توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
فأما توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية فلم يختلف فيه أهل القبلة، يعني لم يختلف فيه المسلمون، بل كل المسلمين مجمعون على توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، أي: أنه يجب إفراد الله ﷿ بالربوبية، ويجب إفراده بالعبادة.
وأما توحيد الأسماء والصفات فهو الذي اختلف فيه أهل القبلة، أي: المنتسبون إلى الإسلام اختلافا يمكن أن نقول انه على ستة أقسام في إجراء النصوص:
القسم الأول: من أجرى النصوص على ظاهرها اللائق بالله تعالى وترك ما وراء ذلك. وهؤلاء هم السلف وأتباعهم.
_________________
(١) هو العلامة الشيخ محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفارني الشهرة والمولد، النابلسي الحنبلي، ولد عام ١١١٤هـ، وتوفي عام ١١٨٨ هـ - رحمه الله تعالى -.
[ ١٧ ]
فـ (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) قالوا: إن ظاهره أن الله استوى على العرش، أي علا عليه، فنؤمن بأن الله ﷾ نفسه علا على العرش ولا نلتفت لما وراء ذلك، لا نقول: أين الله قبل أن يخلق العرش؟ ولا نقول: هل استواؤه على العرش بمماسة أو بانفصال؟
ولا نقول: إن استواءه على العرش للحاجة إليه، بل يجب أن نقول إنه ليس للحاجة إليه، وفرق بين الأمرين.
فنقول: إن استواء الله على العرش ليس لحاجته إلى العرش، بخلاف استواء الإنسان مثلا على السرير أو على الدابة فهو للحاجة إليها، ولهذا لو أزيل السرير من تحته لسقط أما الرب ﷿ فان استواءه على عرشه لظهور عظمته ﷿، وتمام ملكه، وليس لأنه محتاج إلى العرش، بل إن العرش وغيره في حاجة إلى الله ﷿ في إيجاده وإمداده. فلا يمكن أن نقول: إن استواء الله على العرش للحاجة إليه.
ولا نقول: إن استواء الله على العرش يقتضي أن يكون الله جسما أو ليس بجسم؛ لأن مسألة الجسيمية لم ترد في القرآن ولا في السنة إثباتا ولا نفيا، ولكن نقول بالنسبة للفظ لا ننفي ولا نثبت، فلا نقول جسم ولا غير جسم.
لكن بالنسبة للمعنى نستفصل ونقول للقائل: ماذا تعني بالجسم؟ هل تعني انه الشيء القائم بنفسه، المتصف بما يليق به، الفاعل بالاختبار، القابض، الباسط؟
إن أردت هذا فهو حق ومعنى صحيح، فالله تعالى قائم بنفسه، فعال
[ ١٨ ]
لما يريد، متصف بالصفات اللائقة به، يأخذ ويقبض ويبسط، ويقبض السماوات بيمينه ويهزها.
وإن أردت بالجسم الشيء الذي يفتقر بعضه إلى بعض، ولا يتم ألا بتمام أجزائه، فهذا ممتنع على الله؛ لأن هذا المعنى يستلزم الحدوث والتركيب، وهذا شيء ممتنع على الله ﷿.
والمهم أننا نقول: إن من أهل القبلة من أجرى النصوص على ظاهرها اللائق بالله ﷿ دون أن يتعرض لشيء، وهؤلاء هم السلف، وطريقة السلف على هذا الوجه اسلم وأعلم وأحكم:
فهي اسلم لأنهم لم يتعرضوا لشيء وراء النصوص.
وأعلم لأنهم أخذوا عقيدتهم عن كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ.
وأحكم لأنهم سلكوا الطريق الواجب سلوكها، وهو إجراء النصوص على ظاهرها اللائق بالله ﷿.
ومن هم هؤلاء السلف؟
هم الصحابة ﵃ والتابعون لهم بإحسان وأئمة المسلمين؛ كالإمام احمد بن حنبل، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وغيرهم من أئمة المسلمين.
وهل يمكن أن تكون السلفية في وقتنا الحاضر؟
نعم يمكن ونقول: هي سلفية عقيدة، وإن لم تكن سلفية زمنا؛ لأن السلف سبقوا زمنا، لكن سلفية هؤلاء سلفية عقيدة، بل عقيدة وعمل في
[ ١٩ ]
الواقع، وهم بالنسبة لمن بعدهم سلف، كما قال النبي ﵊ في زيارة المقابر: «أنتم سلفنا ونحن بالأثر» (١)
القسم الثاني: من اجروا النصوص على ظاهرها، وقالوا: النصوص على ظاهرها لكنها من جنس صفات المخلوقين، فقالوا: إن لله يدا كأيدينا، ووجها كوجوهنا. وهؤلاء هم الممثلة، وهم بلا شك ضالون، لم يقدروا الله حق قدره، ولو قدروا الله حق قدره ما جعلوا صفاته كصفات خلقه.
وهم أيضا متناقضون، لأنهم لم يجعلوا الذات الإلهية كالذات المخلوقة، ومعلوم أن الصفات فرع عن الذات، فإذا كانت الذات لا تماثل ذوات المخلوقين، فالصفات أيضا لا تماثل صفات المخلوقين؛ لان صفة كل ذات تناسبها.
أرأيت رجل البعير ورجل الذرة هل يتماثلان؟ الجواب: لا يتماثلان، بل بينهما فرق عظيم جدا.
فإذا قال قائل: عندي رجل جمل، وقال الثاني: عندي رجل ذرة، هل يفهم أحد من الناس أن الذي عند الثاني كالذي عند الأول؟
فالجواب: لا؛ لان ذات الجمل ليست كذات الذرة، إذا صفات الجمل ليست كصفات الذرة.
وأيضا قوة الفيل وقوة الذرة، كلاهما قوة، ولكنهما غير متماثلين؛ لان قوة الذرة صغيرة تعجز عن شيء يسير، أما الفيل فقوته تساعده على حمل الأشياء العظيمة.
_________________
(١) رواه الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما يقوم الرجل إذا دخل المقابر، رقم (١٠٥٣) .
[ ٢٠ ]
فإذا قال الله عن نفسه ﷿:) بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) (المائدة: الآية ٦٤) (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) (صّ: ٧٥) فلا يمكن لعاقل أبدا أن يعتقد أو يتصور أن يد الله ﷿ كيد المخلوق. وكيف يمكن ذلك والله ﷿ يقول:) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الزمر: ٦٧) ويقول تعالى:) يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) (الأنبياء: ١٠٤) .
فالإنسان الكاتب يطوي الكتاب بسهولة، لكن هل يمكن للبشر كلهم أن يطووا واحدة من السماوات؟ لا يمكن أبدا. إذا هؤلاء الممثلة ضالون لم يقدروا الله حق قدره.
وهل هم كافرون بذلك؟ نعم كافرون لان الله ﷿ يقول:) لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى: الآية ١١» فإذا قال قائل: بل مثله شيء فقد كذب الخبر، وتكذيب خبر الله كفر، ولهذا قال نعيم بن حماد الخزاعي ﵀ - شيخ البخاري: «من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها» (١)، فإذا هؤلاء ضالون وكفار أيضا.
ومن هذا ما ينشر في الأفلام الكرتونية حيث إنهم يشبهون الله ﷿ بشيخ رهيب، مزعج المنظر، ذي لحية طويلة، عملاق، فوق السحاب، يسخر الرياح ويعمل ما يريد، والحقيقة أني اشهد الله أن هذا نشر للكفر الصريح، لان الصبي إذا شاهد مثل هذا وفي أول تمييزه، سوف ينطبع في
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى ٥/١١٠.
[ ٢١ ]
نفسه إلى أن يموت ألا ما شاء الله، قال رسول الله ﷺ: «فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» (١) .
ولهذا أقول: إن الذين يعرضون هذه الأشياء لصبيان المسلمين، سوف يحاسبون عند الله حسابا عسيرا يوم القيامة؛ لأنهم يريدون - شاءوا أم أبوا - أن يضل الناس بهذا ضلالا مبينا.
وعلينا جميعا إذا كانت الأفلام على هذا الوجه أن نحذر منها أهل البيوت؛ حتى لا يقعوا في هذا الشر المستطير الذي هو أعظم من شر الأغاني وغيرها؛ لان كون الإنسان يمثل الله ﷿ بهذه الصورة البشعة لا شك انه من أعظم المنكر والعياذ بالله.
وأقول: انظر إلى أعداء الله كيف يريدون أن يهينوا رب العزة والجلال بهذه الأشياء التي تسري على الناس سريان النار في الفحم من غير أن يشعر بها، وسريان السم في الجسد من غير أن يشعر به.
والواجب علينا نحن المسلمين ولا سيما في بلادنا هذه أن نكون حذرين يقظين؛ لان بلادنا هذه مغزوة في العقيدة وفي الأخلاق، وفي الأعمال، ومن كل وجه.
ولا تظن أن الغزو أن يقبل العدو بجحافله ودباباته وصواريخه ليهدم الديار ويقتل الناس فحسب، بل الغزو هو هذا الغزو المشكل الذي يدخل الناس من حيث لا يشعرون، والإنسان بشر مدني متكيف، ينفر من الشيء أول ما يسمعه، ولكن بعد مدة يرتاح إليه ويألفه، ويكون كأنه أمر عادي،
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا اسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟، رقم (١٣٥٨)، ومسلم، كتاب القدر، باب معنى كل مولود على الفطرة وحكم موت ، رقم (٢٦٥٨) .
[ ٢٢ ]
حتى الأمراض التي في الجسم، أول ما يدخل فيروس المرض ينفر منه الجسم ويتأثر ويسخن، لكنه ربما يتحمله بعد ذلك.
وعلى كل حال فأنا أود من طلبة العلم، أن يؤدوا ما عليهم من مسؤولية، بأن يحذروا الناس من هذه الأفلام، مادامت تعرض مثل هذه الأمور التي لا يشك مؤمن بالله ﷿ أن عرضها قيادة للأطفال إلى الكفر بالله ﷿، وإهانة الله ﷾.
ونحن أهل الجزيرة علينا مسؤولية عظيمة ليست على بقية الناس، فمن هنا ظهر الإسلام وإليه يعود، في هذه الجزيرة، قال رسول البرية ﵊ في مرض موته: «اخرجوا المشركين من جزيرة العرب» (١) وقال: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع ألا مسلما» (٢)، وقال: «أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب» (٣) .
وإذا كان الرسول ﵊ أمرنا بإخراج أجسادهم، فإنه يأمرنا أمرًا أولويًا بإخراج أفكارهم وأخلاقهم التي يبثونها بين الناس ليضلوا عباد الله ﷿، ولو أن الرسول ﵊ أمامنا الآن يقول في
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب هل يستشف إلى أهل الذمة ، رقم (٣٠٥٣)، ومسلم، كتاب الوصية، باب ترك الوصية لمن ليس عنده شيء يوصي به، رقم (١٦٣٧) .
(٢) رواه مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، رقم (١٧٦٧) .
(٣) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب هل يستشفع إلى أهل الذمة..، رقم (٣٠٥٣) بفظ المشركين بدلا من اليهود والنصارى، ومسلم، كتاب الوصية، باب ترك الوصية لمن ليس عنده شيء، ، رقم (١٦٣٧) .
[ ٢٣ ]
مرض موته وهو على فراش الموت: «اخرجوا المشركين من جزيرة العرب» هل لأنهم أجسام بشر مثلنا؟ !!
لا. بل لأنهم يبثون شركهم وشرورهم بيننا، فهذه الجزيرة لها شان عظيم وميزان كبير في نظر الشرع باعتبار حماية الدين الإسلامي، فأنا اجعلها أمانة في أعناق طلبة العلم أن يحرصوا غاية الحرص على التحذير من هذه الأفلام.
وهذه كلمة مهمة جدًا، لكنها معترضة بالنسبة لموضوعنا، وسببها الاستطراد في مسألة المماثلة، وأن من مثل الله بخلقه فهو كافر.
وعلى كل حال فقد أشترك هذان القسمان في إجراء النصوص على ظاهرها، وافترقا في أن السلف أجروها على اللائق بالله ﷿، وهؤلاء أجروها على وجه التمثيل بالمخلوقات، وهذا فرق عظيم.
القسم الثالث: من أجروا النصوص على خلاف ظاهرها إلى معان ابتكروها بعقولهم، وهؤلاء الذين يدعون أنهم العلماء والحكماء، ويقولون: طريقة السلف طريقة الذين يقرأون الكتاب أماني ولا يعرفون، أما نحن أهل العلم والحكمة، ولهذا قالوا: طريقة الخلف أعلم وأحكم، وقد ذكرنا في كتاب تلخيص الحموية بيان بطلان هذا القول. (١)
هؤلاء الذين يجرون النصوص على خلاف الظاهر إلى معان عينوها بعقولهم، فقالوا: «استوى على العرش» أي استولى على العرش، «يد الله»: أي قوته أو نعمته، «وجه الله»: ثوابه، «محبة الله»: ثوابه، «غضب
_________________
(١) فتح رب البرية بتلخيص الحموية ص٥
[ ٢٤ ]
الله»: انتقامه، وهكذا قالوا لزعمهم: إن المعنى الظاهر ممتنع على الله ﷿، ثم قالوا: إذا كان ممتنعا فلنا عقول نتصرف فيها.
ونرد عليهم فنقول وبكل سهولة: إذا كان الأمر كما قلتم فلماذا يتحدث الله عن نفسه بعبارات غير مقصودة، ويجعل الأمر موكولا إلى عقولنا؟ .
فالصواب انه ليس إلى العقل بل إلى الهوى المختلف الذي يقول فيه فلان: هذا واجب، ويقول فلان الثاني: هذا ممتنع على الله، والثالث يقول: هذا جائز.
فلماذا يجعل الله ﷿ الحديث عن صفاته بكلمات لا يراد بها ظاهرها؟!
وهل هذا إلا تعمية، وخلاف البيان الذي قال الله تعالى فيه: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) (النساء: الآية ١٧٦)؟ وقال:) يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) (النساء: الآية ٢٦)؟
ولماذا يجعل الأمر موكولا إلى ما تقتضيه عقولنا التي هي ليست عقلا في الواقع بل هي وهم؟!
قالوا: لأجل أن يزيد ثوابنا بتحويل النص إلى معناه، لأنك إذا أخذت النص على ظاهره لم تتكلف، لكن إذا صرفته عن ظاهره يحتاج إلى دليل من اللغة وشواهد وجهد كبير حتى تصل إلى المعنى المراد، فهذه التعمية الواردة في أعظم الأخبار المقصود بها كثرة الثواب.
يا سبحان الله العظيم، أيضيع الله أصلا عظيما في التحدث عن نفسه من أجل أن يزيد ثوابنا بالتعب! ثم إن التعب الذي يأتي لغير سبب لا يثاب عليه الإنسان.
