٥٨- وسائر الأشياء غير الذات وغيرما الأسماء والصفات
٥٩- مخلوقة لربنا من العدم وضل من أثنى عليها بالقدم
_________________
(١) الشرح قال المؤلف ﵀: (الباب الثاني: في الأفعال المخلوقة) والأولى أن يقول: (الباب الثاني: في الأشياء المخلوقة)، وذلك لأن قوله: (في الأفعال المخلوقة) توهم بأن المراد بالأفعال أفعال الله، وأفعال الله ليست مخلوقة وإنما المخلوق هو المفعول، وأما الفعل فهو صفة لله، وصفات الله ليست مخلوقة. فالأشياء المخلوقة أي كل الأشياء، وكل ما عدا الخالق فهو مخلوق؛ من الأعيان والصفات والزمان والمكان وغير ذلك، قال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الفاتحة: ٢) فالرب غير مخلوق والعالم مخلوق. ثم أيضًا لو قال: (في الأشياء المخلوقة) لشمل ذلك الأعيان والأفعال والأوصاف، بخلاف ما لو قال: (في الأفعال المخلوقة) فإن ذلك يختص بالأفعال فحسب. فمثلًا: الآدمي عين، وبطشه وأكله وشربه أفعال، وأوصافه أوصاف. فإذا قلنا: في الأشياء المخلوقة شمل الأعيان والأوصاف والأفعال، وإذا
[ ٣١٣ ]
قلنا: في الأفعال اختص بها، والأشياء الموجودة إما خالق وإما مخلوق، فالخالق رب العالمين ﷿، والمخلوق ما سواه، ولهذا قال المؤلف ﵀: (وسائر الأشياء غير ذات) أي ذات الله.
قال ﵀: (وسائر الأشياء غير الذات) (سائر) هنا بمعنى جميع، ولا يصح أن تكون بمعنى باق.
وسائر اسم فاعل مأخوذ من السور وهو الجدار المحيط بالبيت، وهي على هذا الوجه بمعنى الجميع، أو سائر من السؤر، وهو بقية الشراب، وهي على هذا بمعنى باق، ومن ذلك قول عائشة ﵂ لما ذكرت أن الرسول ﷺ في الغسل يفيض على رأسه ثلاث مرات، قالت: «ثم غسل سائر جسده) (١) فسائر هنا بمعنى باق.
(وغيرما الأسماء والصفات) (ما) زائدة من أجل الوزن، (وغيرما الأسماء) أي أسماء الله تعالى (والصفات) يعني صفات الله تعالى (مخلوقة) هذا خبر المبتدأ وهو قوله (سائر)، (لربنا) أي لله تعالى، (من العدم) يعني بعد أن كانت عدما.
قوله: (وضل من أثنى عليها بالقدم) - (ضل): يعني تاه وضاع عن الطريق المستقيم، (من أثنى عليها بالقدم) أي من وصفها بالقدم.
وقوله: (وسائر الأشياء) أي جميع الأشياء، من الموجودات غير ذات الله وأسمائه وصفاته، ولم يذكر المؤلف ﵀ أفعاله سبحانه، لأن أفعاله
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الغسل، باب تخليل الشعر، رقم (٢٧٣)، ومسلم، كتاب الحيض، باب صفة غسل الجنابة، رقم (٣١٧) .
[ ٣١٤ ]
من صفاته، ولم يذكر الكلام لأن كلامه سبحانه أيضًا من صفاته.
إذًا فذات الله ﷾ وأسماؤه وصفاته غير مخلوقة، وما عدا ذلك فهو مخلوق، فالآدمي مخلوق بعد أن لم يكن، والروح مخلوقة بعد أن لم تكن، والسماء مخلوقة بعد أن لم تكن، والأرض مخلوقة بعد أن لم تكن، وكل شيء مخلوق من العدم بعد أن لم يكن.
وهذه المسالة ضل فيها من ضل من الناس، وزعموا أن المخلوقات قديمة النوع، وأن المادة أزلية، كما أنها أبدية، ولهذا يقولون: إن المادة لا تفنى ولا تستحدث من العدم؛ فليست معدومة من قبل، ولا تفنى من بعد.
وكل هذا ضلال؛ لأنك إذا قلت: بقدم الأشياء وأنها لم تكن حادثة، أشركت بالله وجعلت له شريكًا في القدم وهذا شرك.
ولكن هل الله ﷿ أتى عليه وقت لم يكن يفعل شيئًا؟
قال بعض العلماء: نعم، أتى عليه وقت لم يكن يفعل شيئًا، ثم حدث الفعل، لأنك إن لم تقل بذلك لزم أن تجعل المفعول قديمًا، فإنك إذا اثبت لله فعلًا - فلا فعل إلا بمفعول - وحينئذٍ يلزمك أن تقول بقِدم المفعولات، فتقع في الضلال.
ولهذا اختلف الناس في هذه المسالة، فمنع قوم التسلسل في الماضي، كان منعوه في المستقبل، وقالوا: إن الله تعالى في الأول لم يكن يفعل، وفي النهاية أيضًا لا يفعل، وبنوا على ذلك أن الجنة تفنى، والنار تفنى، أي
[ ٣١٥ ]
ينعدمان بالكلية، بل ولا يبقى شيء أبدًا؛ لا سماء ولا أرض، ولا نجوم، ولا شمس، ولا قمر، ولا يبقى إلا الله ﷿، وهذا مذهب الجهمية، حيث قالوا: بأن الأشياء لا تدوم فكما أن لها ابتداء فلها انتهاء.
وقال بعض منهم بل تفنى الحركات دون الذوات، فحركات الحي تفنى دون ذاته، فيبقى الناس كأنهم أصنام، وهذا مذهب العلاف وهو من المعتزلة، وقد سخر به ابن القيم ﵀ في النونية (١)، فقال: على زعمه: أن الإنسان من أهل الجنة إذا رفع إلى فمه فاكهة وجاء وقت الفناء جمع على ما هو عليه، وبقيت الفاكهة بيده لم تصل إلى فمه إلى أبد الآبدين، وإذا كان على أهله من الحور العين أو من نساء الدنيا وأتى وقت فناء الحركات بقي على ما هو عليه إلى أبد الآبدين. وهذا كلام غير معقول، بل أنه ضلال والعياذ بالله، وغالبًا ما يكون من لا يبني على علم من الشرع ضحكة.
وقال قوم بعكس القول السابق حيث قالوا بالتسلسل في الابتداء والانتهاء، وأن الخلق قديم كما أنه لا نهاية له، فطردوا المسالة من الوجهين، فقالوا: إذا كنا نقول بإمكان تسلسل الحوادث في المستقبل، وأن الجنة والنار باقية إلى أبد الآبدين، فكذلك في الماضي.
وقال آخرون -وزعموا أنهم أهل السنة - بأن التسلسل في المستقبل واجب وفي الماضي مستحيل، ومعنى ذلك أنه في الزمن الآتي لا تفنى الجنة، ولا تنفى النار ولا يفنى ما فهما، وأما في الماضي فالتسلسل مستحيل لأنه يلزم منه أن تكون الحوادث قديمة كقِدم الله، وهذا شرك.
_________________
(١) انظر القصيدة النونية (١/٨٢) .
[ ٣١٦ ]
وهنا قول رابع: وهو أن التسلسل في المستقبل ممكن في الذوات نفسها، وفي ذوات أخرى تستجد فيما بعد، وأما التسلسل في الماضي ففي الذوات مستحيل، ومعنى ذلك أن قولنا: إن هذه الذات لم تزل ولا تزال موجودة وهذا مستحيل؛ لأنه ليس هناك شيء من المخلوقات يوصف بالقِدم كقِدم الله.
لكن ليكن معلومًا أن الله لم يزل ولا يزال خلاقًا، وأن هناك مخلوقات غير السماء والأرض؛ لأن المصلي يقول: «ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد) (١)، فهناك مخلوقات قبل السموات وقبل العرش لا نعرف ما هي؛ لأن الله لم يزل ولا يزال فعالا، ولا يلزم من هذا أن قدم المفعول كقدم الفاعل؛ لأنه باتفاق العقلاء أن المفعول مسبوق بالفاعل؛ لأن المفعول نتيجة فعل الفاعل، وفعل الفاعل وصف له، ولابد أن يكون الموصوف سابقا على الصفة، ثم المفعول بعد الصفة.
يعني لما كان عندنا مفعول وفعل وفاعل، فالمفعول لا شك أنه متأخر عن فعل الفاعل، وفعل الفاعل متأخر عن الفاعل، وعلى ذلك فلا يلزم من قولنا بقدم الحوادث أن تكون قديمة كقدم الله، وأن تكون شريكة لله في الوجود.
وهذا هو الحق الذي ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢)، وقد شنع عليه خصومه تشنيعًا عظيمًا، وقالوا: هذا قول الفلاسفة، وهذا قول باطل، ولكنه ﵀ تخلص منهم بأنه لا يلزم من قدم المفعول أن
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع، رقم (٤٧٦) .
(٢) انظر مجموع الفتاوى (١٦/٤٤٤)
[ ٣١٧ ]
يكون مساويًا للفاعل، لأنه بضرورة العقل أن المفعول لابد أن يكون مسبوقًا بفعل، والفعل لابد أن يكون مسبوقًا بفاعل، وهذا هو الحق.
وقول المؤلف: (وضل من أثنى عليها بالقدم) إن أراد من أثنى عليها بالنوع فليس بصحيح، وإن أراد من أثنى عليها بالعين فهذا صحيح؛ لأن ما من شيء من المخلوقات يكون قديما ليس له أول أبدا.
وخلاصة القول في ذلك أنه ليس في الوجود إلا خالق ومخلوقا، وأن الخالق جل وعلا لم يزل ولا يزال موجودًا، وأما المخلوق فالأزل في حقه ممتنع، فليس هناك شيء من المخلوقات يكون أزليًا أبدًا، بل ما من مخلوق إلا وهو حادث بعد أن لم يكن؛ فالسموات والأرض والجبال والشجر والدواب والعرش والكرسي والقلم وغير ذلك كله مخلوق من العدم، ولم يقل أحد بقدمه إلا الفلاسفة.
فالفلاسفة هم الذين قالوا بقدم العالم، وأن العالم لم يزل ولا يزول، ولهذا يقولون: إن المادة لا تفنى كما أنها ليست حادثة، وهذا لا شك أنه شرك مخرج عن الملة، ومن ادعى أن مع الله شريكًا في الوجود فهو مشرك.
