤلاء النُّظار، أهل الإثبات للقدر، المنتسبون إلى السنة، إنما هو «توحيد الربوبية»، وأن اللهَ ربُّ كلِّ شيء، ومع هذا؛ فالمشركون كانوا مقرِّين بذلك، مع أنهم مشركون.
فكذلك طوائف من أهل التصوف، المنتسبين إلى المعرفة والتحقيق والتوحيد؛ غاية ما عندهم من التوحيد؛ هو: شهود هذا التوحيد؛ وهو: أن يشهد أن الله ربُّ كلِّ شيء، ومليكُه وخالقُه، لا سيما إذا غاب العارف بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمعروفه عن معرفته، ودخل في فناء «توحيد الربوبية»، بحيث يفنى مَنْ لم يكن، ويبقى مَنْ لم يَزَل.
فهذا عندهم هو الغاية التي لا غاية وراءها!، ومعلوم أن هذا هو تحقيق ما أقر به المشركون من التوحيد، ولا يصير الرجل بمجرد هذا التوحيد مسلمًا؛ فضلًا عن أن يكون وليًا لله، أو مِنْ سادات الأولياء.
هذا شروع في ذكر موازنات بين بعض الطوائف؛ طوائف المتكلمين والمتصوفة.
[ ٦١٩ ]
وقد علم مما تقدم: أن غاية ما يقرره أهل الكلام؛ ومنهم: المثبتون للقدر المنتسبون للسنة - وهم الأشاعرة -، غاية ما يقررونه من التوحيد: توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون، وكذلك طوائف من أهل التصوف المنتسبين إلى المعرفة والتحقيق والتوحيد؛ فإن غاية ما عندهم من تحقيق التوحيد، إنما هو توحيد الربوبية؛ وهو: أن يشهد أن الله ربُّ كلِّ شيء ومليكُه وخالقُه، ومِن المعلوم أن الرجل لا يصير بمجرد هذا التوحيد مسلمًا، فضلًا عن أن يكون وليًا لله، أو من سادات الأولياء.
فالغايةُ عند هؤلاء الصوفية؛ الفناءُ في توحيد الربوبية، فيفنى العارف ويغيب بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمعروفه عن معرفته، وبمعبوده عن عبادته، بحيث يفنى من لم يكن - وهو: المخلوق -، ويبقى من لم يزل - وهو: الخالق -، وليس المراد بالفناء عندهم: فناء حقيقةِ وجودِ المخلوقات عن الوجود، وإنما المراد: الفناء عن الشعور بها.
«فيفنى العارف بمشهوده» أي: بربه، والضمير هنا يرجع للعبد «عن شهوده»، أي: عن مشاهدته له، والضمير هنا في المصدر «شهود» يصلح أن يرجع للرب، ويصلح أن يرجع للعبد، وهو أحسن (^١).
فيغيب بمشهوده، ومذكوره، ومعروفه، وموجوده، أي: بربه عن كل شيء، حتى عن نفسه ومعرفته، وذكره لربه وعبادته، فلا يشعر بشيء من ذلك (^٢).
_________________
(١) انظر نحوه في ص ٦٩٩.
(٢) سيتكلم المؤلف عن هذا الموضوع بالتفصيل في ص ٦٨٨، وما بعدها.
[ ٦٢٠ ]
وطائفة من أهل التصوف والمعرفة يُقرون هذا التوحيد مع إثبات الصفات، فيفنون في «توحيد الربوبية» مع إثبات الخالق للعالم المبائن لمخلوقاته.
وآخرون يضمُّون هذا إلى نفي الصفات، فيدخلون في التعطيل مع هذا، وهذا شرٌّ مِنْ حال كثير مِنْ المشركين.
وكان جهمٌ ينفي الصفات، ويقول بالجبر، فهذا تحقيق قول جهم، لكنه إذا أثبت الأمر والنهي، والثواب والعقاب، فارق المشركين من هذا الوجه، لكنَّ جهمًا ومَن اتبعه يقول بالإرجاء، فيَضْعُف الأمر والنهي، والثواب والعقاب عنده.