[ ٢٥ ]
ولو قال قائل مثلا: الناس الآن يحجون على الطائرة وعلى السيارة، وأنا سأحج على حمار أعرج، أركبه تارة وأسوقه تارة حتى أصل إلى مكة لان هذا فيه تعب عظيم وأجر كبير فهل يؤجر الإنسان على هذا؟
الجواب: لا يؤجر؛ لان هذا تعب حصل باختياره هو، ولهذا أمر النبي ﵊ الرجل الذي نذر أن يقف في الشمس، أمره أن يدخل في الظل، ونهاه (١) عن تعذيب نفسه، والله ﷿ يقول:) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا) (النساء: ١٤٧) .
فالحاصل أن هؤلاء لا شك أنهم مخطئون ضالون، مرتكبون لضلالين يتضمن كل ضلال منهما القول على الله بلا علم.
فقولهم: إن الله لم يرد كذا، هذا قول على الله بلا علم، إذ كيف لم يرد وهو ظاهر لفظه. وقولهم: أراد كذا، هذا أيضا قول على الله بلا علم؛ لأنه إذا انتفت إرادة الظاهر بقي ما يخالف الظاهر قابلا للاحتمالات الكثيرة؛ إذ ليس هناك ما يجعل هذا الاحتمال المعين هو المراد دون غيره من الاحتمالات. ولهذا نقول إن هؤلاء ضالون.
القسم الرابع: قالوا: نسكت ونفوض، ولا نقول معناها كذا ولا كذا، نقرأ القرآن والحديث وكأنما نقرأ لغة لا نعرفها، كأننا عرب نقرأ باللغة الإنجليزية ولم نعرف اللغة الإنجليزية، أو كأننا عامة لا يعلمون الكتاب ألا أماني.
وهؤلاء يقولون: كل نصوص الصفات غير معلومة المعنى. فإذا قلت
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الإيمان والنذور، باب النذر فيما لا يملك وفي معصية، رقم (٦٧٠٤) .
[ ٢٦ ]
لأحدهم: ما تقول بارك الله فيك وهداك إلى الصواب في قوله تعالى:) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه: ٥)؟ وقوله تعالى:) بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) (المائدة: من الآية ٦٤)؟ وقوله تعالى:) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ) (الرحمن: الآية ٢٧) . قال: الله اعلم.
فسبحان الله!! نعم كل شيء الله اعلم به، لكنه ﷿ أنزل علينا كتابا مبينا) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (صّ: ٢٩)،) وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) (النحل: الآية ٨٩) فأي فائدة لنا في قران لا نعرف معناه؟! وهل يمكن أن نمتثل أمر الله، وأن نعظم الله ﷿، وأن ننفي عنه النقائص ونحن لا نعلم ما أراد بكلامه؟! والجواب: لا، لا يمكن.
وإذا كنتم انتم معنا تقولون: إن آيات الأحكام وأحاديث الأحكام معلومة المعنى، حيث يعرف الناس معنى الصلاة والزكاة والصيام والحج، فلماذا لا تجعلون آيات الصفات معلومة المعنى لأنها تتعلق بذات الخالق ﷿ وهي أعظم من آيات الأحكام التي تتعلق بعمل المخلوق فهي أولى بالعلم؟!
والمهم أن هؤلاء يسمون عند أهل السنة بالمفوضة. وهناك من العلماء من يقول: إن التفويض هو مذهب السلف، ويقول: إن أهل السنة قسمان: مؤولة ومفوضة وهذا واقع.
ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول وصدق فيما قال: «قول أهل التفويض من شر أقوال أهل البدع والإلحاد، وذكر تعليلات عظيمة قوية
[ ٢٧ ]
في كتابه المعروف بدرء تعارض العقل والنقل، وذكر الأدلة على ذلك، وقال هذا الذي فتح علينا باب الفلاسفة (١)، وهذا الذي جعل أهل التخييل ينكرون اليوم الآخر والجنة والنار، وقالوا: إذا كنتم لا تعلمون معاني هذه الصفات فنحن نعلمها، وإذا كنتم لا تعرفون ما يتعلق بالرب فنحن نعرف ما يتعلق بالرب؛ فقالوا: الرب كله ليس له أصل، وإنما هو تخويف من عباقرة من البشر من اجل أن يستقيم الناس على ما طلب منهم.
وصدق شيخ الإسلام ﵀ فيما قال: إذ كيف ينزل الله علينا كتابا، ورسوله ﵊ يخبرنا بأخبار فيما يتعلق بذات الرب ﷿ وصفاته، ويقال: كل هذا ليس له معنى، ولا يجوز أن نتكلم في معناه؟ .
هذا من أعظم ما يكون من الإلحاد والكفر، وفيه من الاستهانة بالقرآن الكريم والذم له ما لا يعلمه ألا من تأمل هذا القول الفاسد الباطل.
القسم الخامس: قالوا: نحن لا نتكلم بل علينا أن نمسك. فيجوز أن يكون المراد بها الظاهر اللائق بالله ويجوز أن المراد بها الظاهر المماثل للمخلوقين ويجوز أن يكون المراد بها خلاف الظاهر ويجوز أن لا يكون المراد بها شيء، كل هذا ممكن وجائز، وما دامت الاحتمالات قائمة فالواجب الإمساك.
والفرق بينهم وبين المفوضة أن المفوضة يقولون: لا نقول شيئا أبدًا، وهؤلاء يقولون: يحتمل كذا، وكذا، وكذا، وكذا، ونكف عن القول لان
_________________
(١) انظر درء تعارض العقل والنقل ١/٢٠٥.
[ ٢٨ ]
الاحتمالات كلها واردة، وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال.
والقسم السادس: قوم اعرضوا عن هذا كله وقالوا: لا نقول شيئا في صفات الله، نحن نقرأ القرآن ونتعبد الله بقراءته ولا، تعرض لمعناه فيما يتعلق بالصفات إطلاقا، فهم لا يقولون بقول أحد الأقسام الخمسة السابقة، بل يسكتون ولا يقدرونها بقلوبهم ولا ينطقون بها بألسنتهم، بل يسكتون عن هذا كله.
وهؤلاء غير سالمين بل واقعون في الخطأ، فالقرآن تبيان لكل شيء، والقرآن يراد به لفظه ومعناه الدال عليه لفظه، ومن لم يقل بذلك فهو على ضلال، والقرآن نزل بألفاظه ومعانيه، لكن علينا أن نتأدب مع الله ﷿ ولا نتجاوز القرآن ولا نتجاوز الحديث. ولو أن أحدا أراد أن يتكلم عن صفة شخص ليس حاضرا، فلا يسوغ له أن يتكلم عن صفته وهو لا يعلم، فكيف يتكلم عن صفات الخالق أو يحكم بعقله على هذه الصفات العظيمة التي لا يمكنه أن يدركها بعقله أبدًا؟!
وغاية ما عندنا نحن أن ندرك المعنى، أما الحقيقة والكيفية فهذا شيء لا يمكن إدراكه، ولهذا يحرم على الإنسان أن يتخيل أو أن يتصور شيئا من صفات الله ﷿، فلا يجوز أن تتصور أو تتخيل يد الله كيف هي مثلا، ولهذا سألني سائل ذات مرة فقال: ما تقول في أصابع الله؟ كم هي؟ أعوذ بالله. فقلت: هل أحد يسأل هذا السؤال؟! يا أخي اتق ربك، أنت لست ملزما بهذا، أثبت أن لله أصابع كما قال الرسول ﵊، وأما كم فلا يمكن لك أن تتكلم بهذا.
[ ٢٩ ]
فوالله ما أنت بأحرص على العلم بالله من الصحابة ﵃، والصحابة ﵃ لما قال الرسول ﵊ «إن الله يجعل السماوات على إصبع والأرضين على إصبع» (١) . إلى آخر الحديث، ما قالوا: يا رسول الله هل لله أكثر من هذه الأصابع؛ لأنهم أكمل أدبا، وأشد تعظيما لله ممن أتى بعدهم، وإذا كنت صادقا في عبادة الله فلا تتجاوز ما أخبر الله به عن نفسه، كما انك لا تتجاوز ما شرعه الله لعباده، فلو أردت أن تصلي الظهر خمسا لقال لك الناس كلهم هذا خطأ، إذًا لا تتكلم فيما اخبر الله به عن نفسه، أو اخبر به عنه رسوله ﷺ ألا بمقدار ما بلغك فقط.
وأنت إذا سلكت هذا - والله - تسلم من أمور كثيرة؛ تسلم من شبهات يوردها الشيطان على قلبك، ومن شبهات يوردها عليك غيرك، ولما قيل للإمام مالك: يا أبا عبد الله:) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه: ٥) كيف استوى؟ أطرق حتى علاه العرق من شدة هذا السؤال وعظمته - لان هذا السؤال منكر - ثم قال: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة» فانظر كلام السلف ﵏ كيف أن كل إنسان يسال عما لم يسأل عنه السلف - الصحابة ﵃ خاصة - فهو مبتدع.
وكذلك قول القائل: إنه ثبت أن الله ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، ونحن نشاهد أن الثلث يدور على الأرض إذا الله ينزل كل الليل. أعوذ بالله فمن قال هذا؟! قف يا أخي حيث جاءت
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: «وما قدروا الله حق قدره»، رقم (٤٨١١)، ومسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، بدون ذكر الباب، رقم (٢٧٨٦) .
[ ٣٠ ]
النصوص وتسلم من هذا التقدير، اعتقد أن الله ليس كمثله شيء وتسلم من هذا التقدير، فلو طلع الفجر هنا في المملكة وهو ثلث الليل في المغرب. فيكون النزول بالنسبة لنا انتهى وبالنسبة لهؤلاء الذين عندهم الثلث الأخير موجود. نحن في الثلث وأهل المشرق قد طلع عليهم الفجر، فالنزول بالنسبة لأهل المشرق انتهى، وبالنسبة لنا بدأ، ولا تتعدى هذا يا أخي، ولست ملزما بهذه التقديرات أبدا.
والله لو كان خيرا لسبقنا إليه الصحابة ﵃، فالصحابة أحرص منا على الخير.
فإذا قال قائل: ربما لم يكن في قلوبهم هذا التقدير لأنهم ما عرفوا عن كروية الأرض على وجه مفصل، ولا عرفوا أن الشمس تغرب مثلا عن أهل المدينة قبل أن تغرب عن أهل المغرب فلهذا لم يسألوا؟ .
فنقول: لو كان هذا من شرع الله لقيض الله له من يسال حتى يتبين؛ ولهذا لما أخبر النبي ﷺ أن أيام الدجال، فيها يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كأسبوع، انطق الله الصحابة ﵃ وقالوا: اليوم الذي كسنة تكفينا فيه صلاة يوم واحدة؟ قال: لا، اقدروا له قدره (١) . فلا تظن أبدًا أن شيئا يلزمنا في ديننا يمكن أن يغفل إطلاقا، لو لم يتكلم به الرسول ﷺ ابتداء فسوف يقيض الله له من يسال عنه لان الله يقول:) الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا) (المائدة: الآية ٣) .
لما انقسم أهل القبلة - يعني الذين ينتسبون إلى الإسلام - هذه الانقسامات صار الناس يؤلفون الكتب المبنية على الجدل والنزاع والخصومات التي لا
_________________
(١) ١٢- رواه مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته ، رقم (٢٩٣٧) .
[ ٣١ ]
نهاية لها، وإذا طالعت كتب هؤلاء خصوصا أهل التحريف الذين يسمون أنفسهم أهل التأويل، عجبت من التقديرات التي يقدرونها ويفصلون فيها ويجادلون فيها، في أمر لا يمكنهم إدراكه بالنسبة لما يتعلق بصفات الله ﷿، وجعلوا الحكم راجعا إلى ما تقتضيه عقولهم لا إلى ما يقتضيه الكتاب والسنة، فضلوا في ذلك ضلالا بينًا، وصاروا يتخبطون خبط عشواء، لا يعرفون من الحق شيئا.
ولقد ألف أهل السنة - الذين سلكوا مسلك السلف - كتبا كثيرة في العقيدة، مختصرة ومطولة ومتوسطة، ومن جملة ما ألف، هذه المنظومة التي نظمها السفاريني ﵀ على مذهب أهل السنة والجماعة، على أن فيها بعض الأشياء التي تحتاج إلى بيان، وسنبينه بحسب موضعه إن شاء الله.
[ ٣٢ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١- الحمد لله القديم الباقي مقدر الآجال والأرزاق
ــ
الشرح
قوله: (الحمد لله): يقول العلماء ﵏: الحمد هو وصف المحمود بالكمال على وجه المحبة والتعظيم، فإن كرر الوصف صار ثناء، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن الله ﵎ يقول: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال الحمد لله رب العالمين قال: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى علي عبدي» (١) .
فنفسر الحمد بأنه: وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم.
وقوله: (الحمد) «أل» هنا قالوا: إنها للاستغراق، يعني جميع المحامد ثابتة لله، واللام في قوله: «لله» قالوا: إنها للاستحقاق، أو للاختصاص، وإن شئنا قلنا: إنها للاستحقاق وللاختصاص؛ للاستحقاق لان الله تعالى مستحق للحمد، وللاختصاص لان المحامد كلها لا تكون ألا لله وحده فقط.
وقوله: (لله): الله، علم على الرب ﷾، رب العالمين، وهو علم مختص به لا يمكن أن يكون لغيره، وهذا العلم يكون دائما متبوعا لا تابعا، بمعنى انه هو الذي يتبع بالأسماء وليس بتابع؛ فمثلا قال الله تعالى:) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الفاتحة: ٢) قال: «لله»، ثم قال «رب العالمين»، ولم يقل «الحمد لرب العالمين الله» وقال: بسم الله الرحمن الرحيم، ولم
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الصلاة باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ، رقم (٣٩٥) .
[ ٣٣ ]
يقل: بسم الرحمن الرحيم الله، فدائما هو الذي تتبعه الأسماء وتلحق به.
وقوله (القديم) القديم يعني السابق لغيره، فهو بمعنى الأول فقد قال الله تعالى:) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الحديد: ٣) ولكن هذا الاسم بهذا اللفظ لم يرد لا في الكتاب ولا في السنة، وإذا لم يرد لا في الكتاب ولا في السنة فليس لنا أن نسمي الله به، لأننا إذا سمينا الله بما لم يسم به نفسه فقد قفونا ما ليس لنا به علم، وقلنا على الله ما لا نعلم، والله تعالى قد حرم ذلك فقال:) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف: ٣٣) .
وقال تعالى:) وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا) (الإسراء: ٣٦) .