وهذه المخلوقات منها شيء أبدي خلقه الله للبقاء، ومنها شيء أمدي يعني له مدة ثم ينتهي، فمن الأشياء الأبدية الروح، فإن الله خلق أرواح للأبد، ولا يقال: إن الحيوان يموت فتفقد روحه؛ لأن موت الحيوان ليس فقدًا لروحه، بل مفارقة الروح للبدن.
اللهم إلا روح من لم يخلق للأبد فهذه قد تفنى، وليس عندي في ذلك أثارة من علم، لكن هذا هو الظاهر، فأرواح الحيوان سوف تعاد في
[ ٣١٨ ]
أجسادها يوم القيامة، كما قال الله تعالى: (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) (التكوير: ٥) ولكن يأمرها الله ﷿ بعد أن يقضي بينها بعدله أن تكون ترابا فتكون ترابا، وظاهر هذا أنها تفنى الأرواح والأجساد، لأن بقاء الأرواح بعد هذا الفصل والحكم لا فائدة منه فيما يظهر لنا.
إذا فالذي خلق للبقاء من الأرواح هو أرواح المكلفين؛ يعني بني آدم والجن، وكذلك الحور والولدان الذين في الجنة، فهؤلاء خلقوا للبقاء فلا يموتون.
إذا فمن جهة الأزلية ليس هناك مخلوق يكون أزليا أبدا، ومن جهة الأبدية ففيه تفصيل منه ما خلق على أنه أبدي، ومنه ما خلق على انه أمدي؛ يفنى ويزول.
[ ٣١٩ ]
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٦٠- وربنا يخلق باختيار من غير حاجة ولا اضطرار
٦١- لكنه لم يخلق الخلق سدى كما أتى في النص فاتبع الهدى
_________________
(١) الشرح يشير المؤلف ﵀ بقوله: (وربنا يخلق باختيار) إلى أن أفعال الله ﷾ اختيارية، كما قال الله تعالى: (وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) (إبراهيم: الآية ٢٧)، وقال: (وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ) (الشورى: الآية ٢٩) يعني إذا شاء جمعهم فهو قدير عليه لا يعجز عنه، وليست المشيئة هنا تابعة للقدرة، بمعنى أنه قدير إذا شاء، بل هو يجمع إذا شاء الجمع، فإنه لا يستعصي عليه بل هو قادر عليه. والله تعالى يفعل باختيار تام وإرادة تامة، قال الله تعالى (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) (القصص: الآية ٦٨)، وليس يفعل لذاته بدون اختيار كما زعمه بعض أهل البدع، ولا هو مجبر على الفعل، بل فعله تابع لمشيته؛ إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، ولو قلنا: إن فعله ذاتي لزم أن يفعل الشيء كرها عليه، وهذا شيء مستحيل، بل هو يفعل ما يشاء من إيجاد أو إعدام، ومن إيجاد على سبيل البقاء، أو إيجاد على سبيل الزوال، فهو ﷾ يفعل ما يشاء باختياره. وقوله: (من غير حاجة ولا اضطرار) يعني أنه لا يحتاج للفعل ولا يضطر إليه، والفرق بين الحاجة والضرورة أن الضرورة ما يحصل الضرر بفقدها
[ ٣٢٠ ]
ولا يمكن أن يستغني عنها، والحاجة ما يفقد الكمال بفقدها لكن يمكن أن يستغني عنها، إذًا فالحاجة كمالية والضرورة ضرورية.
فمثلًا الكتب التي نقرؤها في المقررات ضرورية وليست كمالية؛ لأنه لولا وجود الكتب لصار علينا ضرر، والكتب التي للمراجعة وزيادة العلم حاجية؛ لأنه يفوت بفقدها الكمال، ولا يحصل بفقدها الضرر، وعلى هذا فالله ﷿ ليس محتاجًا إلى الخلق بمعنى أنه لو لم يوجد هذا الخلق لفات كماله، وليس هناك ضرورة إلى وجودهم من باب أولى.
فأفعال الله التي يفعلها لا يفعلها لحاجته إليها ولا لضرورته إليها، ونحن نفعل الأفعال لحاجتنا إليها، فنتكسب لنزداد من المال وهذه حاجة، ونتكسب لننقذ أنفسنا من الهلاك وهذه ضرورة.
لكن الله ﷿ يفعل بلا حاجة ولا اضطرار، لأن الله ﷿ يقول (وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر: الآية ١٥)، فهو غني عن كل أحد، حميد على كل فعل وعلى كل صفة، فلا يفعل حاجة ولا يفعل لضرورة.
فإن قال قائل: هل تنفون حكمة الله في أفعاله؟
فالجواب: لا: لكن الحكمة لا تعود لنفسه بل تعود لغيره، ولهذا قال المؤلف نافيا لهذه الشبهة:
لكنه لم يخلق الخلق سدى كما أتى في النص فاتبع الهدى
يعني لما قال بالأول: أنه يفعل بلا حاجة ولا اضطرار، كأن قائلًا يقول: إذًا خلق الخلق عبث؛ لأنه مادام ليس هناك حاجة ولا اضطرار فإنه يكون عبثًا فنفى المؤلف ﵀ هذا الوهم، فقال: (لم يخلق الخلق سدى)
[ ٣٢١ ]
ودليل أنه لم يخلق الخلق سدى أثري ونظري:
أما الأثري: فقوله تعالى (أَيَحْسَبُ الإنسان أَنْ يُتْرَكَ سُدىً) (القيامة: ٣٦)، وقوله: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) (المؤمنون: ١١٥)، وقوله (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ) (الأنبياء: ١٦)، وقوله (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا) (صّ: الآية ٢٧)، وقوله (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقّ) (الحجر: الآية ٨٥) .
والآيات في أنه سبحانه لم يخلق الخلق إلا لحكمة كثيرة، لكن هذه الحكمة ليس لأنه محتاج لها هو أو مضطر إليها بل يحتاج إليها الخلق، فالله ﷾ يفعل الفعل لحاجة الخلق إليه، لا لحاجته هو إلى الفعل، فهو كامل على كل حال، لكن الخلق هم الذين يحتاجون إلى ما يكون به كمالهم ودفع ضرورتهم، ولذلك لا ينتفع بأفعال الله إلا الخلق، فهم يستدلون بها على آياته، وعلى فضله، وعلى عدله، وعلى عقابه وانتقامه، وغير ذلك.
فالحاجة إذًا للخلق وليست للخالق، أما الخالق ﷿ فإنه يفعل بلا حاجة ولا اضطرار.
أما الدليل النظري: - على أن الله يخلق لغير حاجة ولا اضطرار - أن العقل يدل على كمال الخالق، والكامل لا يحتاج إلى مكمل.
وقوله: (كما أتى في النص فاتبع الهدى) النص: هو الكتاب والسنة، (فاتبع الهدى) يعني ولا تتبع الهوى، كما قال الله تعالى: (وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (صّ: الآية ٢٦)
[ ٣٢٢ ]
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٦٢- أفعالنا مخلوقة لله لكنها كسب لنا يا لاهي
٦٣- وكل ما يفعله العباد من طاعة أو ضدها مراد
٦٤- لربنا من غير ما اضطرار منه لنا فافهم ولا تمار
_________________
(١) الشرح قوله: (أفعالنا مخلوقة لله)، أفعالنا: يعني ما نفعله من طاعة أو معصية، سواء كانت باليد أو الرجل أو العين أو الأنف أو الإذن كلها مخلوقة لله، وذلك من وجوه: الوجه الأول: أن أفعالنا من صفاتنا، ونحن مخلوقون لله، وخالق الأصل خالق للصفة، فإذا كان الإنسان مخلوقًا لله فإن صفاته أيضًا مخلوقة، فأفعالنا صفات لنا، وخالق الذات خالق للصفة، ولهذا صح أن نقول: إن أفعالنا مخلوقة لله، وهذا وجه. الوجه الثاني: أن فعل الإنسان ناتج عن أمرين عن إرادة، وقدرة: أما القدرة: فالله تعالى هو الذي خلقها، ولا إشكال في ذلك، ولو شاء الله ﷿ لسلب الإنسان القدرة وصار عاجزًا عن الفعل. والإرادة: كذلك، فإن الله هو الذي خلقها، لأنه هو الذي يودع في القلب هذه الإرادة، وما أكثر ما يرد الإنسان شيئًا وفي آخر لحظة يتجه إلى غيره. فأحيانًا تمشي على أنك ذاهب إلى صديق لك لتزوره، وفي أثناء الطريق
[ ٣٢٣ ]
ترجع وتترك الزيارة، وتقول: أذهب له غدًا، أو بعد غد، وقد سئل أعرابي بم عرفت ربك؟ قال: بنقض العزائم وصرف الهمم، وهذا الجواب من الأعرابي على فطرته، ونقض العزائم: يعني أن الإنسان يعزم على الشيء عزمًا أكيدًا، لا يداخله أدنى إشكال، ثم يتراجع بدون أي سبب، وكذلك صرف الهمم، فقد يهم الإنسان بالشيء ويبدأ بالفعل والمباشرة له ثم ينصرف.
ولهذا قال الأعرابي أنه بذلك عرف الله؛ لأن نقض العزائم وصرف الهمم ليس له سبب معلوم يضاف إليه، إذًا فلابد أن يكون السبب إلهيًا.
إذًا فأفعالنا مخلوقة لله ودليل ذلك أمران:
الأمر الأول: أن أفعالنا صفات لنا وخالق الذات خالق للصفات.
ثانيًا: أن أفعالنا ناتجة عن إرادة جازمة وعن قدرة، والذي خلق الإرادة وخلق القدرة فينا هو الله ﷿، وخالق السبب التام وهو الإرادة والقدرة، خالق للمسبب، وهو الفعل الناتج عن الإرادة والقدرة.
الوجه الثالث: أن الله خالق كل شيء، كما قال تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء) (الرعد: الآية ١٦)، وهذا العموم يشمل أفعال العباد؛ لأن أفعال العباد من الشيء.
ثم قال ﵀ (لكنها كسب لنا يا لاهي) هذا الاستدراك معناه: أن أفعال العباد مخلوقة لله، لكنها ليست كسبًا له، بل هي كسب للعباد. وكسب لنا: أي أن ثوابها وعقابها لنا، كما قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا) (فصلت: الآية ٤٦) .