يذكر الشيخ هنا أن من الصوفية من يقرُّ بتوحيد الربوبية مع إثبات الصفات، فهم مع فنائهم في توحيد الربوبية؛ أثبتوا الخالق للعالم المبائن لمخلوقاته.
ومن الصوفية من يضم إلى فنائه في توحيد الربوبية واقتصاره عليه: نفي الصفات، وهذا يشبه ما عليه المعتزلة.
ويقرر الشيخ أن هؤلاء شرٌّ مِنْ حال كثير مِنْ المشركين؛ لأن المشركين كانوا يثبتون - في الجملة - صفات الله تعالى، وهؤلاء نفوا الصفات، وجعلوا التوحيد؛ هو توحيد الربوبية، وهذا هو تحقيق
[ ٦٢١ ]
قول جهم بن صفوان، فإنه كان ينفي الصفات، ويقول بالجبر، وشهود الربوبية فقط.
وجهم بن صفوان إمام أهل التعطيل، وقد اشتهر عنه ثلاث بدع (^١):
١ - بدعة التعطيل في الأسماء والصفات.
٢ - بدعة الجبر في باب القدر، وهو مِنْ مقتضيات غلوه في توحيد الربوبية.
٣ - بدعة الإرجاء في باب الإيمان؛ فالإيمان عنده؛ هو: المعرفة فقط.
فجهمٌ شرٌّ مِنْ المشركين مِنْ حيث نفيُه للصفات، لكنه يفارقهم، ويكون أحسن منهم مِنْ حيث إثباتُه للأمر، والنهي، والثواب، والعقاب، والرسالات، والمعاد، ثم إن قولَه بالإرجاء؛ وهو: أن الإيمان؛ هو: مجرد المعرفة؛ يضعفُ قوله وتقريره للأمر والنهي، والثواب والعقاب.
* * *
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» ٨/ ٤٦٠، و«الإيمان الأوسط» ص ٥٨٥.
[ ٦٢٢ ]
والنَّجَّارية والضِّرارية وغيرهم يَقْرُبون مِنْ جهم في مسائل القدر والإيمان، مع مقاربتهم له أيضًا في نفي الصفات.
والكُلَّابية والأشعرية خيرٌ من هؤلاء في باب الصفات، فإنهم يثبتون لله الصفات العقلية، وأئمتهم يثبون الصفات الخبرية في الجملة، كما فصَّلت أقوالهم في غير هذا الموضع.
وأما في باب القدر، ومسائل الأسماء والأحكام؛ فأقوالهم متقاربة.
والكُلَّابية: هم أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب، الذي سلك الأشعري خلفه، وأصحاب ابن كُلَّاب؛ كالحارث المحاسبي، وأبي العباس القَلَانِسي، ونحوهما؛ خير من الأشعرية في هذا وهذا، فكلما كان الرجل إلى السلف والأئمة أقرب؛ كان قوله أعلى وأفضل.
ثم يذكر الشيخ بعض الموازنات العامة بين بعض فرق أهل الكلام في مسائل القدر، والإيمان، والصفات، ومسائل الأسماء والأحكام.
[ ٦٢٣ ]
فالنَّجَّارية (^١)، والضِّرارية (^٢) يقربون من جهم في مسائل القدر، والإيمان، كما يقاربونه في نفي الصفات وتعطيلها.
أما الكُلَّابية، والأشعرية؛ فهم وإن كانوا خيرًا مِنْ النجارية، والضرارية في باب الصفات لإثباتهم الصفات العقلية، وأئمتهم يثبتون الصفات الخبرية في الجملة؛ إلا أن أقوالهم في باب القدر، ومسائل الأسماء والأحكام؛ مقاربة لأقوال الجهمية، والنجارية، والضرارية، فعندهم جَبْرٌ، وإرجاء.
فالأشاعرة يقولون: «إن أفعال العباد مخلوقة لله، وهي كسب للعبد»، فهم يتحاشون أن تكون فعلًا للعبد؛ لأن «الفعل» عندهم؛ هو: «المفعول»، فهي أفعال لله - وليس عندهم فرق بين الفعل والمفعول -، وهي كسب للعبد!