وإذا سمينا الله بما لم يسم به نفسه فذلك جناية وعدوان، أرأيت لو أن شخصا سماك بغير اسمك ألا تعتبر ذلك جناية عليك؟
كذلك إذا سميت الله ﷿ بما لم يسم به نفسه فهذه جناية وعدوان في حق الخالق ﷿، فلا يحل لك ذلك، وإذا نظرنا في القرآن والسنة فلن نجد انه جاء من أسماء الله.
إذا: لا يجوز أن نسمي الله به أولا: لأنه لم يرد في الكتاب ولا في السنة.
وثانيا: لأن القديم ليس من الأسماء الحسنى، والله ﷿ يقول (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الأعراف: ١٨٠) فالقديم ليس من الأسماء الحسنى لأنه لا
[ ٣٤ ]
يدل على الكمال، فإن القديم يطلق على السابق لغيره سواء كان حادث أم أزليا، قال الله تعالى:) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) (يّس: ٣٩)، والعرجون القديم هو عذق النخلة الذي يلتوي إذا تقدم به العهد، ولا شك أنه حادث وليس أزليا، والحدوث نقص، وأسماء الله تعالى كلها حسنى لا تحتمل النقص بأي وجه.
فتبين بذلك أن تسمية الله بالقديم لا تجوز بدليل عقلي وبدليل سمعي؛ الدليل السمعي قول الله تعالى) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف: ٣٣)، وقوله تعالى:) وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (الإسراء: ٣٦)
أما الدليل العقلي فهو أن القديم ليس من الأسماء الحسنى لأنه يتضمن نقصا، حيث إن القديم قد يراد به الشيء الحادث، ومعلوم أن الحدوث نقص، فلو قال المؤلف ﵀ بدل القديم: الحمد لله العليم أو العظيم أو الكريم أو ما أشبه ذلك من الأسماء التي أثبتها الله لنفسه لكان أولى.
والأفضل من القديم: الأول، وذلك للأسباب الآتية:
الأول: لان الله تسمى به وهو اعلم بأسمائه.
والثاني: انه يدل على أن الله قبل كل شيء، وأنه أزلي.
والثالث: أن الأول قد يكون له معنى آخر غير السبق في الزمن، وهو المآل، فالأول يعني الذي تؤول إليه الأشياء، فيكون مأخوذا من الأول بمعنى الرجوع؛ لان مرجع كل شيء إلى الله، فيكون أوسع دلالة من القديم.
[ ٣٥ ]
إذًا تسمية الله بالقديم مما يؤخذ على المؤلف ﵀.
وقوله: (الباقي) يعني الذي يبقى بعد كل شيء، فهو بمعنى الآخر، أي الذي ليس بعده شيء، والآخر من أسماء الله، قال الله تعالى:) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ عَلِيمٌ) (الحديد: ٣) فكأن المؤلف ﵀ أتى بالقديم بإزاء الأول وأتى بالباقي بإزاء الآخر، ولكن في هذا نظر، فلم يرد من أسماء الله ﷿ أنه الباقي، وإنما جاء) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ والإكرام) (الرحمن: ٢٧) .
والصفة لا يشتق منها اسم، وقد ذكرنا في كتابنا «القواعد المثلى» أن كل اسم متضمن لصفة، وليس كل صفة يشتق منها اسم (١) .
فإذا قال الله تعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ) فلا يعني ذلك انه يجوز أن نسمي الله بالباقي.
فالصواب أن يجعل بدل هذين الاسمين الأول والآخر كما ثبت ذلك في القرآن والسنة.
وقوله: (مقدر الآجال والأرزاق) مقدر: أي جاعلها على قدر معلوم، والآجال: جمع أجل، وهو منتهى الشيء وغايته، ومنه عمر الإنسان، فإنه مقدر عند الله ﷿ بأجل معلوم؛ لا يتقدم ولا يتأخر، وكذلك ما يحدث من الحوادث فهي مقدرة بأجل معلوم لا تتقدم ولا تتأخر.
والأرزاق جمع رزق: وهو العطاء، والله ﷾ هو مقدر الأرزاق؛ يقسمها بين عباده حسب ما تقتضيه حكمته، وقد جاء في
_________________
(١) انظر القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى ص ٨
[ ٣٦ ]
الحديث: «إن من عبادي من لو أغنيته لأفسده الغنى، وإن من عبادي من لو أفقرته لأفسده الفقر» (١) والله ﷿ يرزق من يشاء، لكن حسب حكمته ورحمته، فقد يبتلي الله الإنسان بالفقر ليعلم أيصبر أم يجزع، وقد يبتلي الله الإنسان بالغنى ليعلم أيشكر أم يكفر، والله تعالى يقدر الأرزاق كلها.
فإذا قال قائل: إذا كان الله مقدر الآجال والأرزاق فهل يسوغ لنا أن لا نفعل ما يكون به الرزق؟
فالجواب.: انه لا يسوغ؛ لان الله تعالى إذا قدر شيئا فإنه يقدره بأسبابه، فإذا قدر الرزق لشخص فإنه يقدره لأسباب يقوم بها الشخص، وقد يكون لأسباب لا يقوم بها الشخص، كما لو مات للإنسان ميت فورثه فهذا ليس من فعله، لكن على كل حال تقدير الله تعالى للأشياء لا يستلزم ولا يسوغ أن ندع الأسباب النافعة.
_________________
(١) رواه الخطيب في تاريخ بغداد ٦/٥٠٤، وابن الجوزي في العلل المتناهية ٢٦.
[ ٣٧ ]
ثم قال المؤلف ﵀:
٢- حي عليم قادر موجود قامت به الأشياء والوجود
_________________
(١) الشرح قوله: (حي): الحي من أسماء الله، قال الله تعالى:) اللَّهُ لا إِلَهَ ألا هُوَ الْحَيُّ) (البقرة: الآية ٢٥٥) فالله ﷾ هو الحي ذو الحياة الكاملة، التي لم تسبق بعدم ولا يلحقها زوال، أي الحياة الكاملة بجميع صفات الكمال. وقوله: (عليم) العليم: أي ذو علم: والعلم إدراك الشيء على ما هو عليه، وعلم الله ﷾ شامل لكل شيء) إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ) (آل عمران: ٥) وقال تعالى:) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) (قّ: الآية ١٦) أي ما تحدثه به نفسه، وإن لم يخرجه للناس، بل يعلم ﷾ ما سيحدث فضلا عن الحادث. وقوله: (قادر) القدرة صفة يتمكن بها الفعال من الفعل بلا عجز، فالله ﷿ قادر بقدرة هي وصفه، فهو يفعل ﷿ دون أن يعجز. والقوة: صفة يتمكن الفاعل بها من الفعل بلا ضعف. واضرب مثلا يتبين به الفرق: إذا قيل لشخص: ارفع هذا الحجر فإذا زحزحه وعجز عن رفعه، نقول انه غير قادر، وإذا حمله لكن بمشقة شديدة، نقول: قادر ولكنه ليس بقوي، وإذا حمله بسهولة نقول: انه قوي. وعلى هذا فالقوة أكمل من القدرة، كما أن القوة أيضا اشمل من
[ ٣٨ ]
القدرة؛ لأنها - أي القوة - يوصف بها ذو الشهور وغيره، فيقال للإنسان قوي، وللحيوان قوي، وللحديد قوي، وللصخر قوي، أما القدرة فلا يوصف بها ألا ذو الشعور، ولهذا لا نقول للحديث انه قادر، ولا للصخر إنه قادر، لكن نقول إنه قوي.
فالرب ﷿ قادر، قال الله تعالى:) وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (المائدة: الآية ١٢٠) وقدرته لا يستعصي عليها شيء، فهو قادر على كل شيء، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان ما يتعلق به القدرة في كلام المؤلف ﵀.
وقوله: (موجود) كلمة موجود في الحقيقة إنها مقحمة إقحاما لا وجه له؛ لأنه يغني عنها قوله: «حي»؛ لان الحي موجود غير معدوم، وكلمة موجود ليست من الصفات الكاملة؛ لان الموجود قد يكون ناقصا وقد يكون كاملا، لكن يعتذر عن المؤلف ﵀ بأنه أتى بها من باب الخبر لا من باب التسمية، ويصح أن نخبر عن الله بأنه موجود، لن لا نسميه بذلك، كما يصح أن نقول إنه متكلم ولكن لا نسميه بذلك؛ لان الكلام ليس صفة مدح على كل حال، قد يتكلم الإنسان بالسوء فيكون كلامه نقصا، لكن أقول انه يتسامح عن المؤلف بأنه قصد الخبر.
وقوله: (قامت به الأشياء والوجود) قامت به - أي بالله ﷿ - الأشياء كلها؛ بل الوجود كله، ولولا الله ﷿ ما كان الوجود، ولا كانت الأشياء، ولولا الله ﷿ يمد هذه الأشياء والوجود بما تبقى به ما بقيت، فكل شيء قائم بالله ﷿، لقوله تعالى:) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأمره) (الروم: الآية ٢٥) فكل شيء من الأشياء والوجود قائم بالله ﷿؛ فهو الذي أوجدها، وهو الذي أمدها حتى بقيت، وهو الذي
[ ٣٩ ]
أعدها أي هيأها لما تكون صالحة له.
وقيام الشيء بالله ﷿ يشمل ثلاثة أشياء: الإيجاد، والإمداد، والإعداد.
أولًا: الإيجاد: فلولا الله ﷿ ما وجدت الأشياء، فهو الذي أوجد الأشياء ﷿ بقدرته وبحكمته، وهذه الأشياء الموجودة منها ما معلوم لنا، ومنها ما هو غير معلوم، فنحن لا نعلم ألا ما أعلمنا الله تعالى منها، ومع ذلك فما لم يعلمنا الله به أكثر مما أعلمنا عنه، قال الله تعالى: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (الكهف: الآية ٥١) فنحن لا نعرف ألا السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم والعرش والكرسي، لكن هناك مخلوقات من قبل لا ندري عنها؛ لان الله ﷾ لم يزل ولا يزال فعال، والفاعل والفعل لابد أن ينتج عن مفعول، فإذا قلنا إن من صفاته الأزلية أنه فعال، لزم من ذلك أن يكون هناك مفعول، فكل الأشياء كائنة بالله تعالى.
ثانيًا: الإمداد فالله تعالى هو الذي أمدها حتى تبقى، أرأيت النبات ينبت في الأرض، فإذا منع الله المطر فني النبات، وإذا أنزل الله المطر بقي النبات وزاد! إذا فإمداد هذه الموجودات بما يبقيها وينميها من عند الله ﷿.
ثالثًا: الإعداد: ويعني تهيئتها لما هي صالحة له، فالإبل مثلا للركوب، قال تعالى:) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ) (يّس: ٧١» وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ) (يّس: ٧٢) فالله أعدها وجعلها صالحة لما خلقت له، من حيث القوة والشكل واحدوداب الظهر حتى تقوى على التحمل، وإيجاد الشحم الكثير على ظهرها لئلا يرهقها الحمل، أو
[ ٤٠ ]
تنكسر العظام، أو يخل بها، إلى غير ذلك من الأشياء التي تكون مهيأة للشيء الذي أعدت له.
فقيام الأشياء بالله ﷿ يكون من حيث الإيجاد والإمداد والإعداد، وكل هذا قائم بالله ﷿.
ودليل هذا قول الله تعالى:) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأمره) (الروم: الآية ٢٥» فلولا أمر الله ﷿ الكوني ما قامت السماوات والأرض، وصلاح الأرض والسماء بالقيام بأمر الله الشرعي أيضا، ولهذا تعد معصية الله من الإفساد في الأرض.
ودليل آخر قوله تعالى:) اللَّهُ لا إِلَهَ ألا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم) (البقرة: الآية ٢٥٥) لان معنى القيوم القائم بنفسه القائم على غيره.
ودليل ثالث قوله تعالى:) أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) (الرعد: الآية ٣٣) يعني: كمن ليس كذلك، ومعلوم أن القائم على كل نفس بما كسبت هو الله ﷿، فصار الوجود كله قائما بالله تعالى إيجادا، وإمدادا، وإعدادا.
[ ٤١ ]
ثم قال المؤلف ﵀:
٣- دلت على وجوده الحوادث سبحانه فهو الحكيم الوارث
_________________
(١) ي فائدة لنا في قران لانعرف معناه؟ ! وهل يمكن أن نتم الشرح أراد المؤلف ﵀ أن يستدل على وجود الله ﷿ فاستدل بالحوادث على وجوده ﷾، يعني: أن حدوث الأشياء دليل على وجود الله ﷿، وتقرير هذا الدليل أن نقول: كل حادث لا بد له من محدث، وإذا تتبعنا الأشياء وجدنا أنه لا محدث لهذا الحادث ألا الله ﷿، ودليل هذا قوله تعالى:) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) (الطور: ٣٥) الجواب: لا هذا ولا ذاك، يعني: لا هم خلقوا من غير خالق، ولا خلقوا أنفسهم، وحينئذ يتعين أن يكون لهم خالق. والذي خلقهم هو الله ﷾، لأنه لا أحد يستطيع أن يقول عن نفسه: أنا الذي خلقت، حتى الأب والأم لا يستطيعان أن يقولا خلقنا ما في بطن الأم. فلو قال الأب أنا الذي خلقت ابني وجعلت له عينين ولسانا وشفتين وأصابع يدين ورجلين، قال الناس له: كذبت ملء شدقيك. أين أنت من الجنين في بطن أمه؟ ! هل شققت البطن وجعلت تسوي هذا؟! هل نفخت فيه الروح؟ إذًا من يدعي ذلك كذاب، ولا يمكن أن يدعي ذلك أحد. ولو قال قائل: إن الذي خلقه فلان الولي العظيم الكبير. فأين هو هذا الولي؟ أليس في قبره؟! والحق أن قائل هذا كذاب ألف مرة، ولو ذهب إلى قبر هذا الذي زعم لوجده إما أن يكون قد أكلته الأرض، أو هو جثة لا يملك لنفسه شيئا. فكيف يملك لغيره؟!
[ ٤٢ ]
إذًا فالحوادث دليل على وجود الله لدليل سمعي ودليل عقلي.
فالدليل السمعي: قوله تعالى:) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) (الطور: ٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ) (الطور: ٣٦) .
والدليل العقلي: أن كل حادث لابد له من محدث، ولا محدث للحوادث ألا الله ﷿.
ولكن ينبغي أن نسأل: هل المؤلف ﵀ أراد حصر الدليل على وجود الله ﷿ بهذه الطريق فقط؟ والجواب: لا. فإن كان أراد ذلك فلا شك أن هذا قصور، لان الأدلة على وجود الله ﷿ كثيرة؛ شرعية وعقلية وحسية وفطرية.