فالأفعال مخلوقة لله، لكنها بالنسبة للثواب والعقاب كسب لنا، قال
[ ٣٢٤ ]
تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) (البقرة: الآية ٢٨٦) وإذا كانت كسبًا لنا فإنها تضاف إلينا حقيقة مباشرة، وتضاف إلى الله خلقًا وتقديرًا، فهي مضافة لنا مباشرة وكسبًا، وهي مضافة لله خلقًا وتقديرًا، فلما انفكت الجهة أمكن الاجتماع، وإلا فقد يقول قائل: أليس من التناقض أن نضيف أفعال العباد إلى الله وإلى أنفسهم؟ فإننا إن أضفناها إلى الله لزم ألا نضيفها إلى العباد وإن أضفناها إلى المخلوقين لزم ألا نضيفها إلى الله.
وقد ذهب إلى هذين الاحتمالين طائفتان:
فالجبرية قالوا: نضيفها إلى الله، وإذا أضفناها إلى الله لا يمكن أن نضيفها إلى العباد.
والقدرية قالوا: نضيفها إلى العباد وإذا أضفناها إلى العباد لا يمكن أن نضيفها إلى الله، ولهذا جعلوا فعل العبد منفصلًا عن الله ﷿، لا يشاؤه ولا يخلقه، والجبرية بالعكس جعلوا فعل العبد منفصلًا عن العبد فهو مجبور عليه.
ووجه الشبهة عندهم أنهم يقولون: لا يمكن أن نضيف فعلًا واحدًا إلى فاعلين، فلا يمكن أن نضيف الفعل إلى الله وإلى الإنسان، لأنه فعل واحد لا يصدر من فاعلين.
والجواب عن تلك الشبهة أن نقول: إن إضافة الفعل هنا مختلفة؛ ففعلنا مضاف إلى الله تقديرا وخلقا، ومضاف إلينا فعلا وكسبا.
فنحن الذين باشرنا الفعل فإذا صلينا فليس الله هو المصلي، وإذا صُمنا فليس الله هو الصائم، وإذا تصدقنا فليس الله هو المتصدق، بل الصائم
[ ٣٢٥ ]
والمصلي والمتصدق نحن، فنحن المباشرون، ونحن الذين لنا ثمرة هذا العمل من ثواب أو عقاب، أما الله فإنه ﷿ مقدر وخالق فقط، فلما انفكت الجهة صحت النسبة إلى الله والى الإنسان.
فإذا قال قائل: ما الدليل على أن أفعالنا مخلوقة لله؟ قلنا: الأدلة في هذا كثيرة، قال الله تعالى (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) (البقرة: الآية ٢٥٣) فقوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ) يدل على أن اقتتالهم بمشيئة الله، ثم قال تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) إذًا ففعلهم منسوب إلى الله خلقا كما أنه منسوب إلى الله تعالى إرادة وتقديرا.
وقال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) (الأنعام: الآية ١١٢) فأضاف فعلهم إلى الله، وأنه واقع بمشيئته، وأما إضافته إلى العبد فهو كثير جدا، كما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة: ٢٧٧) فقوله: آمنوا وعملوا الصالحات، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، أضاف الفعل في ذلك كله إليهم.
وقوله تعالى: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) (البقرة: الآية ٢٨٦)، وقال تعالى: (وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَت) (النحل: الآية ١١١) فأضاف الله تعالى الأفعال والكسب إلى الفاعل المكتسب، وجعل ذلك بمشيئته وتقديره في قوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ) وفي قوله: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) وغير ذلك من الآيات.
[ ٣٢٦ ]
فصح الآن أن أفعالنا منسوبة إلى الله خلقًا وتقديرًا، والينا فعلًا وكسبًا، ولهذا قال: (لكنها كسب لنا يا لاهي)؛ يا لاهي، أي يا غافل، كأنه يشير ﵀ إلى أنه يجب التفطن هنا والتنبه لئلا نقع في فخ المعتزلة أو فخ الجبرية؛ لأن المسالة خطيرة.
ولما قيل لجبرية: إذا كان الله تعالى يجبر العبد والفعل فعل الله، فكيف يثاب العبد ويعاقب؟ فقالوا: إن الله يفعل ما يشاء؛ قد يثيب من لا يستحق الثواب، ويعاقب من لا يستحق العقاب، فقيل لهم: لو عاقب من لا يستحق العقاب لكان هذا ظلمًا قالوا: ليس هذا بظلم، إنما الظلم: تصرف الغير في غير ملكه، وإذا تصرف إله في ملكه فليس بظلم؛ لو عاقب إنسانًا يصلي ليلًا ونهارًا، ويقوم الليل، ويصوم النهار، ويتصدق بالمال، فعاقبه حتى خلده في نار جهنم، قالوا: إن هذا ليس بظلم؛ لأن الظلم أن يتصرف المتصرف في غير ملكه، والكل ملك الله، فلا يسال عما يفعل وهم يسألون.
والحقيقة أن هذا ظلم بنص القرآن الكريم، قال الله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا) (طه: ١١٢)، وقال الله ﷿: (قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ) (قّ: ٢٨) (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) (قّ: ٢٩) إذ كيف يجوز أن يأمر الله شخصًا أن يفعل ثم بعدما يفعل يعاقبه؟ وهذا لو جرى من مخلوق مع مخلوق لعد ذلك ظلمًا، فكيف إذا كان مع الخالق ﷿ الذي هو ارحم الراحمين واعدل الحاكمين؟ إذا هذا ظلم.
والمعتزلة أقرب من الجبرية من وجه من جهة المعقول، حيث قالوا: إن
[ ٣٢٧ ]
الإنسان يفعل ما يشاء؛ يروح ويغدو، ويجلس ويقوم، ولا يشعر أن أحدًا يجبره، والجزاء على عمله مطابق تمامًا، وهم من هذه الناحية أقرب من الجبرية لكن الجبرية من ناحية تقدير الله أقرب من هؤلاء.
أما أهل السنة والحمد لله فقد اخذوا بهذا وهذا، وقالوا: هي تضاف إلى الله خلقًا وتقديرًا، وإلينا مباشرة وكسبًا.
ثم قال المؤلف ﵀: (وكل ما يفعله العباد) في بعض النسخ جاءت (كل) متصلة بـ (ما)، هكذا: (كلما)، وهذا غلط، لأن (كلما) أداة شرط تفيد التكرار، وأما (كل ما) فـ (كل) مضافة إلى اسم موصول، فالصواب ألا تكتب متصلة، وان تكتب (كل) وحدها و(ما) وحدها، والتقدير: وكل الذي يفعله العباد.
يقول المؤلف ﵀:
وكل ما يفعله العباد من طاعة أو ضدها مراد
لربنا من غير ما اضطرا منه لنا فافهم ولا تمار
ومعنى ذلك أن كل: ما يفعله العباد من الطاعة وضدها فهو مراد لله، أي واقع بإرادته الكونية، ثم إن كان طاعة فهو واقع بإرادته الكونية والشرعية، وإن كان غير طاعة فهو واقع بالإرادة الكونية دون الشرعية، فكل ما يفعله العباد فهو مراد لله، ودليل ذلك السمع والعقل.
أما السمع: فمنه قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) (البقرة: الآية ٢٥٣)، فدل هذا على أن قتالهم كان
[ ٣٢٨ ]
بمشيئة الله، وبإرادته أيضًا.
وأما العقل: فإننا نقول: إن فعل العبد فعل لمخلوق وهو مخلوق، فإذا كان مخلوقًا فهل خلق بإرادة الله أم خلق بغير إرادة منه؟ الجواب: بإرادة من الله، فما دام مخلوقًا فإن الله لا يجبر أحد على شيء، فلا يكون هذا الفعل إلا بإرادة الله ﷿، وهذا دليل عقلي.
وقد اختلف الناس في هذه المسالة:
فالجبرية قالوا: بإرادة الله المجبرة؛ التي تجبر الإنسان على أن يفعل.
والقدرية قالوا: ليس بإرادة الله إطلاقًا، والإنسان مستقل بعمله.
وأهل السنة؛ قالوا: إنه بإرادة الله غر المجبرة؛ لأن الإنسان يفعل الفعل باختياره وليس مجبرًا عليه، ولا فرق في هذا بين الطاعة والمعصية، فالطاعة التي تقع من العبد بإرادة الله، والمعصية التي تقع من العبد بإرادة الله. لأن اقتتال الكفار والمؤمنين - الذي سبق أن بينا أنه بمقتضى الآية الكريمة واقع بإرادة الله - فيه شيء حلال بل واجب، وفيه شيء حرام؛ فقتال المؤمنين للكفار هذا واجب، وقتال الكفار للمؤمنين هذا حرام، ومع ذلك أخبر الله ﷿ بأن ذلك وقع بمشيئته، قال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا) (البقرة: الآية ٢٥٣) إذًا فالله مريد للمعصية كما أنه مريد للطاعة.
فإن قال قائل كيف يكون الله مريدًا للمعصية؟ أليست المعصية شرًا؟! فالجواب: بلى هو شر، لكن الله تعالى قد يريد هذا الشر لمصلحة عظيمة، وبكونه لمصلحة ينتفي عنه أن يكون شرًا محضًا، فالشر المحض ليس إلى الله،
[ ٣٢٩ ]
ولا يمكن أن يريده الله، لكن هذه المعصية هي بنفسها شر، لكن بما تودي إليه تكون خيرًا فليست شرًا محضًا؛ لأن المعصية فساد، والله لا يحب الفساد، ولا يريد الفساد المحض، فمن الخير في المعاصي:
أولًا: أن الله تعالى يقدرها يتبين بذلك فضل الطاعة؛ لأنه لولا تقدير المعصية لما عرف فضل الطاعة؛ فإذا حصلت المعصية وحصل من نتائجها ما يحصل من العقوبات العامة والخاصة والظاهرة والباطنة، عرف بذلك قدر الطاعة، وأن الطاعة خير.
ثانيًا: يعرف بها تمام قدرة الله وحكمته، حيث أراد الطاعة التي فيها الخير، وأراد المعصية؛ فإن هذا من الحكم التي يتبين بها قدرة الله ﷿ على الجمع بين النقيضين بين الطاعة والمعصية.
ثالثًا: قيام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إذ لولا المعصية لما كان هناك منكر يحتاج إلى النهي عنه، ولم يعرف المعروف حتى يؤمر به.