_________________
(١) نسبة إلى: الحسين بن محمد بن عبد الله النجار، أحد كبار المتكلمين المعتزلة، له عدة مصنفات، مترجم في «الفهرست» ١/ ٢٢٩، و«سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٥٥٤، وانظر بعض أقوله في: «مقالات الإسلاميين» ص ٢٨٣، و«أصول الدين» ص ٣٣٤، و«الملل والنحل» ١/ ٦٣.
(٢) نسبة إلى: ضرار بن عمرو القاضي، «مِنْ رؤوس المعتزلة، له مقالات خبيثة، وله تصانيف كثيرة تؤذن بذكائه، وكثرة اطلاعه على الملل والنحل، توفي في زمن الرشيد»، قاله الذهبي في «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٥٤٤، و«ميزان الاعتدال» ٢/ ٣٢٨. وانظر بعض أقوله في: «مقالات الإسلاميين» ص ٢٨١، و«أصول الدين» ص ٣٣٩، و«الملل والنحل» ١/ ٦٤.
[ ٦٢٤ ]
وقد قال بعض العلماء: «إن كسب الأشعري لا حقيقة له» (^١)؛ لأنهم يقولون: «إنه لا أثر لقدرة العبد في فعله»، والكسب عندهم: «مقارنة الفعل للقدرة الحادثة»، فهم منكرون للأسباب، ولهذا فإن حقيقة قولهم: «إنكار قدرة العبد، ومشيئته واختياره»، وهذا هو قول جهم، إلا أن جهمًا صرح بنفي ذلك مطلقًا، والأشاعرة لم يصرحوا بذلك؛ بل حاولوا التوفيق والتلفيق بين الحق والباطل.
وبيَّن الشيخ أن الأشعري سلك مسلك عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب (^٢)، ثم يقارن بين أصحاب ابن كلاب، والأشعرية؛ فيذكر أن أصحابَ ابن كلاب؛ كالحارث المحاسبي (^٣)، وأبي العباس القَلَانِسي (^٤)، ونحوهما؛
_________________
(١) قال ابن تيمية: «قال: جمهور العقلاء ثلاثة أشياء لا حقيقة لها: طفرة النَّظَّام، وأحوال أبي هاشم، وكسب الأشعري». «شرح الأصبهانية» ص ١٧١، وانظر: «مجموع الفتاوى» ٨/ ١٢٨، و«منهاج السنة» ١/ ٤٥٩ و٢/ ٢٩٧، و«شفاء العليل» ص ٥٠ و١٢٢.
(٢) تقدمت ترجمته في ص ٥٥٥.
(٣) هو: ابن أسد البغدادي الزاهد، صاحب التصانيف الزهدية، قال الخطيب البغدادي: «له كتب كثيرة في الزهد، وأصول الديانات، والرد على المخالفين من المعتزلة والرافضة»، وقال شيخ الإسلام: «كان ينتسب إلى قول ابن كلاب، ولهذا أمر أحمد بهجره، وكان أحمد يحذر عن ابن كلاب وأتباعه، ثم قيل عن الحارث: إنه رجع عن قوله». مات سنة ٢٤٣ هـ. «تاريخ بغداد» ٩/ ١٠٥، و«درء التعارض» ٢/ ٦، و«سير أعلام النبلاء» ١٢/ ١١٠.
(٤) هو: «أحمد بن عبد الرحمن بن خالد الرازي، من معاصري أبي الحسن الأشعري … من جملة العلماء الكبار الأثبات». قاله ابن عساكر في «تبيين كذب المفتري» ص ٢٩٣، وقال البغدادي في «أصول الدين» ص ٣١٠: «إمام أهل السنة .. زادت تصانيفه في الكلام على مائة وخمسين كتابًا»، ولم أجد له ترجمة في كتب التراجم، وله ذكر في الواقعة التي حدثت بين الإمام ابن خزيمة =
[ ٦٢٥ ]
خيرٌ من الأشعرية في هذا، وهذا، أي: في باب الصفات، وباب القدر، ومسائل الأسماء والأحكام، فالشيخ يفضلهم على الأشاعرة في ذلك.