فدلالة الفطرة على وجود الله أقوى من كل دليل لمن لم تجتاله الشياطين، ولهذا قال الله تعالى:) فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) (الروم: من الآية ٣٠) بعد قوله:) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا) (الروم: الآية ٣٠) فالفطرة السليمة تشهد بوجود الله، ولا يمكن أن يعدل عن هذه الفطرة ألا من اجتالته الشياطين، ومن اجتالته الشياطين فقد وجد في حقه مانع قوي يمنع هذا الدليل.
إذا فكل حادث لابد له من محدث، والحقيقة أن دلالة الحوادث على المحدث دلالة حسية عقلية، أما كونها حسية فلأنها مشاهدة بالحس، وأما كونها عقلية فلأن العقل يدل على أن كل حادث لابد له من محدث، ولهذا سئل أعرابي بم عرفت ربك؟ فقال: الأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج ألا تدل على السميع البصير؟ والجواب: بلى.
[ ٤٣ ]
فهذا أعرابي استدل بعقله الفطري على أن هذه الحوادث العظيمة تدل على خالق عظيم ﷿، هو السميع البصير.
فالحوادث دليل على وجود المحدث، ثم كل حادث منها يدل على صفة مناسبة غير الوجود، فنزول المطر يدل بلا شك على وجود الخالق، ويدل على رحمته، وهذه الدلالة غير الدلالة على الوجود. وكذلك وجود الجدب والخوف والحروب تدل على وجود الخالق، وتدل على أمر ثان وهو غضب الله ﷿ وانتقامه، فكل حادث له دلالتان؛ دلالة كلية عامة تشترك فيها جميع الحوادث، وهي وجود الخالق، أي وجود المحدث، ودلالة خاصة في كل حادث بما يختص به؛ كدلالة الغيث على الرحمة ودلالة الجدب على الغضب، وهكذا.
كذلك فإن هناك أدلة أخرى على وجود الخالق؛ فجميع الشرائع دالة على الخالق، وعلى كمال علمه، وحكمته، ورحمته؛ لان هذه الشرائع لابد لها من مشرع، والمشرع هو الله ﷿.
وأيضا فإن هناك دلالة أخرى وهي النوازل التي تنزل لسبب، فهي دالة على وجود الخالق؛ مثل دعاء الله ﷿ ثم استجابته للدعاء، فهو دليل على وجوده ﷿، وهذه وإن كانت من باب دلالة الحادث على المحدث لكنها أخص، ولهذا لما دعا النبي ﷺ الله أن يغيث الخلق قال: «اللهم أغثنا اللهم أغثنا» (١) . ثم نشأ السحاب وأمطر قبل أن ينزل من المنبر، وهذا يدل على وجود الخالق، وهذا أخص من دلالة العموم.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الجمعة، باب الاستسقاء في خطبة الجمعة، ، رقم (١٠١٤)، ومسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء، رقم (٨٩٧) .
[ ٤٤ ]
ومن الدلائل رابعًا: الفطرة، فالفطرة السليمة تدل على وجود الخالق، وليست الفطرة التي فطر عليها الإنسان فقط، بل التي فطر عليها جميع الخلق، حتى البهائم العجم تعرف خالقها، قال الله تعالى: () تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ ألا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (الاسراء: الآية ٤٤»، (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ) يعني ما من شيء ألا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم، والمسبح لا يسبح ألا من يعرفه.
إذا: فالأدلة على وجود الخالق ﷿ أربعة: الحوادث على سبيل العموم، والشرائع، والحوادث الخاصة التي تكون لسبب، والفطرة.
ثم قال: (سبحانه فهو الحكيم الوارث) قوله: (سبحان) اسم مصدر سبح، والمصدر تسبيح، وأصل هذه المادة يدل على البعد، ومنه السبح في الماء لان السابح يذهب بعيدا، والمراد بتسبيح الله ﷿ تنزيهه المتضمن لبعده عن كل نقص، والنقص إما أن يكون في أصل الصفة، وإما أن يكون بمقارنتها بغيرها.
ففي أصل الصفة نقول: هو حي، عليم، قادر، حكيم، عزيز، فكل صفاته ليس فيها نقص، فهو حي حياة لا نقص فيها، سميع سمعا لا نقص فيه، عليم علما لا نقص فيه، فلا نقول مثلا إن علمه ﷿ مسبوق بجهل، أو أنه يلحقه نسيان.
والنقص باعتبار مقارنتها بغيرها: بأن ننزهه عن مماثلة المخلوقين؛ لان تمثيله بالمخلوقين يعتبر نقصا، فلا نقول مثلا إن وجه الله ﷿ كوجه المخلوق.
[ ٤٥ ]
فصار - بذلك - النقص دائرا بين شيئين:
الأول: نقص الصفة بذاتها فصفاته غير ناقصة.
والثاني: نقصها باعتبار مقارنتها بصفة المخلوق، فإنه لا مقارنة بين صفات الخالق وصفات المخلوق، فهو منزه عن النقص في صفاته، وعن النقص بمشابهته أو بمماثلته بالمخلوقين.
ونحن نقول في كل صلاة: (سبحان ربي الأعلى)، فهل نحن حينما نقول: (سبحان ربي الأعلى) نستحضر هذا المعنى أم نقول: (سبحان ربي الأعلى) باعتبار انه ذكر وثناء على الله؟ والجواب: أن الغالب على الناس عموما وخصوصا إنهم إذا قالوا: (سبحان ربي الأعلى) لا يشعرون ألا بالثناء على الله والتنزيه المطلق، ولا يستحضرون معنى: اللهم إني أنزهك يا ربي عن مماثلة المخلوقين، وعن كل نقص في صفاتك، فلا يشعر القائل بهذا المعنى ألا قليلا.
وقوله: (فهو الحكيم الوارث) . الحكيم مأخوذ من الحكم والإحكام؛ فالإحكام الذي هو فعل الحكمة أو وصف الحكمة، والحكم الذي هو القضاء، فلله ﷿ الحكم، وحكمه كله إحكام: أي إتقان، والإتقان يعني الحكمة؛ لان الإتقان أن يوضع الشيء في موضعه على وجه لا خلل فيه، والله ﷾ في أفعاله وأحكامه كذلك.
قال العلماء - ﵏ -: والحكم حكمان: حكم كوني، وحكم شرعي.
فمثال الحكم الكوني: قوله ﷾ عن أحد إخوة يوسف «) فَلَنْ
[ ٤٦ ]
أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي) (يوسف: الآية ٨٠» هذا حكم كوني وليس حكما شرعيا؛ لأنه من حيث الحكم الشرعي قد حكم الله له، فهذا حكم يتعين أن يكون حكما كونيا.
ومثال الحكم الشرعي قوله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة: ٥٠) هذا حكم شرعي ولا يتضمن حكما كونيا.
أما قوله تعالى: (له الحكم وإليه ترجعون) [القصص: ٨٨]) فهذا يشمل الكوني والشرعي، وكذلك قوله تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) (التين: ٨) يشمل الحكم الكوني والحكم الشرعي. إذا أحكام الله ﷿ كونية وشرعية.
فإذا قال قائل: نحن لا نشك في أن أحكام الله تعالى كونية وشرعية. لكن ما الفرق بينهما؟
فالجواب: أن الفرق بينهما من وجهين:
أولا: الحكم الكوني واقع لا محالة وشامل لكل أحد.
أما الحكم الشرعي فقد يقع وقد لا يقع، بمعنى أنه قد ينفذ وقد لا ينفذ، أما من حيث إن الله حكم به فهو واقع لا شك فيه. فالحرام حرام واقع، لكن هل ينفذ أو لا؟ قد ينفذ وقد لا ينفذ، وإذا قضى الله ﷿ بأن هذا واجب على العباد فقد يفعلونه وقد لا يفعلونه، لكن إذا حكم كونا بأن هذا واجب على العباد، أي: واقع عليهم فلابد أن يقع.
ثانيا: الحكم الكوني يكون فيما يرضاه الله وما لا يرضاه، فقد يحكم الله ﷿ بان يقع الكفر والشرك والزنا والفواحش، لكنه لا يرضاها شرعا.
[ ٤٧ ]
أما الحكم الشرعي فلا يكون ألا فيما يرضاه الله ﷿، إما أن يرضى وجوده وإما أن يرضى عدمه، فإن كان مأمورا به فقد رضي وجوده، وإن كان منهيا عنه فقد رضي عدمه.
وقوله (الحكيم) سبق أن الحكيم بمعنى الحاكم وبمعنى المحكم، وكل أحكام الله ﷾ الكونية والشرعية كلها محكمة مبنية على الحكمة، فما من حكم كوني حكم الله به ألا وهو مطابق للحكمة، وما من حكم شرعي حكم الله به ألا وهو مطابق للحكمة.
والحكمة نوعان: غائية وصورية:
أما الغائية: فهي بمعنى أن الشيء إنما كان لغاية حميدة.
والصورية: بمعنى أن كون الشيء على هذه الصورة المعينة لحكمة، فإذا تدبرت الصلاة وكونها على هذا الوجه: قيام، ثم ركوع، ثم قيام، ثم سجود، ثم قعود، هذه صورية مطابقة للحكمة تماما.
كذلك الغاية منها أيضا حكمة؛ فالغاية منها: الثواب والأجر عند الله ﷿.
وهكذا أيضا المخلوقات؛ فكون الشمس بهذا الحجم، وبهذه الحرارة وبهذا الارتفاع هذه صورية، هذا مناسب للحكمة تماما. ثم الثمرات الناتجة عن الشمس غائية.
فالحاصل أن حكمة الله ﷿ تتعلق بالشيء من حيث صورته، ومن حيث غايته، وكل ذلك مطابق للحكمة.
ولكن هل الحكمة معلومة للخلق؟ . والجواب: أن الحكمة قد تكون معلومة، وقد تكون غير معلومة، لكن كونها غير معلومة، وقد تكون غير معلومة، لكن كونها غير معلومة لا يعني إنها معدومة، بل إنها موجودة لكن لقصورنا أو تقصيرنا لم نصل إليها.
[ ٤٨ ]
والأحكام الشرعية إذا لم يعلم العلماء حكمتها سموها بالأحكام التعبدية، ولهذا لو قال قائل: ما الحكمة في أن تكون صلاة الظهر أربعا دون ثمان؟، قلنا: الحكمة تعبدية ليس للعقل فيها مجال.
فهم يقولون: إن علمت حكمة الحكم فهو حكم معقول المعنى، مع ما فيه من التعبد لله، وإن لم تعلم فهو حكم تعبدي ليس لنا أمامه ألا التعبد. وأيهما أقوى في التعبد: الامتثال لحكم التعبدي أو للحكم المعقول المعنى؟ الأول ابلغ في التذلل، فكونك تقبل الحكم وإن لم تعرف حكمته هذا أبلغ؛ لان كون الإنسان لا يقبل الحكم ألا إذا علم حكمته فيه نوع من الشرك، وهو عبادة الهوى، وأنه إذا وافق الشيء هواه وأدرك حكمته قبله واطمأن إليه ورضي به، وإن لم يكن صار عنده فيه تردد.
والناظر إلى الناس اليوم يجد أن أكثرهم يطلبون العلة العقلية، حتى إن بعضهم إذا قلت له: قال الله ورسوله. يقول: وما الحكمة؟ فهلا علم هؤلاء أنهم مأمورون إن كانوا مؤمنين أن تكون الحكمة عندهم قول الله ورسوله، ولهذا لما سئلت عائشة أم المؤمنين ﵂: «ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟» فأجابت: «كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (١)، إذا هذه هي الحكمة التي نجيب بها على هذا السؤال، وبهذه الحكمة لا يمكن لأحد أن يتكلم بعد ذلك إن كان مؤمنا.
لكن إذا ذهبنا نأتي بعلل معقولة، قد تكون مقصودة للشرع وقد لا تكون، أوردوا علينا وناقضونا؛ لان هؤلاء إنما يريدون الجدل، فكلما أتيت
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الحيض، باب وجود قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، رقم (٣٣٥) .
[ ٤٩ ]
بعلة نقضوها، ولهذا نقول لكل من سال: ما الحكمة في هذا؟ نقول: الحكمة قول الله ورسوله إن كنت مؤمنا لان الله ﷿ يقول: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أمرهمْ) (الأحزاب: الآية ٣٦) وبهذا نسد عليه الباب، فإن أراد أو حاول أن يجادل فإيمانه ضعيف لا شك؛ لان فرض المؤمن أن يقول: سمعنا وأطعنا.
وخلاصة القول أن باب الحكمة باب عظيم، ينبغي للإنسان أن يعقله وأن يؤمن به إيمانا تاما، وأن يعلم أن أفعال الله مقرونة بالحكمة، خلافا لمن قال: إن أمره وفعله لغير حكمة بل لمجرد المشيئة، فإن في هذا من تنقص الله ﷿ ما هو معلوم.
وقوله: (الوارث) هذا الاسم جاء في القرآن الكريم بصيغة الجمع وبالفعل؛ قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا) (مريم: الآية ٤٠) وقال تعالى: (وكنا نحن الوارثين) (القصص: ٤٠)، فالوارث معناه: الذي يرث من قبله، ولا شك أن الله هو الآخر الذي ليس بعده شيء، فإذا كان الآخر الذي ليس بعده شيء لزم أن يكون الوارث لكل شيء، فالله ﷾ هو الوارث لكل شيء. كل من سواه فإن الله ﷾ بعده، فهو الآخر الذي ليس بعده شيء.
فالحاصل أن هذه الأبيات الثلاثة الأولى كلها ثناء على الله ﷿، وقد اعتاد المصنفون ﵏ أن يبدأوا مصنفاتهم بالثناء على الله ﷿، ثم بالصلاة على رسوله ﷺ لان القصد الأول هو الله ﷿، والنبي ﷺ دال على الطريق الموصل إلى الله، فكان حقه بعد حق الله ﷾.
[ ٥٠ ]
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٤- ثم الصلاة والسلام سرمدا على النبي المصطفى كنز الهدى
ــ
الشرح
قوله: (ثم الصلاة والسلام سرمدا) ثم: أي بعد الثناء على الله أثنى بذكر حق الرسول ﷺ، وذلك بالصلاة والسلام عليه، وأعظم حقوق البشر حق النبي ﷺ، فهو أحق من الوالدين وأحق من الأقارب، بل وأحق من النفس ولهذا يجب تقديم محبته ﷺ على النفس، فيجب فداؤه بالنفس ﵊، ولا أحد من الخلق يجب فداؤه بالنفس ألا محمد ﷺ، ولا أحد من الخلق يجب تقديم محبته على النفس ألا محمد ﷺ، ولهذا لا يؤمن الإنسان حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ولا يمكن أن يؤمن الإنسان حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه حتى من نفسه.