رابعًا: إقامة الجهاد، فإذا كانت المعصية كفرًا فإن المسلمين يجب عليهم مجاهدة الكفار حتى تكون كلمة الله هي العليا، إما بإسلامهم وإما بإخضاعهم لأحكام الإسلام وبذل الجزية.
خامسًا: أن المعصية يكون فيها أحيانًا خير للعاصي، وذلك أنه ينتبه إذا رأى آثارها، فيقلع عن المعصية، ويزداد عملًا صالحًا، ويكون عبد المعصية خيرًا منه قبلها.
إذًا فالمعاصي مرادة لله ﷿ من أجل ما يترتب عليها من المصالح،
[ ٣٣٠ ]
لا لذاتها، لأن ذاتها شر، لكن الله يريدها لأنه يترتب عليها خير كثير، كما لو أراد الأب الحنون أن يكوي ابنه من مرض ألم به، فالكي شر، لكن لما يترتب عليه من المصالح يكون مرادًا للأب، ولهذا لو أراد أحد أن يكوي ابنه بدون سبب لمنعه بقدر ما يستطيع.
وكان بعض المعتزلة يقول: إن الله يريد الطاعة لأنها خير، ولا يريد المعصية لأنها شر، والله تعالى لا يحب الشر ولا يحب الفساد، فقال معتزلي ذات يوم عند رجل من أهل السنة: (سبحان من تنزه عن الفحشاء) وهذا الكلام طيب لأن الله لا يفعل الفحشاء، وحاشاه، ولكن هذه الكلمة إذا سمعها العامي فإنه يظن أن قائلها قد قدس ربه ونزهه عما لا يليق، ولكن هذه الكلمة ظاهرها رحمة وباطنها عذاب، فالله ﷿ تنزه عن الأمر بالفحشاء: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) (الأعراف: الآية ٢٨) ولم يقل: قل إن الله لا يقدر الفحشاء، وفرق بين الأمر بالفحشاء وبين تقدير الفحشاء. المهم أنه لما قال: «سبحان من تنزه عن الفحشاء»، قال له السني: «سبحان من لا يكون في ملكه إلا ما يشاء» .
ولا يخفى أن الكلمة الثانية هي الأصح؛ لأن العاصي مملوك لله، ومعصيته داخلة في ملك الله، فلا يمكن أن تكون معصية في ملكه ولم يشأها الله، فإن قلنا: بذلك فقد حكمنا بأنه يكون في ملك الله ما لا يشاء.
فقال له المعتزلي: «أرأيت إن منعني الهدى، وقضى علي بالردى، أحسن إلى أم أساء؟» وقوله: إن منعني الهدى؛ يعني جعلني كافرًا، وهو بقوله هذا يريد أن يلزم السني، حيث إنه كان يرى أنه لو قال: إن الكفر
[ ٣٣١ ]
بإرادة الله فقد أساء إليه، والله ﷿ لا يسيء إلى أحد.
فقال له السني: «إن منعك ما أنت عليه فقد أساء، وإن منعك فضله فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» . وهذا جواب سديد، فالهداية فضل من الله؛ وإن منعك فإنه لم يمنع حقًا واجبًا عليه لك، فقطع المعتزلي وبهت وعجز عن الجواب، وهذا هو الحق، فكل ما في الكون من طاعة أو ضدها فهو مراد لله.
وقول المؤلف: (أو ضدها) يعني المعصية، فالمعصية مرادة لله، لكنها مرادة لله تعالى قدرًا لا شرعًا، وأما الطاعة فمرادة شرعا وقدرا إذا وقعت من العبد.
فمثلًا إذا قام رجل فتوضأ وصلى، فإن هذا الوضوء وهذه الصلاة مرادة لله شرعًا وقدرًا؛ أما كونها مرادة شرعًا فلأنها محبوبة إلى الله، وأما كونها مرادة قدرًا فلأنها وقعت.
ومثال آخر: إذا سرق رجل فهذه معصية، وهي مرادة لله لكنها مرادة قدرًا لا شرعًا.
ومن ثم نقول: إن إرادة الله ﷾ تنقسم إلى قسمين:
الأول: إرادة شرعية: وهي التي تكون بمعنى المحبة، فكل شيء محبوب إلى الله فهو مراد له شرعًا، والإرادة الشرعية قد يقع فيها المراد وقد لا يقع، فالله ﷾ يريد الصلاة شرعًا، لكن قد يصلي الإنسان وقد لا يصلي، مع أن الله قد أراد الصلاة شرعًا.
الثاني: إرادة كونية: وهي التي تكون بمعنى المشيئة، فكل شيء واقع فهو
[ ٣٣٢ ]
مراد له كونا، لأنه لم يقع إلا بمشيئته، والإرادة الكونية يلزم فيها وقوع المراد، فإذا أراد الله تعالى شيئًا كونًا وجب، قال تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يّس: ٨٢) كما أن الإرادة الكونية لا تختص بما يحبه الله، بل تكون فيما يحبه الله وفي غير ما يحبه، حتى زنا الزاني فإن الله تعالى أراده كونًا، فكل شيء واقع فإننا نعلم أنه قد تعلقت به الإرادة الكونية.
إذًا فالفرق بينهما أن الإرادة الشرعية بمعنى المحبة، يعني تختص بما يحبه الله ولا يلزم فيها وقوع المراد؛ والإرادة الكونية على العكس؛ يلزم فيها وقوع المراد، ولا تختص بما يحبه الله، بل تكون فيما يحبه وفيما يكرهه.
ولنضرب لهذا أمثلة:
" أولًا: إيمان أبي بكر ﵁ من الإرادة الشرعية والكونية، وذلك لأنه تم بإرادة الله ﷾، فكونه وقع وتم فقد أراده الله إرادة كونية، وكونه محبوبًا إلى الله فقد أراده إرادة شرعية.
وأما كفر أبي لهب فهو مراد بالإرادة الكونية لأنه واقع، ووقوعه يدل على أنه مراد كونًا، وهو ليس مراد شرعًا؛ لأنه غير محبوب لله، فكل شيء يقع في الكون وهو غير محبوب إلى الله فهو مراد كونًا لا شرعًا.
وعلى ذلك فإيمان أبي لهب مراد شرعًا وغير مراد كونًا؛ لأن الله ﷾ أراد من أبي لهب أن يؤمن، وتلك إرادة شرعية، لكنه لم يرد ذلك كونًا؛ لأنه لو أراد كونًا أن يؤمن لآمن.
أما كفر أبي سفيان ففيه تفصيل؛ فكفر أبي سفيان حال كفره مراد كونًا لا شرعًا، وكفره بعد إسلامه غير مراد لا شرعًا ولا كونًا.
[ ٣٣٣ ]
ثانيًا: قوله تعالى: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) (الأنعام: الآية ١٢٥) فهاتان الإرادتان كونيتان، لأن من يشأ الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام؛ وليس المعنى: من يحب الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام؛ لأن الله يحب أن يهدي كل أحد، ويلزم من هذا أن يشرح صدر كل أحد، إذًا الإرادة في الآية كونية في الجملة الأولى والثانية.
ثالثًا: قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (النساء: الآية ٢٦) هذه إرادة شرعية كونية لأن الله يحبها ووقعت؛ شرعية لأن الله يحب البيان، وكونية لأنها وقعت، والبيان كوني شرعي، وهداية سنن الذين من قبلنا شرعية لأن من الناس من لم يهتد.
رابعًا: قوله تعالى: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) (النساء: الآية ٢٧) هذه إرادة شرعية، لأن الله يحب أن يتوب على الجميع، لكن هذا شيء يرجع إلى مشيئته، فهي شرعية لأنها لو كانت كونية لتاب الله على كل الناس.
خامسًا: قول هود: (إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ) (هود: الآية ٣٤) هذه إرادة كونية، لأن الله ﷾ لا يحب الإغواء.
إذًا الإرادة الكونية شاملة لما يحبه الله وما لا يحبه، ثم لابد فيها من وقوع المراد، أما الإرادة الشرعية فهي بخلاف ذلك، فهي تختص بما يحبه الله، ولا يلزم منها وقوع المراد.
ثم قال المؤلف ﵀: (من طاعة أو ضدها مراد)، وهنا يرد إشكال حيث قد يقول قائل: إذا قلتم إن الله يريد المعاصي بالإرادة الكونية ولكنه
[ ٣٣٤ ]
يكرهها بالإرادة الشرعية. فكيف يكون في ملكه ما يكرهه؟ وهل الله مجبر؟
فالجواب: إن الله ليس بمجبر ولا شك، وكذلك لا يكون في ملكه ما يكرهه كراهة مطلقة، لكن يكون في ملكه ما يكرهه كراهة إضافية؛ فيكرهه من وجه ويحبه من وجه آخر، فالمعاصي مكروهة لله لا شك، كما قال الله تعالى: (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا) (الإسراء: ٣٨) لكنه قد يريدها كونًا مع كراهته لها شرعًا لحكمة بالغة، فإن وجود المعاصي في بني آدم له حكمة عظيمة، منها ما ذكرناه سابقا (١)؛ فإن المعاصي يتبين بها فضل الطاعات، وهناك فوائد ذكرناها أيضًا، مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد، والصبر، وغير ذلك.
فصار الجواب على هذا أن نقول: إن الله تعالى يريد المعاصي مع كراهته لها لحكمة بالغة، كما أن الإنسان يأخذ بإبنه الذي هو من أحب الناس إليه ويكويه بالنار وهو يكره أن يكويه لأنها تؤلمه، لكن يفعل ذلك لما يترتب عليه من المصالح.
قال المؤلف: (مراد لربنا)، وأتى بقوله (لربنا) لأن من مقتضى ربوبيته أن يكون كل شيء مرادًا له.
وقوله: (من غير ما اضطرار منه لنا) «ما» زائدة لتوكيد النفي، يعني: من غير أن يضطرنا نحن إلى ما نفعله. ويريد بذلك الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، فالمؤلف ﵀ يقول: إنه يريد
_________________
(١) ص ٣٣٠
[ ٣٣٥ ]
منا ذلك لكن لم يضطرنا إلى هذا، فنحن نفعل الطاعات باختيارنا، ولا نشعر بأن أحدًا يجبرنا عليها، ونفعل المعاصي كذلك باختيارنا، ولا نشعر أن أحدًا يجبرنا عليها.