وهذا الأسلوب من الموازنة يرجع إلى ما أمر الله به من العدل في الحكم كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢].
فالكفار وإن اشتركوا في الحكم؛ فلا يقال: «إنهم في الكفر سواء»؛ بل إن بعض الكفار أكفر من بعض، وحكمُ الله تعالى الشرعي والجزائي قائمٌ على هذا، فالواجب إنزال كل أحد منزله في الخير والشر.
وهكذا المبتدعة، فهذه الطوائف لما ابتدعت بدعًا، وجب معرفة ما بينهم من تفاوت في تلك البدع، فبعضهم أقرب إلى الحق من بعض، فمن يثبتُ بعض الصفات؛ خيرٌ ممن ينفي كلَّ الصفات، ومن ينفي الصفاتِ ويثبت الأسماء؛ خيرٌ ممن ينكر الأسماء والصفات.
ويذكر الشيخ معيارًا للخيرية والعلو والفضيلة في الأفراد والطوائف؛ فيقول: (كلما كان الرجل إلى السلف والأئمة أقرب؛ كان قوله أعلى وأفضل)، والعكس بالعكس؛ فكلما كانت أقوال الشخص وأحواله أبعد عن منهج السلف؛ كان بضد ذلك: أبعد عن الصواب.
_________________
(١) = وبعض أصحابه؛ كأبي علي الثقفي، وأبي بكر الضبعي ..، وقد رواها الحاكم في تاريخ نيسابور، ونقلها شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» ٦/ ١٧٥، و«درء التعارض» ٢/ ٧٨، وله، ولابن كُلاب، والحارث، ذِكر في مواضع كثيرة من كتب شيخ الإسلام في تعقبه لأقوال الكلابية. تنبيه: تصحف: «القلانسي» في «مجموع الفتاوى» إلى «الفلاني».
[ ٦٢٦ ]
وهذا ينبهنا إلى أصل عظيم؛ وهو: اعتبارُ الصحابة ﵃ القدوةُ في جملتهم بعد النبي ﷺ؛ لأنهم قاموا بالإسلام بأقوالهم وأفعالهم، فإن اتفقوا؛ فقولهم حجة، وإن اختلفوا؛ فهم متفاضلون، ويعرف الصواب من أقوالهم بعرضها على الكتاب والسنة، وإذا لم يتبين، فيرجح بينهم، فقولُ الخلفاء الراشدين؛ مقدمٌ على غيرهم.
* * *
[ ٦٢٧ ]
والكَرَّاميةُ قولهم في الإيمان قولٌ منكر لم يسبقهم إليه أحد، حيث جعلوا الإيمانَ قولَ اللسان، وإن كان مع عدم تصديق القلب، فيجعلون المنافق مؤمنًا، لكنه يخلد في النار، فخالفوا الجماعة في الاسم دون الحكم.
وأما في الصفات والقدر، والوعد والوعيد؛ فهم أشبه مِنْ أكثر طوائف الكلام التي في أقوالها مخالفة للسنة.
قول الكرَّامية (^١) في الإيمان؛ إنه: «إقرار باللسان فقط»، قال فيه الشيخ إنه: (قول منكر لم يسبقهم إليه أحد).
فالمنافق عند الكرامية مؤمن كامل الإيمان؛ لإقراره بلسانه وإن كان في الدرك الأسفل من النار، فهم خالفوا الجماعة في اسم المنافق دون حكمه الجزائي الأخروي (^٢).
_________________
(١) نسبة إلى: محمد بن كرَّام بن عِراق السجستاني، قال الذهبي عنه: «العابد، المتكلم، شيخ الكرامية، ساقط الحديث على بدعته … سجن بنيسابور؛ لأجل بدعته ثمانية أعوام»، وقال: «كان زاهدًا، عابدًا، ربانيًا، بعيد الصيت، كثير الأصحاب، … وكان قليل العلم … مات بالشام سنة ٢٥٥ هـ». «ميزان الاعتدال» ٤/ ٢١، و«سير أعلام النبلاء» ١١/ ٥٢٣، و«تاريخ الإسلام» ٦/ ١٨٨.