وقوله: (ثم الصلاة والسلام سرمدا) يعني أبدًا. والصلاة تكلم العلماء ﵏ في معناها، ولكن أصح الأقوال فيها ما قاله أبو العالية الرياحي من أنها: ثناء الله على عبده في الملأ الأعلى (١)، فصلاة الله على رسوله يعني ثناءه عليه في الملا الأعلى، ومعنى ثنائه عليه في الملأ الأعلى أن الله تعالى يذكر أوصاف النبي ﷺ الحميدة عند الملائكة ويثني عليه.
وذهب بعض أهل العلم ﵏ إلى أن الصلاة هي الرحمة ولكن قولهم هذا ضعيف، والدليل على ذلك أن الله ﷾ ذكر الرحمة والصلاة في آية واحدة، فغاير بينهما، فقال: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) (البقرة: الآية ١٥٧) والعطف يقتضي المغايرة.
_________________
(١) رواه البخاري بصيغة الجزم
[ ٥١ ]
ووجه آخر أن العلماء ﵏ اتفقوا على جواز الدعاء بالرحمة لأي شخص من المؤمنين، واختلفوا في جواز الصلاة، وهذا يدل على أن الصلاة غير الرحمة، فالرحمة عامة، والصلاة أخص من مطلق الرحمة، والصحيح جوازها ما لم يتخذ شعارا لهذا الشخص المعين، فإن اتخذ شعارا لهذا الشخص المعين فهو ممنوع، لأنه خصه بخصيصة يفهم منها معنى فاسد.
فالصلاة إذا ثناء الله على عبده في الملأ الأعلى، فإذا صليت على النبي ﷺ، فقلت: اللهم صل على محمد، فالمعنى: اللهم أثن عليه في الملأ الأعلى، فإن قلت ذلك مرة فإن الله يصلي عليك عشرا، يعني إذا سألت الله أن يثني على رسوله مرة واحدة أثنى الله عليك عشر مرات.
وقوله: (والسلام) بمعنى السلام من كل آفة، والسلام على الرسول ﷺ من كل آفة.
فإن قال قائل: إن النبي ﷺ قد مات، فما معنى الدعاء له بالسلامة؟
فالجواب: أن دعاءنا له بالسلامة يشمل السلامة في الدنيا والسلامة في الآخرة.
ففي الآخرة: إذا لم يسلم الله البشر هلكوا، ولهذا كان النبي يمرون على الصراط، وكان دعاء الأنبياء يومئذ: «اللهم سلم اللهم سلم» (١) .
وفي الدنيا: ندعو أن الله يسلم الرسول ﵊، وذلك بان يسلمه من العدوان عليه، أي على جسده، أفليس قد ذكر في التاريخ أن رجلين أرادا أن يستلبا جسد النبي ﵊؟ إذا فنحن ندعو الله
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب فضل السجود، رقم (٨٠٦)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، رقم (١٨٢) .
[ ٥٢ ]
أن يسلمه حتى في الدنيا أي يسلم جسده.
ثم ربما يقال إن المسالة أوسع من ذلك، بأننا نسأل الله تعالى أن يسلمه في الدنيا أي يسلم شريعته من أن ينالها أحد بسوء؛ لان شريعة الإنسان لا شك أنه يذود عنها كما يذود عن نفسه، فالإنسان يذود عن مبدئه وعن شريعته وعن طريقه كما يذود عن نفسه، وما أكثر الذين يستميتون من اجل تحقيق دعوتهم.
إذا: فالسلام على رسول الله ﷺ يكون في الدنيا والآخرة، ويكون بسلامته ﵊ نفسه، وبسلامة شريعته.
وقوله: (على النبي): النبي: هل هو بالهمز وخفف أو بالياء التي أصلها الواو؟ قيل: إن أصله من النبوة، من نبا ينبو نبوا، وهو الارتفاع؛ لان نبا بمعنى ارتفع، ولا شك في ارتفاع رتبة النبي ﷺ، وعلى هذا فيكون النبي أصلها النبيو لكن اجتمعت الواو مع الياء وسبقتها الياء بالسكون فقلبت الواو ياء فصارت النبي.
وقيل: إنه من النبأ بمعنى الخبر، لان النبي منبأ ومنبئ، ولكن سهلت الهمزة إلى ياء لكثرة الاستعمال، فأصلها النيئ، ثم سهل صارت النبي.
والقاعدة: أنه إذا احتمل اللفظ معنيين لا يتنافيان حمل عليهما جميعا، فنقول هو مشتق من هذا ومن هذا؛ لان النبي ﷺ رفيع المنزلة، وهو أيضا منبئ ومنبأ.
وقوله: (المصطفى): يعني المختار، لأنه مأخوذ من الصفوة، وصفوة الشيء خياره، فهو ﷺ مصطفى أي مختار على جميع الخلق، فهو ﷺ أفضل الرسل، والرسل أفضل الخلق.
[ ٥٣ ]
والدليل على أنه أفضل الرسل:
أولا: أن الله ﵎ قال: () وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ) (آل عمران: الآية ٨١) فالتزموا بذلك: (قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران: الآية ٨١) فهذه الآية نص صريح في أن محمدا ﷺ إمام الأنبياء، وأنه يجب عليهم أتباعه؛ لان الذي جاء مصدقا لما معهم، هو الرسول ﵊، كما قال الله ﵎: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) (المائدة: الآية ٤٨) .
ثانيا: أنه في ليلة المعراج، لما صلى الأنبياء كان إمامهم محمدا ﷺ، فهو صفوة الصفوة ﵊، ولهذا نقول: المصطفى.
فإذا قال قائل: أليس الله تعالى قد اتخذ إبراهيم خليلا، والخلة أعلى أنواع المحبة؟
فالجواب: بلى، لكنه قد اتخذ أيضا محمدا خليلا، كما قال النبي ﵊: (إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا) (١) .
فإن قال قائل: أليس الله تعالى قد كلم موسى تكليما؟
فالجواب: بلى، ولكنه أيضا كلم محمدا ﷺ تكليما، فإذا كان الله قد كلم موسى وموسى في الأرض، فقد كلم ﷾ محمدًا ومحمد فوق السماوات السبع. فما من صفة كمال لنبي من الأنبياء ألا ولرسول الله
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، رقم (٥٣٢) .
[ ٥٤ ]
ﷺ مثلها أو خير منها، وما من آية لنبي ألا كان لمحمد ﷺ مثلها أو لإتباعه، ومعلوم أن الكرامات للأتباع كالمعجزات للنبي المتبوع.
وهناك كلمة يقولها من يزعمون أنهم يعظمون الرسول ﷺ، حيث يقولون: محمد حبيب الله وإبراهيم خليل الله، وهذا نقص في جانب الرسول ﵊؛ لان الخلة أعلى من المحبة، ولهذا نقول إن الله يحب المحسنين والمتقين، ولا نقول أنه خليل للمحسنين والمتقين، ويحب الأنبياء، ولا نقول إنه خليل لهم ألا لمحمد وإبراهيم، ومن سواهم من الأنبياء لا نثبت لهم الخلة، بل نثبت لهم المحبة - بلا شك -، ونثبت المحبة للمؤمنين وللمحسنين وللمقسطين وما أشبه ذلك، لكن الخلة أعظم وأكمل.
مسالة: هل المصطفى من أسماء النبي ﷺ؟
الجواب: لا، بل الظاهر أنه من أوصافه، والعجيب أن بعض الناس يكرر فيقول: قال المصطفى وقال المصطفى مع أن الصحابة ﵃ اشد منا تعظيما للرسول ﵊، وأعلم منا بمناقبه ولم يقولوا ذلك؛ فلم يقل أبو هريرة: قال المصطفى، ولا قاله أحد من الصحابة، وفي كل كتب الحديث يقول الصحابي: قال رسول الله، قال نبي الله، قال أبو القاسم، وما أشبه ذلك، لكن الناس في الوقت الحاضر ابتلوا بصياغة الألفاظ، ولم ينظروا إلى من سبقهم، والحقيقة أنه ينبغي لنا أن ننظر إلى من سبق.
ومثل ذلك ما يقوله بعض الناس الآن إذا أراد أن يقول: قال الله تعالى، يقول: قال الحق، وهذا قول الحق. ولا شك أن الله هو الحق المبين لكن يا
[ ٥٥ ]
أخي قل: قال الله. فالنبي ﵊ - وهو لا شك أنه اعلم بالله منك، وأشد تعظيما لله منك - كان إذا أراد أن يتحدث عن الله ﷿ بالحديث القسي يقول: «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك» (١) . ولم يقل ﷺ: قال الحق، ولكن بعض الناس يريد أن يجدد، والتجديد في مثل هذه الأمور لا ينبغي، وإتباع السلف في هذه الأمور أولى من التجديد.
وقوله: (كنز الهدى): يعني أن الرسول ﵊ هو الكنز، لكن ليس كنز الذهب والفضة، ولكنه كنز الهدى، أي: هدى الدلالة والإرشاد، فالنبي ﵊ هو العلم والمنار الذي يهتدي به، لكنه ليس كنز الهدى الذي بمعنى التوفيق، فإن الرسول ﷺ لا يستطيع أن يهدي أحدًا أبدًا.
ولو كان النبي ﷺ يستطيع أن يهدي أحدًا لهدى عمه أبا طالب الذي أحسن إليه، ودافع عنه، وناضل عنه، وحماه. ومع ذلك كان يقول له عند موته: «يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله» (٢)، ولكنه والعياذ بالله قد حقت عليه كلمة العذاب، فلم يقل هذا، وإنما كان آخر قوله: هو على ملة عبد المطلب، فأبى أن يقول لا إله ألا الله، ولكن من اجل أن هذا الرجل دافع عن الإسلام، وحمى النبي ﷺ وأتباعه، جازاه الله ﷿ بجزاء لم يكن لغيره من لكافرين، فأذن الله لنبيه أن يشفع فيه فشفع فيه النبي ﵊، أي في أبي طالب، فكان في ضحضاح من نار وعليه
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله، رقم (٢٩٨٥) .
(٢) رواه البخاري، كتاب المناقب، باب قصة أبي طالب، رقم (٣٨٨٤) .
[ ٥٦ ]
نعلان من نار يغلي منهما دماغه، أعوذ بالله، وهو أهون أهل النار عذابا (١)، إذا كان الدماغ يغلي وهو أبعد ما يكون عن النعلين، فما بالك بما تحته؟!.
ولهذا نقول إن الرسول ﷺ (كنز الهدى)، أي هدى العلم والدلالة دون التوفيق والعمل، فإنه لا يستطيع أن يهدي أحدًا هداية توفيق وعمل، وإذا كان هذا في حق الرسول ﷺ ففي حق غير الرسول من باب أولى، وبناء على ذلك فنحن لا نملك هداية الناس هداية توفيق، وإنما علينا أن نهديهم هداية دلالة وإرشاد، ونسأل الله أن يعيننا على ذلك، فما أكثر ما قصرنا حتى في الدلالة والإرشاد، فنحن وظيفتنا أن ندل ونرشد ونبين وندعو ونأمر وننهي ونغير، وكل هذا بقدر الاستطاعة.
فهنا بيان ودعوة وأمر وتغيير. وكثير من الناس يظنون أن معناها واحد، وليس كذلك:
فالبيان: أن تبين بيانا عاما للناس.
والدعوة: أن تقول افعلوا - يا أيها الناس - وتدعوهم، كالذي يدعو الغنم للشرب وما أشبه ذلك.
والأمر: أن تقول يا فلان افعل كذا، فالأمر أخص من مجرد الدعوة، ثم بعد ذلك التغيير وهو أعلى شيء كما لو رأيت مثلا آلة لهو فلا تنهى وتقول: يا فلان لا تستعملها، بل تأخذها وتكسرها.
وكل هذا والحمد لله منوط بالاستطاعة لقول النبي ﷺ: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه» (٢)
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب أهون أهل النار عذابا، رقم (٢١٢، ٢١٣) .
(٢) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان ، رقم (٤٩) .
[ ٥٧ ]
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٥- وآله وصحبه الأبرار معادن التقوى مع الأسرار
_________________
(١) الشرح قوله: (وآله وصحبه الأبرار) الآل تطلق على معان، وأصح ما تقول فيها: إنها إن قرنت بالإتباع فالمراد بها المؤمنون من قرابته، وذلك مثل أن نقول: وآله وأتباعه؛ وذلك لان العطف يقتضي المغايرة، وإذا ذكرت وحدها ولم تقرن بالإتباع، فالمراد بآله أتباعه على دينه، ويشمل المؤمنين من قرابته، وهذا هو أصح ما قيل في الآل. وعبارة المؤلف ﵀ ليس فيها ذكر الأتباع، حيث قال: (وآله وصحبه) إذا نقول: المراد بآله هم أتباعه على دينه. وفي التشهد نقول: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد» فالمراد بالآل هنا أتباعه على دينه، لأنه لم يذكر الأتباع، لكن إذا قلنا: اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان. صار المراد بالآل المؤمنين من قرابته، وقد قال الناظم: آل النبي هم أتباع ملته من الأعاجم والسودان والعرب لو لم يكن آله ألا قرابته صلى المصلي على الطاغي أبي لهب لان أبا لهب من قرابته، لكن الصواب أن الذين قالوا إن الآل هم القرابة لا شك أنهم يريدون المؤمنين من قرابته؛ لأنه لا يمكن أبدًا لأي مؤمن أن يقول: إنني إذا قلت: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، أنني اقصد
[ ٥٨ ]
أبا لهب، بل يجب علينا أن نتبرأ من أبي لهب ومن غيره من أقارب الرسول علي الصلاة والسلام ممن مات على الكفر.
مسالة: هل زوجات النبي ﷺ يعتبرون من آله؟
الجواب: الصحيح أنهن من آله.
وقوله: (وصحبه)، الصحب والأصحاب والصاحب - في اللغة العربية - تدل على المرافق الملازم، ولهذا نقول إن أصحاب النار هم أهلها الخالدون فيها، ولا يكون الإنسان صاحبا ألا بملازمة طويلة، ألا أصحاب رسول الله ﷺ فإن مجرد الملاقاة مع الإيمان به تكون بها الصحبة؛ فالصحابي من اجتمع برسول الله ﷺ مؤمنا به ومات على ذلك، حتى وإن لم يجتمع به ألا لحظة واحدة فهو صحابي.
وقوله: (الأبرار): جمع بر، وضدها الفجار، قال تعالى: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ) (المطففين: ٧) وبعد ذلك قال: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ) (المطففين: ١٨) .
فالأبرار جمع بر، وضده الفاجر، والبر في الأصل كثير الخير، ومنه قوله تعالى: (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) (الطور: ٢٨) فالأبرار هم الذين أكثروا من الأعمال الصالحة.
ولا نعلم أحدًا من الخلق أكثر عملا في الصالحات من الصحابة ﵃، ولهذا قال النبي ﵊: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» (١) ويجب علينا نحن خلف الأمة أن نعرف لهؤلاء
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا اشهد، رقم (٢٦٥٢)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ﵃، رقم (٢٥٣٣) .