والدليل على أن فعل الإنسان صادر عن إرادة منه - سمعي وواقعي:
أما الدليل السمعي: فالآيات في ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَة) (آل عمران: الآية ١٥٢) وقوله تعالى: (وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ) (البقرة: الآية ٢٧٢) وقول الرسول ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات) (١) والأدلة أكثر من أن تحصر بأن فعل العبد صادر باختياره، لكن هذا الاختيار تابع لمشيئة الله، لقوله تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) (الإنسان: الآية ٣٠) .
أما الدليل الواقعي: فإن كل إنسان يفعل الأفعال وهو لا يشعر أن أحدًا يجبره عليها، فيحضر إلى الدرس باختياره، ويغيب عن الدرس باختياره، ولهذا إذا وقع الفعل من غير اختيار لم ينسب إلى العبد، بل يرفع عنه إثمه، كما قال النبي ﷺ: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق) (٢) .
ولم ينسب الله ﷿ تقلب أصحاب الكهف إلى أنفسهم بل نسبه إليه، فقال: (وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ) (الكهف: الآية ١٨) ولم يقل يتقلبون، لأنه ليس منهم إرادة، فالنائم لا إرادة له، ولهذا لا يقع طلاقه لو طلق؛ فلو فرضنا أن أحدًا كلم زوجته في النوم، وقال: يا فلانة، أنت طالق
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب بدء الوحي، رقم (١)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ إنما الأعمال ، رقم (١٩٠٧)
(٢) رواه الترمذي، كتاب الحدود، باب ما جاء فيمن يجب عليه الحد، رقم (١٤٢٣) .
[ ٣٣٦ ]
ثلاثًا بتاتًا، ثم أصبح فإن طلاقه لا يقع؛ لأن النائم لا ينسب فعله إليه، لأنه وقع بغير إرادة.
وهذه قاعدة مطردة؛ فلو طلق السكران - وهو لا يعي ما يقول - فإن طلاقه لا يقع، ولو طلق الغضبان غضبًا شديدًا لا يملك نفسه فإن طلاقه لا يقع؛ لأنه بغير إرادة. فإذا كان الشيء بغير إرادة فلا حكم له شرعًا، فتبين بهذا أن وقوع الشيء بإرادة منا ثابت بالقرآن والواقع.
ثم قال المؤلف ﵀: (فافهم ولا تماري)، لا تمار: أي لا تجادل؛ لأن المراء بغير حق، من أجل أن ينتصر الإنسان، هذا مراء محرم؛ لأنه يجادل بالباطل ليدحض به الحق، أما الذي يماري لثبات الحق فإن ذلك من الجدال المأمور به.
[ ٣٣٧ ]
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٦٥- وجاز للمولى يعذب الورى من غير ما ذنب ولا جرم جرى
٦٦- فكل ما منه تعالى يجمل لأنه عن فعله لا يسأل
٦٧- فإن يثب فإنه من فضله وإن يعذب فبمحض عدله
٦٨- فلم يجب عليه فعل الأصلح ولا الصلاح ويح من لم يفلح
_________________
(١) الشرح قوله: (وجاز للمولى يعذب الورى) هذه الجملة فيها إشكال من جهة اللغة العربية، وهي أن (يعذب) قائمة مقام الفاعل، أي جاز للمولى تعذيب، معان الحرف المصدري محذوف منها، فهل يعتبر هذا شاذًا؟ الجواب: لا، فالشذوذ أن يحذف الحرف المصدري وينصب الفعل بعده، فيقال: وجاز للمولى يعذب، فهذا هو الشاذ، ومنه قولهم «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه) فقالوا: تسمع، والتقدير أن تسمع، فالشذوذ هنا كون «أن» تنصب وهي محذوفة، أما أن يرفع الفعل - ولكنه يحل محل المصدر - فهذا لا باس به، وهو جائز وسائغ في اللغة العربية وكثير، ومنه قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا) (الروم: الآية ٢٤) أي أراءتكم، فهنا يؤول الفعل بالمصدر وإن لم يوجد به الحرف المصدري، ولا بأس بذلك ما دام حرف المصدر لم يعمل مع الحذف. وسبك المصدر بدون حرف المصدر كثير، ومنه قوله تعالى أيضًا: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (البقرة: ٦) أي سواء عليك
[ ٣٣٨ ]
إنذارهم أم عدمه.
فكلام المؤلف (وجاء للمولى يعذبُ الورى» هذا غير شاذ، أما لو قيل (وجاء للمولى يعذبَ الورى) فهذا شاذ؛ لأننا إذا قلنا «يعذبَ» أعملنا حرف المصدر مع حذفه، وإذا قلنا «يعذبُ» لم نعمله بل ولا نقدره أيضًا.
قوله: (وجاز للمولى) وهو الله ﷿، فالله ﷾ مولى كل أحد بالمعنى العام، ومولى المؤمنين بالمعنى الخاص، قال الله تعالى: «ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ) (محمد: ١١) فهذه هي الولاية الخاصة، وقال الله ﷿: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ) (الأنعام: الآية ٦١) (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ) (الأنعام: الآية ٦٢) قال: مولاهم الحق - وهم كفار، وهذه هي الولاية العامة، وهنا في قول المؤلف (وجاز للمولى) فالولاية هنا من الولاية العامة التي يكون الله فيها مولى لكل أحد.
وقوله ﵀: (وجاز للمولى يعذبَ الورى) الورى: أي الخلق، وقوله (من غير ما ذنب) أي من غير ذنب، فـ (ما) هنا زائدة، (ولا جرم جرى) يعني ولا إجرام، أي أن الله يجوز أن يعذب الناس دون ذنب؛ بترك واجب، أو إجرام بفعل محرم.
فإذا قدرنا أن هناك رجلًا مؤمنًا، تقيًا، يقوم الليل والنهار في طاعة الله ومات على ذلك فإن الله يجوز أن يعذبه ويخلده في النار ولكن كيف ذلك؟
قال المؤلف ﵀:
فكل ما منه تعالى يجمل لأنه عن فعله لا يسأل
[ ٣٣٩ ]
فعلل ذلك بتعليلين:
التعليل الأول: أن كل شيء من الله فهو جميل.
التعليل الثاني: أن الله لا يسأل عن فعله، كما قال الله تعالى: (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) (الأنبياء: ٢٣» .
ولكن هذا القول والتعليل لهذا القول كلهما باطل ولا نقول: ضعيف بل نقول: إنه باطل؛ لأنه مخالف للنص الصريح في كتاب الله، قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (هود: ١١٧) وقال تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا) (طه: ١١٢) وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا) (يونس: الآية ٤٤) وقال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) «فصلت: ٤٦» والآيات في هذا المعنى كثيرة.
فإذا قلنا: إن من آمن واتقى ومات على ذلك جاز أن يعذبه الله صار هذا القول مخالفًا لنص القرآن.
ثم، هذا الفعل غير جميل، والله ﷾ لا يفعل إلا الجميل، وفي الحديث القدسي الصحيح أن الله تعالى قال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي) (١) ثم إن تعذيب المطيع القائم بأمر الله ليلًا ونهارًا حتى مات، لا أحد يشك في أنه ظلم وأنه غير جميل. إذا سقط التعليل الأول في قوله: (فكل ما منه تعالى يجمل)، فإن عقوبة المطيع ليست جميلة، فلا يصدق عليها
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، رقم (٢٥٧٧) .
[ ٣٤٠ ]
هذا التعليل.
أما التعليل الثاني في قوله: (لأنه عن فعله لا يسأل) فهذا صحيح، فالله تعالى لا يسأل عما يفعل، فلا يسأل لماذا هدي هذا الرجل حتى استقام ولماذا أضل الآخر حتى انحرف، فلا يسأل عن هذا؛ لأن الله له الحكمة فيما قدر، لكن بعد أن يوجد السبب المقتضي للثواب أو العقاب، فلو أن الله عاقبه لكان هناك سؤال عن سبب معاقبة الله لهذا الرجل، ولهذا أيضًا يسقط هذا التعليل، ويحمل - إذا أردنا أن نجعله صحيحًا - على أنه لا يسأل عن فعله في إيجاد الأسباب المقتضية للعذاب أو للثواب.
فإذا قال قائل: أليس الخلق كله ملكًا لله؟ وإذا كان ملكًا له أفلا يمكن أن يقال: إن له أن يفعل في ملكه ما شاء؟
فالجواب: بلى، ولكن نقول: هو نفسه ﷿ أخبر بأنه لا يمكن أن يظلم أحدًا، ولا يمكن أن يعذب طائعًا، فيكون هذا الشيء - أي تعذيب المطيع - ممتنعًا بمقتضى خبر الله ﷿، وبمقتضى أسمائه وصفاته، وأنه ﷿ احكم الحاكمين واعدل العادلين.
فحينئذٍ يكون ممتنعًا لأخبار الله بأنه لا يظلم أحدًا، وأن (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ) (فصلت: الآية ٤٦): (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) (الزلزلة: ٧) إلى غير ذلك من الآيات، فهو ممتنع لهذا الوعيد، وإلا فمن المعلوم أن الله يفعل في خلقه ما يشاء، لكن هو نفسه ﷾ حرم على نفسه الظلم وأوجب على نفسه أن يثيب المطيع، قال الله ﷿: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَإنَّهُ غَفُورٌ
[ ٣٤١ ]
رَحِيمٌ) (الأنعام: الآية ٥٤) .
وبناء على ذلك صار قول المؤلف ﵀:
وجاز للمولى يعذب الورى من غير ما ذنب ولا جرم جرى
قولًا باطلًا مخالفًا للكتاب والسنة، ومخالفًا لما تقتضيه أسماء الله وصفاته، وأما التعليلان المذكوران فهما أيضًا غير صحيحين بالنسبة لهذه المسالة؛ لأنه إذا قال: كل فعل من أفعال الله فهو جميل، قلنا: لا جميل في تعذيب المطيع، وإذا قال: لأنه عن فعله لا يسأل، قلنا: هذا في منع السبب المقتضي للثواب أو العقاب، فإذا هدى شخصًا وأضل شخصًا فإنه لا يسأل، لكن إذا وجد الضلال أو الهدى فإنه لابد أن يترتب عليهما مقتضاهما من ثواب في الهدى، وعقاب في الضلال.
