واعلم أن الجهمية المحضة - كالقرامطة ومَن ضاهاهم -؛ ينفون عنه تعالى اتصافه بالنقيضين، حتى يقولوا: «ليس بموجود ولا ليس بموجود، ولا حي ولا ليس بحي».
ومعلوم أن الخلو عن النقيضين ممتنعٌ في بدائه العقول، كالجمع بين النقيضين.
وآخرون وصفوه بالنفي فقط، فقالوا: «ليس بحي، ولا سميع، ولا بصير».
وهؤلاء أعظمُ كفرًا من أولئك من وجه، وأولئك أعظمُ كفرًا من هؤلاء من وجه.
فإذا قيل لهؤلاء: «هذا يستلزم وصفه بنقيض ذلك كالموت، والصمم، والبكم».
قالوا: «إنما يلزم ذلك لو كان قابلًا لذلك».
وهذا الاعتذار يزيد قولهم فسادًا.
[ ٢٨٢ ]
يوازن الشيخ هنا بين نوعين من النفاة.
فالطائفة الأولى: الجهمية المحضة - وهم غلاة الغلاة - الذين ليس عندهم شائبة إثبات، وهم الذين يصفون الله تعالى بسلب النقيضين، فيقولون: (ليس بموجود ولا ليس بموجود، ولا حي ولا ليس بحي)، فيصفون الله بالنفي، ونفي النفي.
وقولهم: (ليس بموجود ولا ليس بموجود)؛ يساوي قولهم: «لا موجود ولا معدوم»؛ لأن جملة ليس بموجود، بمعنى: معدوم، ووصفهم لله تعالى بذلك ممتنعٌ في بداهة العقول، كالجمع بين النقيضين، وسلب النقيضين، وهؤلاء هم: الباطنية.
والطائفةُ الثانية: الذين يصفون الله تعالى بالنفي فقط، فيقولون: (ليس بحي، ولا سميع، ولا بصير)، وضلالُ هؤلاء يظهر من وجهين:
أحدهما: أن سلب صفات الكمال عن الله تعالى؛ يلزم منه اتصافه بضدها من النقائص.
الثاني: زعمهم في الرد على هذا الإلزام أن الله تعالى غيرُ قابل للاتصاف بهذه الصفات، ولا ضدها.
وقول الشيخ: (وهؤلاء أعظم كفرًا من أولئك من وجه، وأولئك أعظم كفرًا من هؤلاء من وجه) يريد بإشارة القريب: الذين يصفون الله بالنفي فقط، وهم: الجهمية.
[ ٢٨٣ ]
وبإشارة البعيد: الباطنية، الذين يصفون الله بسلب النقيضين، وأنَّ كلًا من الطائفتين أكفر من الأخرى من وجه؛ فالجهمية أكفر من الباطنية من جهة أنهم لم يصرحوا بنفي النقائص، والباطنية أكفر من الجهمية من جهة أنهم وصفوه بسلب النقيضين، وهو ممتنع.
وقول الشيخ: (وهذا الاعتذار يزيد قولهم فسادًا) تفصيله ما تقدم في الجواب الثالث والرابع.
* * *
[ ٢٨٤ ]
وكذلك من ضاهى هؤلاء؛ وهم الذين يقولون: «ليس بداخل العالم ولا خارجه»؛ إذا قيل لهم: «هذا ممتنع في ضرورة العقل»، كما إذا قيل: «ليس بقديم ولا محدث، ولا واجب ولا ممكن، ولا قائم بنفسه، ولا قائم بغيره».
قالوا: «هذا إنما يكون إذا كان قابلًا لذلك، والقبول إنما يكون مِنَ المتحيز، فإذا انتفى التحيز؛ انتفى قبول هذين النقيضين».
يقصد الشيخ أن بعض مَنْ نفى العلو مِنْ الأشاعرة قد ضاهى بحجته الجهمية، وذلك بالاحتجاج على عدم امتناع ما ذهبوا إليه بقولهم: «إنه لا داخل العالم ولا خارجه» بعدم القبول.
فإذا قيل لهم: قولكم: «لا داخل العالم ولا خارجه» ممتنع.
قالوا: «إن هذا ليس بممتنع؛ لأنه تعالى ليس بقابل؛ فإن نفي هذين النقيضين إنما يمتنع في القابل لهما، والقبول إنما يكون من المتحيز، والله تعالى ليس بمتحيز؛ فلا يكون قابلًا لهما، فلا يمتنع نفيهما عنه».