(٢) «الإيمان الكبير» ص ١٤١، و«الإيمان الأوسط» ص ٥٠٩، و«الفرقان بين الحق والباطل» ص ٥٦.
[ ٦٢٨ ]
والحق أن المنافق يسمى في الشرع منافقًا لا مؤمنًا، كما قال تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣]؛ فلو كان المنافق مؤمنًا؛ لدخل في قوله: وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، وهكذا سائر الآيات التي تذكر أهل الإيمان.
فقولُ من يقول: إن الإيمان هو التصديق؛ خيرٌ منهم في ذلك (^١).
ثم يذكر الشيخ أن أقوالهم في الصفات والقدر والوعد والوعيد؛ أحسن من سائر الطوائف الكلامية التي خالفت أهل السنة والجماعة.
ففي الصفات نجدهم يثبتونها، ولكنهم يطلقون على الله تعالى لفظ «الجسم»، وفي صفة الكلام؛ نجدهم يقولون: «إن الله تعالى يتكلم بمشيئته»، ولكنهم يقولون: «إنه حدث له الكلام»، فهم على ما عندهم من ذلك؛ خير ممن ينفي الصفات، وهكذا في بقية الأبواب.
* * *
_________________
(١) واختار شيخ الإسلام عكس ذلك. «الإيمان الكبير» ص ١٤٠.
[ ٦٢٩ ]
وأما المعتزلة فهم ينفون الصفات، ويقاربون قول جهم، لكنهم ينفون القدر، فهم وإن عظموا الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وغلوا فيه؛ فهم يكذِّبون بالقدر، ففيهم نوع من الشرك من هذا الباب.
والإقرارٌ بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، مع إنكار القدر؛ خيرٌ من الإقرار بالقدر مع إنكار الأمر والنهي، والوعد والوعيد، ولهذا لم يكن في زمن الصحابة والتابعين مَنْ ينفي الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وكان قد نبغ فيهم القدرية، كما نبغ فيهم الخوارج الحرورية، وإنما يظهر مِنْ البدع أولًا ما كان أخف، وكلما ضعف مَنْ يقوم بنور النبوة؛ قويت البدعة.
يعقد الشيخ هنا موازنة بين المعتزلة والجهمية في ثلاثة أشياء؛ في الصفات، والقدر، والوعد والوعيد.
فأما في الصفات؛ فهم مقاربون للجهمية، حيث إن المعتزلة تنفي الصفات، وجهمًا ينفي الأسماء والصفات.
وأما في القدر؛ فهم متناقضون، فجهم يغلو في إثبات القدر إلى حد الجَبْر، والمعتزلة ينفون القدر، ففيهم نوعُ شركٍ، وذلك بإخراجهم أفعال العباد عن خلق الله، وجعلِهم العبد يخلق فعله بنفسه.
[ ٦٣٠ ]
والمعتزلة يعظمون الأمر والنهي، والوعد والوعيد إلى حد الغلو في ذلك، حيث قالوا بإخراج مرتكب الكبيرة من الإيمان، وبتخليده في النار.
وأما جهم؛ فإنه قال: «إن الإيمان هو المعرفة، ولا يضر مع الإيمان ذنب»؛ فالمعتزلةُ وعيديةٌ، والجهميةُ مرجئةٌ.
وبعد هذه الموازنة يبيِّن الشيخ أن المعتزلةَ - على قبح قولهم - خيرٌ من الجهمية؛ فإن الإقرارَ بالأمر والنهي، والوعد والوعيد مع إنكار القدر؛ خيرٌ من الإقرار بالقدر مع إنكار الأمر والنهي، والوعد والوعيد؛ لأن هذا الأخير يؤدي إلى فساد الدين والدنيا، وعدم استقرار أمور الفرد والجماعة (^١).
فبدعةُ الجبر والإرجاء؛ أقبحُ وأظهرُ فسادًا من بدعة إنكار القدر والقول بتخليد مرتكب الكبيرة في النار.