ثم قال المؤلف ﵀:
فإن يثب فإنه من فضله وإن يعذب فبمحض عدله
(إن يثب) يعني إن يثب المطيع فإنه من فضله، وهذا صحيح؛ فهو سبحانه إذا أثاب المطيع فإن ذلك فضله، ولكن هذا الفضل أوجبه الله على نفسه، وإذا كان الله أوجبه على نفسه فلا يمكن أن يتخلف هذا الموجب، ولهذا فإن قول المؤلف: (فإن يثب فإنه من فضله) حق وصدق، فإن الله إن يثب فهو من فضله، بل إن الله ﷿ يثيب على العمل أكثر من العمل، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، فعشر الأمثال ثابتة وما زاد فهو نافلة وهو فضل الله ﷿.
ونحن نسلم بهذا ولكننا نقول: هذا الفضل كان واجبًا على الله بإيجابه
[ ٣٤٢ ]
إياه هو على نفسه ﷾، فهو الذي أوجب على نفسه أن يثيب المطيع، وإذا كان لكرمه ﷿ أوجب على نفسه أن يثيب المطيع فإن هذا الإيجاب لن يتخلف، لأنه لو تخلف - وحاشاه من ذلك - لكان مخلفًا للميعاد، والله ﷿ لا يخلف الميعاد، قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ) (فصلت: الآية ٤٦)، وقال تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) (الزلزلة: ٧» فلابد أن يوجد هذا الذي وعد الله به.
ثم إن الله يثبت فإنه من فضله، سواء أثاب المطيع على عمله بالطاعة، أو عفا عن المجرم، فإن عفوه عن المجرم يعتبر إثابة؛ لأن ترك العقوبة إحسان، وإذا عفا عن المجرم فهو بفضله، والعفو عن المجرم محتمل إلا إذا كان الإجرام شركًا، ودليله قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: الآية ٤٨) .
وقوله: (وإن يعذب فبمحض عدله) وهذا صحيح؛ لأن الله إذا عذب فبعدله، لكن متى يكون العذاب عدلًا؟ نقول: إذا وجد سببه صار عدلًا، أما إذا لم يوجد فإنه يكون ظلمًا.
وظاهر كلام المؤلف: (أن يعذب) مطلقًا، لقوله: (وجاز للمولى يعذب الورى) ولكننا نقول: إن هذا الظاهر إن كان مرادًا للمؤلف فهو غير صحيح وإن أراد بقوله (إن يعذب) على الإساءة فهذا صحيح، فإنه إن يعذب على الإساءة فبمحض العدل، لأنه لا يعذب على الإساءة إلا بمثل السيئة، قال تعالى: (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (الأنعام: الآية ١٦٠) يعني لو جزي بأكثر لكان ظلمًا ولكنهم لا يظلمون.
[ ٣٤٣ ]
وانظر إلى تمام العدل وتمام الفضل أن السيئة بمثلها لا تزيد، والحسنة بعشر أمثالها، والعدل أن تكون الحسنة بمثلها، أو السيئة بعشر أمثالها، لكن ليتبين فضل الله صارت الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها، ومع ذلك فإن هذه السيئة قابلة للمغفرة، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: الآية ٤٨) أما ثواب الحسنة فهو غير قابل للإسقاط، فإن لم يزد لم ينقص، وهذا أيضًا يظهر به تمام فضل الله ﷿؛ حيث إن السيئة بسيئة قابلة للعفو، والحسنة بعشر أمثالها غير قابلة للنقص، بل هي باقية، وما زاد على العشر يمكن أن يكون إلى سبعمائة ضعف، بل إلى أضعاف كثيرة.
إذا قوله: (إن يعذب فبمحض عدله) قول صحيح إن أراد به من أساء، أما إن أراد به - حتى من أحسن - فليس بصحيح؛ لأنه لو عذب المحسن لكان هذا ظلمًا، والله ﷿ منزه عن الظلم.
وقول المؤلف: (إن يعذب فبمحض عدله) أراد بذلك الاحتجاج لقوله، وفي الحقيقة أنه حجة عليه؛ لأننا نقول: التعذيب يكون عدلًا إذا وجد سببه وإذا لم يوجد سببه فليس بعدل
وقد يرد إشكال بناء على ذلك في فهم الحديث: «إن الله لو عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم) (١)، فكيف نجيب على هذا الحديث؟
والجواب عنه يكون من أوجه:
أولًا: ينظر في صحة الحديث.
_________________
(١) رواه أبو داود، كتاب السنة، باب في القدر، رقم (٤٦٩٩)، وابن ماجه في المقدمة، باب في القدر، رقم (٧٧) .
[ ٣٤٤ ]
ثانيًا: فإذا صح كان المعنى أن الله لو عذب أهل سماواته وأرضه لكان تعذيبه إياهم في غير ظلم، أي لكان تعذيبه إياهم بسبب منهم وهو المعصية.
ثالثًا: لو عذبهم لعذبهم وهو غير ظالم لهم، وذلك بأن يقابل إحسانه بإحسانهم، فإنه إذا قابل إحسانه بإحسانهم صار إحسانهم ليس بشيء، ولهذا قال النبي ﷺ: «لن يدخل أحد الجنة بعمله) (١) أي من باب المقابلة، لأن الله لو حاسبنا على وجه المناقشة لكان فعلنا للخيرات دَينًا علينا، لأنه هو الذي منَّ علينا بذلك، وحينئذٍ لو عذبنا في هذه الحال أو من هذا الوجه لعذبنا وهو غير ظالم، هذا إذا صح الحديث، وعلى ذلك فلا يكون في هذا إشكال.
ثم قال المؤلف ﵀:
فلم يجب عليه فعل الأصلح ولا الصلاح ويح من لم يفلح
يعني بذلك أنه لا يجب على الله أن يفعل الأصلح، ولا يجيب عليه أن يفعل الصلاح.
وهنا خمسة أقسام: الأصلح، والصلاح، والأسوأ، والسيئ، وما لا صلاح فيه ولا سوء، فالأصلح أعلى من الصلاح، والأسوأ أدنى من السيئ، وما لا صلاح فيه ولا سوء فهو مستوي الطرفين.
ولله ﷿ أن يفعل ما شاء، كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) (الحج: الآية ١٨)، لكن ما كان من مقتضى حكمته وكماله فلابد أن يكون، وما خالف مقتضى الحكمة والكمال فإنه مستحيل، فمثلًا تعذيب المطيع هذا مستحيل؛ لأن مقتضى الحكمة أن يثاب المحسن على إحسانه، لأنه لو عذب
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب صفة القيامة، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله ، بدون رقم.
[ ٣٤٥ ]
المحسن لكان فيه إخلاف لوعده والله ﷿ لا يخلف الميعاد؛ لأنه ليس عاجزًا وليس كاذبًا ﷾، بل هو الصادق القادر فلا يخلف الميعاد.
إذًا هذا الذي عمل صالحًا يجازيه الله تعالى بالأصلح وجوبًا بمقتضى الحكمة والكمال؛ لأنه ﷿ وعد بأنه يثيب الطائع، فيجب عليه ليس بإيجابنا بل بإيجابه هو على نفسه.
فمثلًا لو قال قائل: هل الجدب الذي يصيب الناس صلاح؟ في الحقيقة أنه غير صلاح، والله تعالى يقول: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) (الروم: الآية ٤١) ومنه الجدب، وهو غير صلاح في حد ذاته، لكنه صلاح لغيره، بدليل (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: الآية ٤١) .
ولهذا اختلف العلماء ﵏؛ هل يجب على الله فعل الأصلح أو لا يجب؟ وهل يجب عليه فعل الصلاح أو لا يجب؟ ونحن نقول إنه يمتنع عليه ﷿ فعل الأسوأ وفعل السيئ لأن هذا نقص والله سبحانه منزه عن النقص، وكذلك فعل ما ليس فيه صلاح ولا سوء فهو أيضًا منزه عنه؛ لأن مثل هذا الفعل سفه ولعب، والله تعالى منزه عن ذلك، وبذلك يبقى عندنا الصلاح والأصلح. ولكن ما ميزان الصلاح والأصلح؟ إن كان عقولنا؛ فربما نتوهم أن الله تعالى فعل الأسوأ أو السيئ، وإن كان الميزان الواقع فإنه ﷿ لا يفعل إلا الصلاح أو الأصلح، بل مقتضى الكمال أنه إذا كان صلاح وأصلح فإنه يفعل الأصلح.
فإن قال قائل: إذا قلنا: إنه يجب عليه فعل الأصلح أو الصلاح، ورد علينا خلق إبليس، وأنه لو سلم الناس من إبليس لكانوا في خير وكان أصلح
[ ٣٤٦ ]
لهم، والله تعالى قد خلقه؟
فالجواب على هذا الإشكال أن نقول: إن خلق إبليس لا شك أنه شر، لكن وجود شر يصارع بخير هذا أصلح، لأن الناس لو كانوا على طريقة واحدة وليس هناك ما يضلهم لم يتبين الصادق من غير الصادق؛ لأنه ليس هناك سبيل إلى أن يكون الإنسان فاجرًا.
فلو لم يوجد إبليس ولا نفس أمارة بالسوء ما كان هناك طريق يمكن أن يسلكه الإنسان فيكون فاجرًا حتى يعرف حسن نيته من سوء نيته، فالحكمة إذًا أن يخلق إبليس، بل والأصلح أن يخلق إبليس؛ لأنه لا يمكن امتحان العبد ومعرفة كونه عبدًا خالصًا لله أو عابدًا لهواه إلا بوجود إبليس والشر والنفس الإمارة بالسوء، إذًا هذا ليس صلاحًا في نفسه ولا أصلح في نفسه ولكن لغيره.
وكذلك الجدب - وهو متعلق بالكون - فإنه ولا شك فساد للناس، وتعطل مصالح، وهلاك مواش، وربما هلاك أنفس أيضًا، والله ﷿ يقدر الجدب. فإذا قال قائل: كيف يستقيم هذا مع قولنا: إن الله لا يفعل إلا الأصلح أو الصلاح؟
ويجاب على ذلك بأن هذا سيئ من وجه وصالح من وجه، فالجدب مثلًا سيئ، لكن الله يقدره لأمر أعظم وأنفع للعباد من الخصب، فالله تعالى يقول: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) «الروم: ٤١» فهذا صلاح لغيره، والله بين الحكمة منه فقال (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) .
[ ٣٤٧ ]
ولو بقي الناس قد بسط لهم الرزق لكان الأمر كما قال الله ﷾: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) (الشورى: ٢٧) ومعلوم أن بقاء الناس على فسوقهم وعتوهم وضلالهم مفسدة عظيمة أعظم من مفسدة الجدب، فإذا جاءت مفسدة الجدب من أجل استقامة الناس على دين الله صار وجود الجدب صلاحًا عظيمًا.