[ ٥٩ ]
السلف حقهم وقدرهم، وأن نحترمهم في أقوالهم وأفعالهم ما وجدنا لها مكانا في الاحترام.
ومن المؤسف أن من الخلف اليوم ولا سيما بعض المدعين للاجتهاد، الذين يدعى أنهم مجتهدون على الإطلاق، وإنهم كالثريا بالنسبة للثرى مع العالم الآخر، من المؤسف أن هؤلاء عندما تقول لهم: قال فلان من الصحابة المعروفين بالفقه والعلم، يقول: هذا قول صحابي، ولا نوافق، وبهذه البساطة يتكلم بهذا الكلام، ويقول: قول صحابي ولا نعمل به.
حتى إن بعضهم قال: إن الأذان الأول للجمعة بدعة لان النبي ﷺ لم يسنه، فإذا قيل له: إنه سنة الخليفة الراشد الذي أمرنا بإتباعه، عثمان بن عفان ﵁، قال: وإن سنه، أنه ليس سنة الرسول ﵊.
وبهذا حكم على خليفة المسلمين الثالث، وعلى المسلمين عموما بالضلال، لأني لا اعلم إلى ساعتنا هذه أن أحدًا من الصحابة أنكر على عثمان ﵁ هذا الأذان، فيكون الصحابة ﵃ مجمعين على إقرار الضلالة، ويكون الخليفة الراشد ضالا؛ لان كل بدعة ضلالة.
وهذا - والعياذ بالله - غرور بالنفس وزهو، ولا شك أن من ترافع إلى هذا الحد سوف يضعه الله، وان من تواضع لله رفعه الله، ويجب علينا أن نعرف لهؤلاء السلف حقهم ومنزلتهم عند الله، في العلم، وفي العبادة، صحح إذا قال أحدهم قولا مخالفا للكتاب والسنة - والإنسان غير معصوم - فلنا أن نرده لكن نرده مع الاعتذار عنهم، أما أن نرد بهذه الوقاحة في أمر اجتهادي،
[ ٦٠ ]
قد يكون الصواب مع الصحابة لا معك، هذا غلط.
وحدثني بعض الأخوة أنه جاءهم رجل وقال لهم: إن التكبير: «الله اكبر الله اكبر لا إله ألا الله، والله اكبر الله اكبر ولله الحمد»، هذا ليس بصحيح، ولا يقال، لأنه لم يصح عن النبي ﷺ، وأغفل أنه مروي عن عمر وعلي بن أبي طالب ﵄؛ خليفتان من خلفاء المسلمين، أن صفة التبكير: «الله اكبر الله اكبر لا إله ألا الله، والله اكبر الله اكبر ولله الحمد»، وعن ابن مسعود وغيره من الصحابة ﵃ التكبير ثلاث مرات، فكيف نقول: إن هذا لا يقال لأنه قول صحابي وليس فيه حديث عن الرسول ﷺ؟!
ثم إن قول الصحابي خير من قولك، وأنا لا أقول عين هذا القول، ولكن أقول لا تنكر هذا القول لان الإنكار يحتاج إلى دليل، وقول الصحابي إذا لم يخالف الدليل دليل، وهذا على قاعدة الإمام أحمد ابن حنبل ﵀، وعلى ظاهر الأدلة العامة، قال رسول الله ﷺ: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» (١) .
فالمهم أنه ينبغي لنا أن نحذر من هؤلاء وطريقتهم، الذين لا يقيمون وزنا للسلف الصالح، ولا يحترمونهم، ويعدون القول منهم كقول السوقة من الناس اليوم، فإن الواجب أن نحترم أقوالهم، وإذا رأيناها مخالفة للدليل نطلب لهم العذر؛ ونقول لعله لم يبلغه، أو لعله تأول، والصحابة رضي الله
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٥٩.
[ ٦١ ]
عنهم لما علموا أن عثمان ﵁ بإتمامه الصلاة في منى ليس على صواب، ما شنعوا عليه ولا انفصلوا عنه في الصلاة، بل أتموا الصلاة.
ومن ذلك أنا رأينا في المسجد الحرام أقواما إذا صلوا خمس تسليمات انصرفوا، بحجة أن هذا الإمام مبتدع، وسبب ذلك عندهم قول أم المؤمنين عائشة ﵂: «كان النبي ﷺ لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة» (١) . إذا فما زاد على ذلك فهو بدعة.
وكأنه نسي أن الذي كان لا يزيد على إحدى عشرة ركعة، قال حين سأله السائل عن صلاة الليل: «صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح، صلى واحدة» (٢) ولم يحدد الرسول ﷺ ذلك بعدد بل قال: إذا خشيت الصبح - ولو كنت مصليا مائتي ركعة -، فصل ركعة توتر لك ما صليت.
ثم نسي قول الرسول ﵊: «إنما جعل الإمام ليؤتم به» (٣) وهذا إمام شرعي مجعول في المسجد الحرام أو المسجد النبوي أو غيره من المساجد.
وكأنه نسي أن الرسول ﷺ قال: «من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الجمعة، باب قيام النبي ﷺ بالليل، رقم (١١٤٧)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل ، رقم (٧٣٨) .
(٢) رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب الحلق والجلوس في المسجد، رقم (٤٧٣)، ومسلم كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل مثنى مثنى، رقم (٧٤٩) .
(٣) رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة في السطوح ، رقم (٣٧٨)، ومسلم كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام، رقم (٤١١) .
[ ٦٢ ]
قيام ليلة» (١) ولو كان نبينا ﵊ قال: من زاد عن احدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة فلا تصلوا خلفه، لكان انصراف هذا الرجل على حق، لكن أنى له ذلك؟! بل قال: «من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) .
فأنا أحذر من هؤلاء وطريقتهم، وأقول: إنه يجب علينا أن نحترم أقوال سلفنا الصالح، ولكننا لا نعتقد عصمتهم، بل نقول: إن الخطأ جائز عليهم كما هو علينا أجوز، ولكن إذا رأينا خطأ بينا مخالفا للكتاب والسنة فإننا لا نقبله، ولكن نعتذر عمن علمنا حسن قصده.
حتى من بعد الصحابة - ﵃ -، فهناك أئمة يخطئون، وهناك أتباع للأئمة لكنهم أئمة في مذاهبهم يخطئون، ولكن لا نتخذ من هذا الخطأ جفاء معهم ولا ينبغي الكلام عليهم بما لا ينبغي، بل إذا أخطئوا اعتذرنا عنهم، وقلنا: نحن لا نتبع ألا ما قام الدليل عليه، ولكن هؤلاء اخطئوا وربما يكون لهم عذر، ومن قرأ كتاب شيخ الإسلام ﵀ رفع الملام عن الأئمة الإعلام، تبين له كيف يعامل الأئمة والعلماء - ﵏ -.
أما أن نستعز بأنفسنا ويرى الواحد منا نفسه كأنه رسول يوحى إليه، فهذا خطأ عظيم. والغالب أن هؤلاء يحرمون بركة العلم، ولا أعني ببركة العلم ألا يكون عندهم علم واسع، بل قد يكون عندهم علم واسع، لكن يحرمون بركته؛ من خشية الإنسان لربه ﷿ وإنابته إليه، والحقيقة أن
_________________
(١) رواه الترمذي، كتاب الصوم، باب ما جاء في قيام شهر رمضان، رقم (٨٠٦)، والنسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب قيام شهر رمضان، رقم (١٦٠٥)، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في قيام شهر رمضان، رقم (١٣١٧) .
[ ٦٣ ]
العلم إذا لم يثمر خشية الله ﷿، والإنابة إليه، والتعلق به ﷾، واحترام المسلمين، فإنه علم فاقد البركة، بل قد يختم لمن سلك هذا الملك بخاتمة سيئة، مثلما علمنا أناسا علماء فطاحل، لكنهم - والعياذ بالله - ختم لهم بسوء الخاتمة لأنهم اعتزوا بأنفسهم، وفخروا بأنفسهم، وازدروا غيرهم، وهذا خطير جدا نسأل الله أن يعافينا وبقية إخواننا المسلمين من ذلك.
وقوله: (معادن التقوى مع الأسرار) المعدن: أصل الشيء، ومنه المعادن الأرضية التي هي أصل هذه الجواهر النفيسة.
وقوله: (التقوى): أصلها وقوى مأخوذة من الوقاية، والتقوى: هي اتخاذ الإنسان وقاية من عذاب الله، بفعل أوامره واجتناب نواهيه. وهذا هو اجمع ما قيل فيها.
إذًا: فالتقوى اسم جامع لفعل الأوامر وترك النواهي، لكن أحيانا يقال: البر والتقوى، فإذا قيل البر والتقوى، صار البر فعل الطاعات والتقوى ترك المنهيات.
وإلا فإن ذكرت التقوى وحدها شملت البر، وإن ذكر البر وحده شمل التقوى.
وقوله: (مع الأسرار): الأسرار جمع سر، والمراد به هنا الاطلاع على خفايا العلوم والمناهج. والمناهج يعني السبل والطرق والأخلاق التي يتخلقون بها، فلا أحد أعمق علما من الصحابة ﵃، ولا أحد أقل تكلفا من الصحابة ﵃، ولذلك لو جمعت كل ما روي عن
[ ٦٤ ]
الصحابة ﵃ في أبواب العلم لوجدته ينقص كثيرا عن مؤلف من مؤلفات علماء الكلام؛ الذي ليس فيه ألا حشو الكلام الذي لا منفعة فيه، بل فيه مضرة؛ أدناها إضاعة الوقت.
وأنت تجد كلام الصحابة ﵃ سهلا واضحا سلسلا، ليس فيه تكلف ولا تشدد، بل كله مبني على السهولة، لما افطر الناس في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قبل أن تغرب الشمس - لأنها كانت غيما - ثم طلعت الشمس، قالوا: يا أمير المؤمنين إن الشمس قد طلعت، قال: «الخطب سهل إننا لم نتجانف لإثم» كلمات يسيرة واضحة سهلة بينت الحكم والحكمة، الخطب سهل لأننا لم نتجانف لإثم، إذا لا شيء علينا، وفي رواية أخرى قال: «الخطب سهل نقضي يوما مكانه» فيكون له في المسألة قولان.
فعلم السلف ﵏ وخصوصا الصحابة ﵃، وخصوصا الخلفاء الراشدين، تجده سهلا بينا واضحا، حتى النفس تلتذ له ولسماعه، فهذا هو المقصود بقول المؤلف ﵀ (الأسرار) فالأسرار إذا جمع سر، والمراد بها خفايا العلوم والأخلاق التي تكون عند الصحابة ﵃، بدون تكلف وبدون تعمق، بل بكل سهولة تجري على النفوس وعلى القلوب مجرى سهلا هينًا.
[ ٦٥ ]
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٦- وبعد فاعلم أن كل العلم كالفرع للتوحيد فاسمع نظمي
٧- لأنه العلم الذي لا ينبغي لعاقل لفهمه لم يبتغ
_________________
(١) الشرح قوله: (وبعد فاعلم) بعد: أي بعد ما ذكر من الحمد والثناء على الله ﷿، والصلاة والسلام على رسوله وآله، (فاعلم ) وبعدها مضمومة ضمة بناء؛ لأنه حذف المضاف إليه ونوي معناه، وهذه الكلمات - بعد وأخواتها - يقول النحويون فيها إنها لا تخلو من أربع حالات: الحال الأولى: أن يحذف المضاف إليه وينوى معناه وحينئذ تبنى على الضم. الحال الثانية: أن يحذف المضاف إليه وينوى لفظه وحينئذ تعرب بالحركات غير منونة، فتجر في حال الجر؛ وتنصب في حال النصب، وما أمكن أن يرفع منها يرفع في حال الرفع لكن غير منون؛ لأنه قد نوى لفظ المضاف إليه، والكلمة إذا أضيفت لا تنون، كما قيل: كأني تنوين وأنت إضافة فأين تراني لا تحل مكاني الحال الثالثة: أن يذكر المضاف إليه فتعرب بالحركات حسب العوامل ولكن بغير تنوين. الحال الرابعة: أن يحذف المضاف إليه ولا ينوى لا لفظه ولا معناه،
[ ٦٦ ]
وحينئذ تعرب بالحركات منونة، قال الشاعر:
فساغ لي الشراب وكنت قبلا أكاد أغص بالماء الفرات
فقال: وكنت قبلا.
وأكثر ما ترد هذه الكلمات مبنية على الضم؛ لان المضاف إليه يكون محذوفا وينوى معناه.
إذا: (وبعد) هنا مبنية على الضم؛ لأنه حذف المضاف إليه ونوى معناه.
وقوله: (فاعلم) الفاء رابطة في جواب شرط مقدر، لان التقدير (وبعد) هو (وأما بعد) .
(فاعلم أن كل العلم كالفرع للتوحيد) أمر المؤلف ﵀ أن تعلم؛ لان المقام مقام ينبغي أن يهتم به، وهو أن يعلم الإنسان أن جميع العلوم كالفرع للتوحيد؛ كعلم الفقه والتفسير والحديث وغيرها كلها فرع لعلم التوحيد؛ لان التوحيد هو الأصل الذي ينبني عليه دين العبد، ولا يمكن أن يقوم دين ألا بتوحيد (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ ألا اللَّهُ) (محمد: الآية ١٩) .
وقول المؤلف ﵀: (كالفرع للتوحيد) يعني بأقسامه الثالثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، فكل العلوم بل والأعمال أيضا، مدارها على التوحيد، فالتوحيد هو الأصل وما سواه فهو فرع.
وقوله: (فاسمع نظمي) أمر بان تعلم وان تسمع.
[ ٦٧ ]
(نظمي) أي منظومي الذي سأنظمه وأقوله؛ لان ما سينظمه ﵀ في علم التوحيد، ولهذا أمر بان تسمع إليه سماع انتفاع.
ثم علل كون العلوم كالفرع للتوحيد بقوله:
لأنه العلم الذي لا ينبغي لعاقل لفهمه لم يبتغ
قوله: (لأنه): أي علم التوحيد.
وقوله: (العلم الذي لا ينبغي) أي لا يصلح ولا يستقيم ولا يمكن للإنسان العاقل أن لا يبتغي فهمه، اللام في قوله: «لفهمه» زائدة، يعني لا ينبغي لعاقل لم يبتغ فهمه، أي: أنه لا ينبغي لعاقل أن يدع فهم علم التوحيد، لأنه الأصل، وإذا كان هو الأصل وجب أن يقدم على غيره، لان الفرع لا يبنى ألا على أصل.