ويحتمل أن الشيخ يريد (بهؤلاء) طائفة الباطنية، وأن الذين قالوا: «إنه لا داخل العالم، ولا خارجه» قد ضاهوهم بسلب النقيضين.
والأول أقرب.
[ ٢٨٥ ]
فيقال لهم: عِلْمُ الخلقِ بامتناع الخلو من هذين النقيضين؛ هو: علم مطلق، لا يستثنى منه موجود.
والتحيزُ المذكور؛ إن أريد به كونُ الأحياز الموجودة تحيطُ به؛ فهذا هو الداخل في العالم، وإن أريد به أنه منحازٌ عن المخلوقات - أي: مباينٌ لها، متميزٌ عنها -؛ فهذا هو الخروج.
فالمتحيز يراد به تارة: ما هو داخل العالم، وتارة: ما هو خارج العالم، فإذا قيل: «ليس بمتحيز»، كان معناه: ليس بداخل العالم ولا خارجه.
فهم غيَّروا العبارة؛ ليوهموا من لا يفهم حقيقة قولهم أن هذا معنى آخر، وهو المعنى الذي عُلِم فساده بضرورة العقل.
كما فعل أولئك في قولهم: «ليس بحي ولا ميت، ولا موجود ولا معدوم، ولا عالم ولا جاهل».
رد الشيخ على اعتذارهم السابق بوصف الله تعالى بسلب النقيضين بأنه غير قابل؛ فلا يكون ممتنعًا؛ بجوابين:
الأول: أن من المعلوم عند العقلاء، عِلمًا عامًا لا يستثنى منه شيء: امتناعُ الخلو عن النقيضين، ومن ذلك: كون الموجود لا داخل العالم ولا خارجه، فتقسيمهم الموجودات إلى نوعين: موجودٍ غيرِ متحيز
[ ٢٨٦ ]
لا يتمنع خلوه عن هذين النقيضين، وموجودٍ متحيزٍ يمتنع خلوه عن هذين النقيضين؛ تقسيم باطل.
الثاني: أن المتحيز؛ إما أن يراد به ما تحيط به الأحياز، والأمكنة، والظروف الوجودية، وهذا هو الداخل في العالم.
وإما أن يراد به المنحاز عن العالم، وهذا هو الخارج عنه.
فإذا قالوا: (إنه ليس بمتحيز)، والتحيز يطلق على المعنيين السابقين؛ صار معناه: أنه لا داخل العالم ولا خارجه، فاحتجوا على الدعوى بالدعوى، فأصل دعواهم: أن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه، فلما قيل لهم: «إن هذا سلب للنقيضين، وهو ممتنع».
قالوا: «إنما يكون ممتنعًا لو كان قابلًا، والله تعالى ليس بقابل؛ لأنه غير متحيز؛ فلا يكون ممتنعًا»، فاحتجوا على دعواهم بأنه لا داخل العالم ولا خارجه: بدعواهم بأنه غير متحيز، ومعنى: «غير متحيز» ليس بداخل العالم ولا خارجه، فالعبارتان معناهما واحد، وإنما غيروا العبارة إيهامًا لمن لا يفهم حقيقة قولهم بأن معنى: (ليس بمتحيز): «لا داخل العالم ولا خارجه».
فكأنهم قالوا: «إنه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه، وليس هذا بممتنع؛ لأنه لا داخل العالم ولا خارجه»!
وقوله: (وهو المعنى الذي عُلِم فساده بضرورة العقل).
يريد أن قولهم: (ليس بمتحيز) هو نفس المعنى الفاسد الذي علم فساده بضرورة العقل، وهو قولهم: (لا داخل العالم ولا خارجه)، كما
[ ٢٨٧ ]
فعل أولئك الباطنية في قولهم: (إنه ليس بحي ولا ميت، ولا موجود ولا معدوم، ولا عالم ولا جاهل) فكل ذلك من قبيل سلب النقيضين.
وبهذا انتهى الكلام عن هذه القاعدة التي أصلها:
أن الله تعالى موصوف بالإثبات والنفي، وأن ذلك موجَب العقل والسمع، وأن الله موصوف بإثبات الكمالات ونفي النقص، وأن النفي الذي يوصف به هو النفي المتضمن لإثبات الكمال، فما لا يتضمن إثبات كمال من النفي؛ فإنه نقص.
* * *
[ ٢٨٨ ]