ونضرب مثلًا لذلك بإنسان أراد أن يعطي شخصًا ألف درهم، لكن يعلم أنه لو أعطاه ألف درهم لذهب يشتري بها أشياء لا تنفع ويتمرد بها، لكن لو أعطاه كل يوم درهمًا أو منعه في بعض الأيام لكان ذلك صلاحًا أو أصلح له. لأنه في هذه الحال - التي لا يعطيه فيها إلا درهمًا وربما منعه في بعض الأحيان -، إصلاحه للمعطى أحسن من إصلاح الحال الأولى التي يعطيه فيها ألف درهم ويذهب ينفقها في أشياء ليس فيها نفع أو في أشياء فيها ضرر.
أرأيت لو كان عندك صبي مريض بمرض يشفى منه بالكي، فأنت تكويه رغم أن الكي إساءة، رجاء مصلحة أعظم؛ لأن الكي لا يقتله لكن المرض الذي أصابه ربما يقتله، ولا أظن أن أحدًا من الناس يقول: إنك أسأت التصرف؛ بل يقولون: أحسنت التصرف، أما لو كويته من أجل أنك رأيته يلعب في السوق، فإن هذا لا يجوز، لأنه لا يعذب بالنار، ثم إن النار هنا ليست هي السبب في صلاحه، فقد يكوى ولا ينتهي، ولهذا جاز الكي للاستشفاء من المرض، ولم يجز الكي من أجل تأديب الصبي ليصلي أو لئلا يلعب في السوق.
[ ٣٤٨ ]
وقوله: (فلم يجب عليه فعل الأصلح ولا الصلاح)، أي: إذا كان هناك فعل فيه صلاح، وفعل فيه أصلح، وفعل ليس فيه صلاح ولا أصلح، وفعل فيه سوء، وفعل فيه أسوا، فهذه خمسة أقسام، وفعل الله ﷿ - وحاشاه من ذلك ﷾ - الأسوأ، فإن ذلك في نظر المؤلف ﵀ جائز على الله.
ولكن كلام المؤلف هذا أيضًا فيه نظر ظاهر؛ لأن فعل الأسوأ مع إمكان الصلاح منافٍ للحكمة، لكن قد يخطئ الإنسان في الفهم فيظن أن الأصلح خلاف كذا، ولكن الأمر خلاف ما ظن، فيظن في هذه الحال أن الله فعل الأسوأ وليس كذلك، لكن لو كان الأسوأ حقيقة وتقديرا وتصورا فإننا نقول: إن الله لا يمكن أن يفعله؛ لأنه مناف للحكمة، والله ﷾ حكيم لا يمكن أن يفعل إلا ما فيه الخير إما بذاته وإما بغيره.
والحاصل أن هذه المسالة فيها نزاع طويل بين أهل السنة وأهل الاعتزال، فالمعتزلة يرون أن الله يجب عليه أن يفعل الأصلح والصلاح، وأهل السنة يقولون: لا يجب، والصحيح التفصيل وأن نقول: إن الله تعالى يفعل ما كان من مقتضى كماله، ولكن الميزان في الأصلح والصلاح هو الواقع الذي يتبين به أن هذا الفعل الذي أجراه الله ﷿ هو الأصلح.
قال تعالى: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) (الأنعام: الآية ٦٥)، فكل هذه في ظاهرها مفاسد ومساوئ، فالعذاب من فوقنا حاصب من السماء أو من
[ ٣٤٩ ]
تحت أرجلنا: كالزلازل والبراكين: (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) يعني القتال والنزاع فيما بينكم، وكل هذه في ظاهرها سيئة، ولكن فيها مصلحة عظيمة، وهي أن نتوب إلى الله ونرجع إليه حتى نتقي هذه العقوبات.
والنبي ﷺ لما نزلت هذه الآية: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ)، قال: «أعوذ بوجهك»، وفي الثانية: (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ٍ)، قال: «أعوذ بوجهك»، وفي الثالثة: (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْض)، قال: «هذه أهون، أو هذا أيسر) (١) ولهذا وقعت - في الأمة - الثالثة، أما الأولى والثانية فلم تقع في الأمة على سبيل العموم، وربما يوجد في أجزاء من الأرض زلزال أو ما أشبه ذلك، ولكنها ليست عامة.
وبذلك يكون المؤلف ﵀ قد وافق أهل السنة من جهة، وخالف المعتزلة من جهة أخرى، فالمعتزلة يقولون: إنه يجب على الله فعل الأصلح بجانب الصلاح وفعل الصلاح بجانب الفساد، ولكننا قلنا: إنه إن كان المراد بالصلاح، والفساد، والأصلح ما يناط بالعقل فقول المعتزلة خطأ، وذلك لأن عقولنا تقتصر عن إدراك الصلاح والفساد، فقد نظن هذا الشيء فسادا ويكون صلاحا، وقد نظنه صلاحا ويكون فسادًا.
وإن أرادوا بالأصلح ما تقتضيه حكمة الله ﷿ - وإن كان بالنسبة لنا سيئًا - فإن هذا هو ما تقتضيه حكمة الله ﷿؛ لأن الله لا يفعل شيئًا يكون فسادًا، والله ﷿ يقول: (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ) (البقرة: الآية ٢٠٥)، ولكننا
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله «قل هو القادر على أن يبعث عليكم)، رقم (٤٦٢٨) .
[ ٣٥٠ ]
نحن قد نظن هذا الشيء فسادًا وهو صلاح.
فخلق إبليس مثلًا، يقول أهل السنة للمعتزلة: إنه فساد وشر، وهو ينقض عليكم قولكم: إنه يجب على الله فعل الأصلح؛ لأن المعتزلة يقولون: يجب على الله فعل الأصلح، وأهل السنة - كما قال المؤلف ﵀ - يقولون: لا يجب، لكن سبق أن الصواب التفصيل في ذلك وهو أن يقال: إن خلق إبليس شر من وجه وخير من وجه آخر، فلولا خلق إبليس ما وجد الكفر ولا الفسوق والعصيان، ووجود الكفر والفسوق والعصيان هو مقتضى حكمة الله ﷿ الذي به تتم كلمته ويصدق وعده.
قال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) (هود: ١١٨) (إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَئنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (هود: ١١٩»، فلو كان الناس كلهم على الصلاح فلن تتم كلمة الله بملء النار. إذا فوجود إبليس - وإن كان فيه الشر والفساد - ففيه مصلحة؛ لأن ذلك مقتضى الحكمة الذي يتم به غايات حميدة أرادها الله ﷿.
[ ٣٥١ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٦٩- فكل من شاء هداه يهتدي وإن يرد إضلال عبد يعتدي
ــ
الشرح
هذا البيت ويشهد له قول النبي ﷺ: «من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له) (١)، ولكن سبب الهداية وسبب الإضلال يكون من العبد، لأن الله تعالى يقول: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (محمد: ١٧) .
فإذا علم الله من العبد أن نيته الهدى وطلبه الهدى هداه، وإذا زاغ القلب أزاغه الله، كما قال تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) (الصف: الآية ٥)، وقال تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) (المائدة: الآية ١٣) .
فسبب الهداية والإضلال من العبد، فإذا علم الله من هذا العبد أنه أهل للهداية هداه، كما أنه إذا علم أن هذا العبد أهل للرسالة أرسله، وذلك قبل ختم النبوة، قال الله تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (الأنعام: الآية ١٢٤) .
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، رقم (٨٦٧) .
[ ٣٥٢ ]
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٧٠- والرزق ما ينفع من حلال أو ضده فحل عن المحال
٧١- لأنه رازق كل الخلق وليس مخلوق بغير رزق
٧٢- ومن يمت بقتله من البشر أو غيره فبالقضاء والقدر
٧٣- ولم يفت من رزقه ولا الأجل شيء فدع أصل الضلال والخطل
_________________
(١) الشرح قال المؤلف ﵀: (والرزق ما ينفع من حلال أو ضده)، الرزق بمعنى العطاء، والله ﷾ هو الرزاق، وهو الذي يرزق العباد. لكن هل الرزق شامل الحلال والحرام أو هو خاص بالحلال؟ نقول: الرزق نوعان: النوع الأول: رزق ما يقوم به البدن: وهذا يشمل الحلال والحرام، ويشمل رزق البهائم والإنسان، فهو عام، حتى لو فرض أن الرجل لا يأكل إلا الخنزير والميتة فهو رزق، ولو فرض أنه لا يأكل إلا الربا وما يكون بالغش والخيانة فهو رزق. النوع الثاني: رزق ما يقوم به الدين: وهذا خاص بالرزق الحلال، لأن الرزق الحرام وإن قام به البدن لكن ينقص به الدين. فقول المؤلف ﵀: (وارزق ما ينفع من حلال أو ضده) يريد به من نوعي الرزق ما يقوم به البدن لأنه عام للحلال والحرام، والناطق والبهيم،
[ ٣٥٣ ]
وكل شيء.
ثم علل المؤلف ﵀ فقال: (لأنه رازق كل الخلق) ولو قلنا: إن الرزق خاص بالحلال فقط لخرج بذلك قسم كبير من الخلق عن كون الله يرزقهم، مع أن الله رازق كل الخلق، قال تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (هود: ٦» .
أما إذا كان الرزق مطلوبًا من العبد؛ كقول العبد: اللهم ارزقني، فلا ريب أنه إنما يطلب الرزق الحلال، الذي به قوام الدين، ولا يخطر ببال أي إنسان إذا دعا الله أن يرزقه، أنه يريد الحلال والحرام، إنما يريد الرزق الحلال.
لكن قد يقول قائل: أليس الإنسان يقول: «اللهم ارزقني رزقًا حلالًا طيبًا»؟
فالجواب: بلى، ولكنه يقول ذلك من باب التأكيد، كما يقول القائل: «اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، علانيته وسره، وأوله وآخره»، مع أنه يغني عن ذلك أن يقول: «اللهم اغفر لي ذنبي»، لكن يقول هذا من باب التأكيد، ومن باب الإلحاح على الله بالدعاء، والله تعالى يحب الملحين في الدعاء، ومن باب كثرة مناجاة الله ﷿؛ لأن الإنسان المحب لله يحب أن يكثر مناجاته، لأن الحبيب يحب طول المناجاة مع حبيبه.