[ ٦٨ ]
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٨- فيعلم الواجب والمحالا كجائز في حقه تعالى
_________________
(١) الشرح قوله: (فيعلم) يعني من جملة علم التوحيد، أن به يعلم الواجب والمحال والجائز في حق الله تعالى. فيعلم الواجب في حق الله، ويعلم المستحيل في حق الله، ويعلم الجائز في حق الله، فالأقسام إذا ثلاثة: واجب، ومستحيل، وجائز، ويقال للواجب أحيانا اللازم، ويقال للمحال أحيانا الممنوع، ويقال للجائز أحيانا الممكن، والمدار على المعنى. أما الواجب في حق الله تعالى: فهو ما لا يتصور عدمه بالنسبة إليه، فكل شيء لا يتصور عدمه بالنسبة لله فهو واجب، فمثلا الحياة من الواجب، والعلم من الواجب، والقدرة من الواجب، والقوة من الواجب، والأمثلة في هذا كثيرة، فكل ما لا يتصور عدمه فهو واجب. وأما المستحيل: فهو كل ما لا يتصور وجوده، فالذي لا يتصور وجوده هو المستحيل، مثل الموت والعجز والضعف والجهل والنسيان وما أشبه ذلك. فهذا كله ممتنع في حق الله ﷿. والضابط في هذا أن كل كمال فهو من الواجب في حق الله تعالى، وكل نقص فهو من الممتنع في حق الله ﷿. وأما الجائز: فهو ما جاز وجوده وعدمه بالنسبة للخالق، مثل النزول إلى
[ ٦٩ ]
السماء الدنيا، والاستواء على العرض، وخلق شيء معين كخلق ذباب مثلا، وخلق السماوات، وخلق الأرض، هذا من الأمور الجائزة، لأنه يجوز أن لا يخلق الله هذا لاشيء ويجوز أن يخلقه؛ فلو لم يخلقه لم يكن ذلك نقصا، ولو خلقه لم يكن نقصا، والاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا كلها من الأمور الجائزة.
فإذا قال قائل: إن إثبات الجائز في حق الله ممنوع لأنه إن كان وجوده كمالا كان عدمه نقصا، وإن كان عدمه كمالا كان وجوده نقصا، وحينئذ لابد أن يكون إما موجودا فيكون من الواجب أو معدوما فيكون من المستحيل، فلا يتصور شيء جائز في حق الله؟
فالجواب على هذا أن نقول: هو كمال في حال وجوده، نقص في حال عدمه إن كان من الموجودات، أو هو كمال في حال عدمه نقص في حال وجوده، فمثلا إذا اقتضت الحكمة أن يوجد هذا الشيء فوجد صار كمالا، ووجوده قبل اقتضاء الحكمة نقص، وإذا اقتضت الحكمة عدمه كان وجوده نقصا، ووجوده في حال اقتضاء الحكمة عدمه نقص.
وبهذا يمكن أن نقول إن هناك شيئا جائزا في حق الله، ويكون وجوده في حال اقتضاء الحكمة كمالا، ويكون عدمه في حال اقتضاء الحكمة كمالا، فنزول الله إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، في هذه الحال كمال، وفي غير هذه الحال لا يكون كمالا؛ لان الله ﷿ اقتضت حكمته أن يكون نزوله في هذا الوقت فقط، ولو اقتضت الحكمة أن ينزل في غير هذا الوقت ولم ينزل كان عدم النزول نقصا، وهذا شيء مستحيل في
[ ٧٠ ]
حق الله ﷿.
فالحاصل: أنه لو أورد علينا إنسان إيرادا، وقال: إن تقسيمكم الأشياء إلى ثلاثة: واجب ومستحيل وجائز، تقسيم غير صحيح. فالشيء إما واجب وإما مستحيل، أما جائز فلا؛ لأنه إن كان وجوده كمالا وجب أن يكون موجودا دائما، وإن كان عدمه كمالا وجب أن يكون معدوما دائما، نقول هو كمال في حال وجوده إذا اقتضت الحكمة وجوده، وهو كمال في حال عدمه إذا اقتضت الحكمة عدمه، وحينئذ يصح هذا التقسيم.
قال: (كجائز في حقه تعالى) سبق أن مثلنا للواجب بالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر وأشياء كثيرة، وللممنوع: بالموت والعجز والضعف والجهل وما أشبه ذلك، وللجائز بالنزول للسماء الدنيا، وكذلك الاستواء على العرش، وكذلك الكلام باعتبار أفراده، فإن الله يجوز أن يتكلم بهذا أو ألا يتكلم به.
[ ٧١ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٩- وصار من عادة أهل العلم أن يعتنوا في سبر ذا بالنظم
١٠- لأنه يسهل للحفظ كما يروق للسمع ويشفي من ظمأ
_________________
(١) الشرح قوله: (وصار من عادة أهل العلم): العادة: هي الشيء الذي يعود ويتكرر فيألفه الناس ويكون من عادتهم، فصار أهل العلم ﵏ من عادتهم (أن يعتنوا) أي: يبذلوا العناية (في سبر ذا) أي في سبر علم التوحيد، والمراد بالسبر: التتبع والاستقراء، فصاروا يسبرونه بالنظم. ولا شك أن هذا التركيب فيه تطويل، ومعناه أنه صار من عادة أهل العلم أن يبحثوا في هذا الموضوع الذي هو علم التوحيد بالنظم، وهناك عادة أخرى غير النظم وهي النثر، فالنثر كثير، وكلام العلماء في علم التوحيد نثرا أكثر من كلامهم فيه نظما، لكن مع ذلك النظم شائع مشهور معتاد عندهم أن ينظموا العقائد وعلم التوحيد، حتى يكون كما أشار إليه المؤلف ﵀ بقوله: لأنه يسهل للحفظ كما يروق للسمع ويشفي من ظمأ والنظم الذي كان العلماء ﵏ يعتادونه في هذا الباب على بحر الرجز، كما هو الحال هنا في هذه القصيدة، وقد يكون على بحر الكامل، أو الطويل أو البحور الأخرى المعروفة في علم العروض، لكن أكثر ما يكون
[ ٧٢ ]
على الرجز؛ لان الرجز خفيف عند القراءة، وسهل عند النظم، لان غير الرجز لابد أن يلتزم الإنسان قافية معينة، وهذا قد يصعب على الإنسان غير الشاعر، أما الرجز فكل بيت له قافية معينة، لا يحتاج الراجز ألا إلى مراعاة الشطر الأول واشطر الثاني فقط.
قال: (لأنه يسهل للحفظ) هذه فائدة؛ فالنظم يسهل للحفظ أكثر من النثر.
وقوله: (كما يروق للسمع) يروق يعني يحسن ويطرب له السمع، ولهذا لو جاء إنسان يقرأ خطبة قراءة عادية لا تجد أنه يهز مشاعرك، أو يوجب انتباهك، لكن إذا كان نظما فإنه يروق لك.
أما قوله: (ويشفي من ظما) فكون هذا خاصا بالشعر فيه نظر، لان الشفاء من الظمأ يكون في الشعر ويكون في النثر، لكن لعله يريد ﵀ تكميل البيت بهذه الجملة، وإلا فإن الشفاء من الظمأ يكون في النثر وفي النظم، بل قد يكون في النثر أكثر، لان النظم أحيانا يضطر فيه الناظم إلى استعمال عبادات أو تركيبات من الكلام توجب تعقيد المعنى وعدم فهمه.
[ ٧٣ ]
ثم قال رحمه الله تعالى:
١١- فمن هنا نظمت لي عقيدة أرجوزة وجيزة مفيدة
١٢- نظمتها في سلكها مقدمة وست أبواب كذاك خاتمة
_________________
(١) الشرح قوله: (فمن هنا أي من هذا الباب، أو من هذا المأخذ، (نظمت لي عقيدة) أصل النظم هو ضم الخرزات بعضها إلى بعض في سلك، ويطلق على ضم الكلمات بعضها على بعض في بيت تشبيها بخرزات السبحة أو غيرها مما ينظم. وقوله: (نظمت لي عقيدة) يحتمل أن اللام هنا بمعنى من، أي: نظمت مني عقيدة لإخواني المسلمين، ويحتمل أن اللام للاختصاص، يعني: نظمت لنفسي عقيدة، لكن الظاهر أن المراد المعنى الأول، أي: نظمت عقيدة لإخواني المسلمين مني. وقوله: (عقيدة): فعيلة بمعنى مفعولة، أي شيء معتقد، والعقيدة في الأصل من العقد، وهو إحكام الشد، وضده الحل، وهذا في الأصل، أي في اللغة العربية. وأما في الاصطلاح: فهي حكم الذهن الجازم، يعني أن تحكم على الشيء حكما جازما، وتحكم عليه ذهنا، يعني تعتقد في قلبك بأن هذا كذا نفيا أو إثباتا، جازما به؛ فلا عقيدة مع الشك، لأنه لابد من أن يكون هناك جزم، ولا عقيدة باعتبار نطق اللسان، لان نطق اللسان يقع حتى من المنافق، فالمنافق يقول لا إله ألا الله ولكن ليس عنده عقيدة.
[ ٧٤ ]
إذا العقيدة تعريفها اصطلاحا: حكم الذهن الجازم.
فقولنا حكم الذهن خرج به قول اللسان لأنه لا يعتبر عقيدة؛ إذ قد يقول الإنسان ما لا يعتقد.
وخرج بقولنا: الجازم الشك فإن الشاك لم يعتقد. ولا يشترط أن يكون الحكم مطابقًا للواقع، فإن طابق الواقع فالعقيدة صحيحة، وإن خالف الواقع فالعقيدة فاسدة.
فاعتقاد النصارى أن الله ثالث ثلاثة هذه عقيدة، ولكنها فاسدة لأنها غير مطابقة للواقع. واعتقاد أهل التحريف أن الاستواء بمعنى الاستيلاء عقيدة، لكنها فاسدة لأنها خلاف الواقع، لكن هم يجزمون بذلك ويعتقدون هذا.
قال: (أرجوزة وجيزة مفيدة) فذكر أنه من أجل ذلك نظم عقيدة من بحر الرجز، ووصفها بأنها (وجيزة) يعني غير مطولة، وهو كذلك، فإنها ليست مطولة لأنه يذكر فيها ﵀ القواعد العامة بدون تفصيل، وأنها أيضا (مفيدة) يعني تفيد قارئها وسامعها وكاتبها أيضا.
فقوله: إنها أرجوزة وجيزة هذا ليس فيه مدح، لكن قوله مفيدة فيه مدح.
فإذا قال قائل: كيف يسوغ للإنسان أن يمجد ما كان من صنعه وتأليفه، وهل هذا ألا افتخار؟!
فالجواب: يسوغ ذلك إذا لم يقصد بهذا الافتخار على الخلق، وإنما قصد بيان الواقع، فقد قال النبي ﵊: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (١) وقال ابن مسعود ﵁: «لو اعلم أن أحدًا اعلم مني بكتاب الله
_________________
(١) رواه الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة بني إسرائيل، رقم (٣١٤٨)، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الشفاعة، رقم (٤٣٠٨) .
[ ٧٥ ]
تبلغه الإبل لرحلت إليه» (١) وهذا يتضمن بلا شك أنه على علم عظيم بكتاب الله ﷿، لكن ابن مسعود ﵁، لم يقل هذا القول ليمدح نفسه ويفتخر بل ليحث الناس على التلقي عنه وعن غيره من أهل العلم.
والعلماء ﵏ إذا صنفوا يذكرون فوائد مصنفاتهم، كما قال ابن مالك ﵀ في ألفيته:
تقرب الأقصى بلفظ موجز وتبسط البذل بوعد منجز
وتقتضي رضا بغير سخط فائقة ألفية ابن معطي
وهذا ثناء عليها لا ليفتخر بها لأنها من تأليفه، ولكن من أجل أن يحث الناس على تلقيها وتعلمها.
وهكذا المؤلف ﵀ هنا قال: «مفيدة»، لأجل أن تحرص عليها وعلى ما فيها من فوائد.
قال: (نظمتها في سلكها) هذا يسميه علماء البلاغة الاستعارة، لان هذه الأرجوزة ليس لها سلك لكنه شبهها بخرزات السبحة التي لها سلك فتنظم، لينضم بعضها إلى بعض؛ ولا يضيع بعضها عن بعض، ولا تتفرق وتتشتت.
وتشتمل على مقدمة وستة أبواب وخاتمة قال:
مقدمة وست أبواب كذاك خاتمة
فيكون المجموع ثمانية: مقدمة وخاتمة وستة أبواب
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب القراء من أصحاب النبي ﷺ، رقم (٥٠٠٢)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن مسعود ، رقم (٢٤٦٣) .
[ ٧٦ ]
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٣ - وسمتها بالدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية
_________________
(١) الشرح قوله: (وسمتها) أي جعلت عليها علامة لان الوسم هو العلامة، وفي بعض النسخ «سميتها» والمعنى متقارب، يعني إنني سميت هذه المنظومة، أو وسمتها أي جعلت عليها علامة (بالدرة المضية) أصل المضية المضيئة، لكن سهلت الهمزة لأجل استقامة البيت، و(الدرة) هي أعلى ما يقتنصه أهل البحر من البحار، و(المضية) يعني التي لها إضاءة لقوة صفائها وحسنها، وهذا الاسم مطابق لمسماه، فإن هذه المنظومة درة مضية، مضيئة لمن قرأها وتأملها؛ لان فيها فوائد كثيرة عظيمة فيما يتعلق بالعقدية. وقوله: (في عقد أهل الفرقة المرضية) عقد: بمعنى اعتقاد، فهي اسم مصدر لان اعتقد يعتقد، المصدر اعتقاد، وعقد اسم مصدر، واسم المصدر يقول النحويون، ما دل على معنى المصدر ولم يشتمل على حروفه فكل ما دل على معنى المصدر ولكنه لم يشتمل على حروفه، فإنه يسمى اسم مصدر. وقوله: (أهل الفرقة) الفرقة بالضم يعني الاختلاف والافتراق، والفرقة بالكسر يعني الطائفة، والمراد هنا الطائفة، وليس المراد أهل الفرقة، فهم ليسوا بأهل الفرقة، بل هم أهل اجتماع، لكن المراد أهل الفرقة يعني الطائفة (المرضية) التي ارتضاها الله ورسوله والمؤمنون، وهم أهل السنة والجماعة، الذين كانوا على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وضد هذه الفرقة المرضية أصحاب الفرق المسخوطة من أهل البدع، على اختلاف أصنافهم وأنواعهم.