ومن آثار هذا التفاوت بين الطائفتين: أن إنكار الأمر والنهي، والقول بالإرجاء والجبر؛ لم يظهر في عهد الصحابة، وإنما ظهرت بدايتها في القرن الثاني، بخلاف التكذيب بالقدر؛ فقد ظهر في زمن الصحابة، وكذلك بدعة التكفير بالمعاصي؛ ظهرت في عهد علي بن أبي طالب ﵁.
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» ٨/ ١٠٠ و١٠/ ٦٧١ و١١/ ٢٩.
[ ٦٣١ ]
وهذا يدل على أنَّ بدعةَ التكذيب بالقدر، والقول بتخليد مرتكب الكبيرة في النار؛ أخفُ وأخفى من بدعة الجبر والإرجاء، وإنكار الأمر والنهي.
ويذكر الشيخ لهذا قاعدة؛ وهي: (إنما يظهر مِنْ البدع أولًا ما كان أخف، وكلما ضعف من يقوم بنور النبوة؛ قويت البدعة).
فالبدعُ الكبيرة الظاهرة؛ لا تأتي إلا بعد أن تسبقها بدعٌ أصغر منها، وأخفى (^١).
* * *
_________________
(١) «شرح الأصبهانية» ص ٦٧٥، و«مجموع الفتاوى» ٨/ ٤٥٨ و٢٨/ ٤٨٩.
[ ٦٣٢ ]
فهؤلاء المتصوفون الذين يشهدون الحقيقة الكونية، مع إعراضهم عن الأمر والنهي؛ شرٌّ من القدرية المعتزلة ونحوهم، أولئك يُشَبَّهون بالمجوس، وهؤلاء يشبَّهون بالمشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، والمشركون شرٌّ من المجوس.
بعد أن ذكر الشيخ موازنة بين القدرية والجبرية، بيَّن أن غلاة المتصوفة يشهدون الحقيقة الكونية، أي: يشهدون أن الله تعالى ربُّ كلِّ شيء، ومليكُه، وخالقُ كل شيء، ويعرضون عن الأمر والنهي، فهم قائلون بالجبر والإرجاء، أي: إنهم سالكون مسلك جهم.
فهؤلاء شرٌّ من القدرية المعتزلة، فإن القدرية المعتزلة يشبهون بالمجوس؛ لأنهم جعلوا العبد يخلق فعل نفسه؛ فجعلوا خالقًا مع الله، وهؤلاء الصوفية المرجئة الجبرية يشبهون بالمشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾، والمشركون شرٌّ من المجوس.
وهذا تأكيد لما سبق من قول الشيخ: إن الإقرارَ بالأمر والنهي، والوعد والوعيد مع إنكار القدر؛ خيرٌ من الإقرار بالقدر مع إنكار الأمر والنهي، والوعد والوعيد.
[ ٦٣٣ ]
وممَّا يبيِّن أنَّ المشركين شرٌّ من المجوس في الحكم: جواز أخذ الجزية مِنْ المجوس؛ لأنهم مُشَبَّهون بأهل الكتاب كما في الحديث: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» (^١)، وقد أخذ النبي ﷺ الجزية من مجوس هجر (^٢).
أما المشركون الوثنيون؛ فلا تؤخذ منهم الجزية على قول جمهور أهل العلم (^٣).
* * *
_________________
(١) رواه مالك ١/ ٢٧٨، والشافعي في «الأم» ٥/ ٤٠٨، وعبد الرزاق في «المصنف» ٦/ ٦٨ من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁. وقال ابن عبد الهادي في «المحرر» ص ٢٩٤: «في إسناده انقطاع، وقد روي نحوه متصلًا من وجه آخر». وانظر: «التلخيص الحبير» ٥/ ٢٣٢٢.
(٢) رواه البخاري (٣١٥٧) من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁.
(٣) «أقوم ما قيل في القضاء والقدر» ص ١٠٠، و«زاد المعاد» ٣/ ١٥٣، و«أحكام أهل الذمة» ١/ ٢٠.
[ ٦٣٤ ]