إذًا الرزق ينقسم إلى قسمين: ما يقوم به البدن وما يقوم به الدين، فالذي يقوم به البدن عام يشمل الحلال والحرام، ورزق الناطق والبهيم، والذي يقوم به الدين خاص بالرزق الحلال، ومنه رزق العلم والإيمان، فهذا
[ ٣٥٤ ]
مما يقوم به الدين، أما الرزق المطلوب أي الذي يطلبه العبد من الله فهو يختص بالرزق الحلال، لقرينة السؤال، لأنني لا أظن أن أحدًا من المؤمنين يسأل الله رزقا على أي وجه كان، وإنما يريد السائل الرزق الحلال.
قوله: (وليس مخلوق بغير رزق) أو (بغير رزق)، يجوز هذا وهذا، فالرزق بالفتح هو الفعل، والرزق بالكسر هو المرزوق، وهذا صحيح، فإنه لأي وجد مخلوق بغير رزق أبدا، كل المخلوقات قد رزقها الله ﷿، قال تعالى: (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (طه: ٥٠»
مسألة: هل الرزق فيه تبعة أي إثم على المرزوق أو لا؟
نقول: إذا كان مؤمنًا تقيًا فليس عليه تبعة في رزقه؛ لأن هذا المؤمن التقي لن يأكل إلا الحلال، فلا يكون عليه شي. أما الكافر فإنه يعاقب على رزقه؛ لأن الأرزاق لا تكون خالصة لهم لقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا) (المائدة: الآية ٩٣) فمفهومه أن غير المؤمنين عليهم جناح.
ثم قال المؤلف ﵀: (ومن يمت بقتله من البشر) فقوله (من البشر) بيان لـ (من)، يعني من يموت من البشر بالقتل فبالقضاء والقدر.
وقوله: (أو غيره)؛ غير: يحتمل أن تكون عائدة إلى البشر، فيكون المعنى: من يمت بقتله من البشر وغير البشر، ويحتمل أن تكون عائدة على القتل؛ أي: ومن يمت بقتله من البشر أو بغير قتله، بل يموت موتًا طبيعيًا، فبالقضاء والقدر، واللفظ الذي يحتمل هذين المعنيين صحيح، والمعنيان لا يتنافيان، فيكون شاملًا لمن يموت بقتل أو بغير قتل، ومن يموت من البشر أو غيره بالقتل فبالقضاء والقدر.
[ ٣٥٥ ]
وقوله: (فبالقضاء والقدر) قضاء الله ﷿ وقدره.
والقضاء والقدر بمعنى واحد إن انفرد أحدهما عن الآخر، ويختلف معناهما عند الاجتماع، فيكون القدر ما قدره الله بالأزل، والقضاء ما حكم به فعلًا، أما إذا قيل: قضاء الله وحده، أو قيل: قدر الله وحده، فهو شامل للمعنيين جميعا.
قوله: (ولم يفت من رزقه ولا الأجل شيء) أي لم يفت من رزقه الذي قدره الله شيء، ولا من اجله الذي كتبه الله له شيء، ودليل هذا قوله تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (الأعراف: ٣٤)، وقول النبي ﷺ: «إنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها) (١)؛ تستكمل رزقها وأجلها، أي لا يبقى من الأجل ولا لحظة، ولا من الرزق ولا حبة، كلها تستكمل وتنتهي.
فإذا كان الأمر كذلك علمنا بأن الذي يقتل يكون قد مات بأجله، وأن الذي يقتل يكون قد استكمل رزقه.
مثال ذلك: رجل قتل عند زوال الشمس، فلا يقول قائل: إن هذا الرجل فاته الغداء من الرزق، ولو بقي لتغدى. نقول: هذا لا يمكن أبدا؛ لأن الله قدر أن يموت هذا الرجل قبل أن يأتي موعد الغداء، إذًا فالغداء ليس له، ولم يكتب له.
كذلك الأجل، لو قال قائل: هذا الرجل يبقى إلى الليل لو لم يقتل، لقلنا: هذا محال؛ لأن الله قدر أن يموت بهذا السبب في هذه الساعة، فلا يفوت الأجل أبدًا بالقتل.
_________________
(١) رواه ابن ماجة (٢١٤٤)، وابن حبان (٣٢٣٩)، والحاكم (٢/٤) .
[ ٣٥٦ ]
لكن لو قيل: لو لم يقتل لم يمت بالقتل فهذا صحيح، لكن كونه يمتد الأجل إلى الليل أو لا يمتد، هذا شيءٌ ثان مجهول لنا، إنما المعلوم لنا انه لو لم يقتل لم يمت بالقتل، ونقول: إن هذا افرض أمر لا يمكن أن يقع ما دام قد قتل، لأننا نعلم أن الله قدر اجله إلى هذه الساعة بل إلى هذه اللحظة وبهذا السبب، ولكن لو قال قائل: يمكن أن يموت قبل أن يقتل، بلدغة حية، أو بأكل سم، أو بغتة، أو بمرض، فإن هذا لا يمكن، لأن الله قد كتب أن يموت بالقتل وفي هذه الساعة.
إذا فهذا الإيراد وهو قوله: لو لم يقتل لبقي. نقول: هو إيراد شيء محال، كقوله تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) (الزخرف: ٨١) فمحال أن يبقى بعد هذا الزمن الذي قتل فيه ولا لحظة، ومحال أن يموت بغير هذا السبب، لأنه لما وقع علمنا أن الله قد كتبه في الأزل.
فإن قال قائل: بماذا تجيبون عن قول النبي ﷺ: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه) (١)، فجعل صلة الرحم سببا لبسط الرزق وللتأخير في الأثر؟
نقول في جوابنا على هذا: قول النبي ﷺ حق، وصلة الرحم من أسباب طول العمر، ومن أسباب سعة الرزق، وإذا قدر أن الإنسان وصل رحمه علمنا أنه فعل السبب الذي يكون به طول العمر وسعة الرزق، ولا يختلف هذا عن قوله تعالى فيمن عمل صالحًا بأنه يدخل الجنة، لأننا نعلم أنه متى فعل السبب وجد المسبب، وإذا لم يفعله لم يوجد المسبب، فهذا الرجل
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب البيوع، باب من أحب البسط في الرزق، رقم (٢٠٦٧)، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، رقم (٢٥٥٧) .
[ ٣٥٧ ]
إذا لم يصل رحمه لم يطل عمره ولم يبسط له في رزقه لأنه لم يفعل السبب، لكن إذا وصل رحِمه طال عُمره واتسع رزقه، ونعلم أن هذا الرجل قد كُتب أصلًا عند الله بأنه وصول لرحمه، وعمره ينتهي في الوقت المحدد، ورزقه يكون إلى الساعة المحددة، ونعلم أن الرجل الآخر لم يكتب أن يصل رحمه، فكتب رزقه مضيقًا، وكتب عمره قاصرًا من الأصل، فليس هناك شيء يزيد وينقص عن الذي كتب في الأزل.
إذًا ما الفائدة من قول الرسول ﵊ هذا الكلام؟
نقول: الفائدة من ذلك الحث على صلة الرحم، وإذا كان الله قد كتب هذا الرجل وصولًا لرحمه سيصل رحمه، لكن كتابة الله ﷾ لهذا الرجل أن يكون وصولًا للرحم أمر مجهول لنا ولا نعلمه، لكن الأمر الذي بأيدينا هو أن نعمل، وما وراء ذلك فهو عند الله ﷿.
وبهذا التقرير نسلم من قول من قال من العلماء ﵏: إن المراد بطول العمر البركة فيه، والمراد ببسط الرزق البركة فيه؛ لأن هذا القول لا يجدي عنهم شيئًا؛ لأن البركة أيضًا وجودها كطول العمر، ونزعها كقصر العمر، فإن كان الله قد كتب أن يكون عمرك مباركًا كان مباركًا، وإن كان الله قد كُتب أنه غير مبارك صار غير مبارك، وكذلك الرزق إن كان الله قد كتبه مباركًا كان مباركًا، وإن لم يكن كتبه مباركًا لم يكن مباركًا، فالمسألة هي هي، فهم فروا من شيء ووقعوا فيه؛ لأن كل شيء مقدر، بركة المال وبركة العمر، وبسط الرزق وطول العمر؛ فكله مكتوب.
والمهم أن الذين قالوا بهذا القول قولهم غير صحيح، وكذلك أيضًا
[ ٣٥٨ ]
الذين قالوا: إن للإنسان عمرين؛ عمرًا إن وصل، وعمرًا إن قطع، ورزقين؛ رزقًا إن وصل، ورزقًا إن قطع، وهذا غير صحيح؛ لأن هذا يؤدي إلى أن يكون الله تعالى غير عالم بالمآل، وهذا خطأ ونحن نقول: إن الله عالم بالمآل، فهو عالم بأن هذا يصل ويطل عمره ويبسط له في رزقه، وهذا لا يصلْ فيقصر عمره وينقص رزقه، وهذا عند الله معلوم، وهو شيء واحد لا يتغير، لكنه عندنا غير معلوم، ولهذا حثنا الرسول ﵊ على أن نصل الرحم.
ونظير ذلك أيضًا في مسالة الزواج إذا قيل: «من أحب أن يولد له فليتزوج)، فالمراد بهذا الحث على الزواج، وإلا فنحن نعلم أن الله كتب لهذا الرجل أن يتزوج ويولد له، أو ألا يتزوج ولا يولد له.
والحاصل أن الإنسان إذا علم أن الشيء مكتوب بأسبابه - فطول العمر مكتوب بسببه، وسعة الرزق مكتوبة بسببه، الذي هو الصلة، لكن نحن لا نعلم، فالمقصود من مثل هذا القول من رسول الله ﷺ الحث على صلة الرحم وأنه سبب.
والدعاء أيضًا سبب لحصول المقصود فمن أحب أن يرزق فليسأل الله الرزق، فالسؤال سبب، ولو قال قائل: إذا كان الله قد كتب لك الرزق فلا حاجة لك في السؤال، لكان هذا غلطًا، ففعل الأسباب التي جاءت بها الشريعة، أو شهد بها الواقع أمر مطلوب للشرع، والله تعالى بحكمته قد ربط المسببات بأسبابها، فلا إشكال والحمد لله في الحديث، إنما هو ذلك لسبب يكون عند الله معلومًا مكتوبًا، وعندنا غير معلوم، إنما الشيء الذين خاطب به أن نفعل السبب.
[ ٣٥٩ ]