[ ٧٧ ]
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٤- على اعتقاد ذي السداد الحنبلي إمام أهل الحق ذي القدر العلي
١٥- حبر الملا فرد العلا الرباني رب الحجى ماحي الدجى الشيباني
_________________
(١) الشرح قوله: (على اعتقاد ذي السداد الحنبلي): يعني إنها مبنية على اعتقاد ذي السداد، والسداد يعني الصواب المسدد الموافق للحق. وقوله: (الحنبلي) صفة لذي لا للسداد، يعني على اعتقاد الحنبلي، وهو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ﵀ الإمام المشهور، فنسبته إلى حنبل لأنه جده. وقوله: «إمام أهل الحق» يعني الذي يقتدي به أهل الحق، لكن إمامته ﵀ وإمامة غيره من الأئمة ليست إمامة مستقلة، بل هي إمامة تابعة للإمامة العظمى، وهي إمامة رسول الله ﷺ، ولولا ائتمام هؤلاء الأئمة به ﷺ ما صاروا أئمة، قال الله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة: ٢٤) فهؤلاء الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين صاروا أئمة لأنهم أهل للإمامة بما أعطاهم الله تعالى من الصبر واليقين. وقوله: (ذي القدر العلي) القدر يعني الشرف، العلي ضد النازل، فالإمام أحمد ﵀ له قدر علي بين أهل الحق، تكاد تكون الأمة كلها مجمعة على الثناء عليه حتى إن بعض العلماء ﵏ قال: إنه يجوز أن
[ ٧٨ ]
نشهد له ولأمثاله بالجنة؛ لان الأمة اتفقت على الثناء عليه، وقد قال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (البقرة: الآية ١٤٣) فإذا شهدت الأمة لشخص بالصلاح فلنا أن نشهد له بالجنة. والمسالة هذه فيها خلاف.
لكن الكلام على أن الرجل قد اتفق على أنه - ﵀ - من اجل أئمة الدين وأعظمهم قدرا، وحصل له من المحنة في الدفاع عن السنة ما يعلم من ترجمته، كما ذكر ذلك ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية (١)، وغيره من تكلموا عن سير الرجال (٢) .
وقوله: (حبر الملا) حبر بمعنى عالم، ويقال حبر؛ بفتح الحاء وكسر الحاء حبر الملا أو حبر الملا، وهي موافقة للبحر في الاشتقاق الأكبر لأنها موافقة لها في الحروف دون الترتيب، فحبر وبحر حروفها واحدة: الباء، والحاء، والراء، لكن اختلفت في الترتيب. إذا فهو العالم الواسع العلم، والعالم الواسع العلم يسمى حبرا، وقوله: (الملا) يعني الخلق.
ومن المعلوم أنه ﵀ واسع العلم وكثير العلم، ولا سيما علم المأثور، مع أنه يتكلم بعلم المعقول كلاما جيدا، كما يعرف من كلامه في الرد على الجهمية، لكنه في علم المأثور أكثر منه في علم المعقول.
وقوله: (فرد العلا) يعني المتفرد بالعلا والشرف، ولا شك أن هذه الأوصاف التي تدل على الإطلاق، لا شك أن المؤلف ﵀ لا يريد بها
_________________
(١) انظر البداية والنهاية ٧/٣٤٥.
(٢) انظر سير أعلام النبلاء ١١/١٣٧ و١٧٧.
[ ٧٩ ]
الإطلاق، لان مثل هذه الأوصاف على الإطلاق لا تنطبق ألا على الرسول ﷺ، لكنها أوصاف نسبية يعني بالنسبة لمن دونه، وكان من الأولى والأفضل أن تكون الألفاظ مطابقة للواقع، بحيث لا يحصل فيها غلو؛ لان الغلو قد يخرج بالإنسان إلى الكذب.
وتوجيه مثل هذا الكلام المطلق أن يقال إنه حبر الملا في وقته، فرد العلا في وقته، وأما أن نقول على سبيل العموم؛ هذا غير مراد للمؤلف.
وقوله: (الرباني) يعني الذي تلقى علمه من شريعة الله؛ لان الشريعة ألصق ما تكون بالربوبية، فهو ﵀ تلقى علمه من شريعة الرب ﷿.
وقيل إن الرباني هو المخلص لله في علمه، النافع لعباد الله، المربي لهم على شريعة الله، وهذا المعنى واضح.
فالمخلص لله: لا يقصد ألا الرب، والنافع لعباد الله بالعلم، المربي لهم تربية خلقية، وتربية علمية، فيشمل الأمرين.
فالتربية العلمية، قال العلماء ﵏: معناها: أن يربي الطلبة بصغير العلم قبل كبيره، فإن هذا من التربية العلمية، فلا يأتي للطالب المبتدئ مثلا ويقول له: اقرأ قواعد ابن رجب، فإنه إذا قرأ الطالب المبتدئ قواعد ابن رجب فإنه لا يفهم أبدًا، ولكن يربيه بصغار العلم، فيأتي مثلا بكتاب مختصر ومبسط وتدرج به شيئا فشيئًا.
ففي النحو مثلا؛ إذا كان لا يعرف منه شيئا، فلا بد أن تربيه وتبدأ بأصغر كتب النحو حتى يترقى شيئا فشيئا، وفي أصول الفقه كذلك، وفي كل
[ ٨٠ ]
العلوم ينبغي أن يرقى الطالب درجة، أما أن تقفز به من أسفل درجة لأعلى درجة فهذا لا يمكن، وربما يكون في ذلك ضرر كبير عليه، فإنه إذا لم يفهم انغلق ذهنه، يعني يحصل له رد فعل فلا يعرف من المسائل شيئا، حتى لو كررت عليه مائة مرة، لكن إذا بدا يتلقى العلم كما يتلقى الطفل اللبن يمصه شيئا فشيئا فإنه ينتفع به.
وأما التربية الخلقية فينبغي للمعلم أن يبحث مع طلابه هل طبقوا العلم أو لم يطبقوه، وأن يتفقدهم، وإذا ذكر له عن شخص مخالفة، يتكلم معه بالكلام الذي يناسب، وفي الوقت المناسب، وفي المكان المناسب، أما أن يملأهم من العلوم ويدعهم من العمل فهذا بلا شك قصور جدا؛ لان ثمرة العلم هي العمل، فإذا لم نعمل فإن علمنا أدنى من الحبر على الورق.
إذًا العالم الرباني من اخلص لله في علمه ونفع عباد الله به، ورباهم في ذلك تربية علمية وخلقية.
وقوله: (رب الحجى): (رب) بمعنى صاحب، و(الحجى): بمعنى العقل: يعني صاحب العقل.
وقوله: (ماحي الدجى): أي الظلمة بما لديه من نور الرسالة وهذا علمه بالأثر.
فالإمام أحمد ﵀ عنده علم المعقول وعلم المنقول، ومن راجع كتبه ورسائله عرف أن الرجل يتكلم بالمعقول كما يتكلم بالمنقول، وإن كان هو في علم الأثر أقوى منه في علم النظر؛ لان الأمة الإسلامية في عهده لم
[ ٨١ ]
تكن بلغت مبلغا كبيرا في الاستدلال بالنظر والمعقول، لكن مع ذلك يجادل أهل الباطل بالمعقول؛ لان المعقولات التي تشعبت في الأمة الإسلامية هي من علم المنطق الذي قال عنه شيخ الإسلام ﵀: «إنه لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به البليد» (١) . والناس يعرفون الجدل والمناظرة حتى قبل ظهور علم المنطق اليوناني.
فالحاصل أن هذا الشطر من البيت يدل على أن الإمام أحمد ﵀ عنده علم بالمعقول وعلم بالمنقول، علم المعقول في قوله (رب الحجى) والمنقول في: (ماحي الدجى) .
وقوله: (الشيباني): يعني أنه - ﵀ - من بني شيبان وهذا نسبه.
ومن أراد المزيد من العلم بحياته فليرجع إلى ما صنف في تاريخ حياته، وقد صنف في تاريخ حياته مصنفات مستقلة، وذكر أيضا على سبيل التبع في كتب الرجال (٢) وكتب التاريخ (٣)
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى (٩/٨٢)
(٢) انظر تقريب التهذيب لابن حجر (س٨٩) .
(٣) انظر الكامل في التاريخ لابن الأثير ٦/٣.
[ ٨٢ ]
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٦- فإنه أمام أهل الأثر فمن نحا منحاه فهو الأثري
١٧- سقى ضريحا حله صوب الرضا والعفو والغفران ما نجم أضا
١٨- وحله وسائر الأئمة منازل الرضوان أعلى الجنة
ــ
الشرح
قوله: (فإنه إمام أهل الأثر) فإنه: أي الإمام أحمد ﵀، إمام أهل الأثر يعني إمام السلفيين الذين يأخذون بالأثر في علم العقائد، كما يأخذون بالأثر في المسائل العملية.
وذلك أن الإمام أحمد ﵀ بلغ الإمامة في عصر المأمون، في المحنة التي ابتلي بها علماء السلف في ذلك العهد (١)، فإن المأمون ادخل على الأمة الإسلامية من علم اليونان وعلم الكلام ما يستحق عليه الجزاء من الله ﷿؛ لأنه ادخل على الأمة علوما أفسدت العقائد، ونصر البدعة والعياذ بالله نصرا عزيزا، وحصل منه إيذاء لأهل السنة، فكان يحبسهم، ويشهر بهم، ويطوف بهم في الأسواق، ويضربهم والعياذ بالله، مما اضطر كثير من العلماء إلى أن يوافقوه ولو ظاهرا على سبيل أنهم مكروهون، ومنهم من يتأول.
ولكن الإمام أحمد ﵀ ومحمد بن نوح أصرا على أن يعلنا الحق بدون تأويل، وحصل للإمام أحمد من الإيذاء والإهانة ما لا يصبر عليه إلا
_________________
(١) انظر البداية والنهارية لابن كثير (٧/٢٧٨) .
[ ٨٣ ]
أمثاله، حتى كانوا يجرونه في الأسواق بالبغلة والعياذ بالله، ويضربونه بالسياط حتى يغمى عليه، وهو صابر ومصمم على أن يبقى على ما هو عليه من قول الحق، لأنه لو قال خلاف الحق في ذلك الوقت ولو بالتأويل لضل الناس؛ إذ إن الناس ينتظرون ماذا يقول الإمام أحمد بن حنبل ﵀.
فبذلك استحق أن يكون إماما؛ لأنه صبر وكان موقنا بما هو عليه من الحق والصواب، وقد قال الله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة: ٢٤) فبذلك صار - ﵀ - إماما لمن بعده، ولكن هذه الإمامة نسبية لأنها إمامة تابعة لإمامة عظمى، وهي إمامة رسول الله ﷺ، فإنه ﷺ هو الإمام الأعظم الذي يتفرع من إمامته إمامة الأئمة، فإمامة الأئمة من هذه الأمة إمامة فرعية لا إمامة أصلية، ولهذا لو خالف هذا الإمام هدي الإمام الأعظم محمد ﷺ لوجب أن يطرح قوله وأن يؤخذ بقول رسول الله ﷺ.
فقوله: (إمام أهل الأثر) نقول: ليست هذه إمامة مطلقة أصلية، ولكنها إمامة نسبية فرعية تابعة للإمامة العظمى، وهي إمامة رسول الله ﷺ، ولولا أن هذا الإمام تابع لإمامة الرسول ﵊ ما استحق أن يكون إماما، ألا أن يكون إمام ضلال، فإن الضلال له أئمة كما قال تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ) (القصص: ٤١) .
وقوله: (فمن نحا منحاه فهو الأثري): أي من سلك مسلكه فهو الأثري، نسبة إلى الأثر، والعلوم نوعان: أثرية ونظرية. فما كان متلقى من الكتاب والسنة فهو اثري، وما كان متلقى من العقل فهو نظري.
[ ٨٤ ]
واعلم أن العلم الأثري لا ينافي العلم النظري بل كلاهما يؤيد الآخر، والأصل عند أهل السنة هو الأثر، سواء في الأمور العلمية أو الأمور العملية، بل أنهم يحكمون كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في كل شيء.
والأصل عند أهل البدع هي العلوم النظرية، ولهذا يقدمون ما يدعون أنه عقل على الآثار من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فضلوا بذلك عن سواء السبيل، وأضلوا أممًا لا يعلمهم إلا الله.
إذًاَ الأثري: هو الذي نحا منحى الإمام أحمد ﵀ في الرجوع إلى الكتاب والسنة، ولهذا أقول: من الممكن أن نقول إن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ إمام أهل الأثر في مسلكه لا في أقواله، ومعنى في مسلكه أنه سلك تحكيم الكتاب والسنة، وليس المعنى إمام أهل الأثر أي يؤخذ قوله؛ وحينئذ لا نحتاج إلى تقييد الإمامة بالنسبة له؛ لأننا نقول هذه الإمامة صحيحة، وهي أن يكون الإنسان متبعا لما جاء به الكتاب والسنة.
وفي قوله: (الأثر) و(الأثري) جناس ناقص لزيادة الياء في الثاني.
قال: (سقى ضريحا حله صوب الرضا) الضريح يعني القبر.
(حله): أي: نزل فيه، يعني يسأل الله ﷾ أن يسقي ضريحه صوب الرضا من الله ﷿، فالجملة هنا خبرية لكنها دعائية، يعني يسال الله تعالى أن يسقي ضريح الإمام أحمد صوب الرضا، والصوب والصيب معناهما واحد، أي: الصيب من الرضا، والصيب في الأصل هو الماء النازل من السماء فهو المطر، صوب الرضا من الله.
[ ٨٥ ]
واعلم أن الله ﷾ إذا رضي عن العبد أرضى الناس عنه، وإذا سخط على العبد اسخط الناس عليه، فإذا كنت تريد أن يرضى الناس عنك فاتبع رضا الله، ولكن لا تتبع رضا الله من اجل أن يرضى الناس عنك، فتطلب الأعلى للأدنى، ولكن اجعل رضا الله هو الأصل، وثق بان الله إذا رضي عنك رضي عنك الناس، ولكن إياك أن تنوي بطلب رضا الله رضا الناس فتكون متوسلا بالأعلى إلى الأدنى؛ لأنه ربما إذا نويت هذه النية لا يرضى الله عنك، وحينئذ يفوتك مقصودك مع ضعف مقصودك.
قال: (والعفو والغفران) العفو عن ترك الواجبات، والغفران عن فعل المحرمات، هذا إذا اقترن العفو بالمغفرة، أما إذا انفصل أحدهما عن الآخر فكل واحد منهما يتضمن معنى الثاني، لكن إذا قيل عفا الله عنك وغفر لك، صار عفا الله عنك ما أهملته من واجبات، وغفر لك ما اقترفته من سيئات؛ لان الغفر بمعنى الستر مع التجاوز، والعفو بمعنى النزول عن الحق والإبراء منه.
وقوله: (والعفو والغفران ما نجم أضا) يعني مدة إضاءة النجم، وهذا طويل إلى ما لا نهاية له، وأيضا يقول: (ما نجم) فهو نكرة يشمل كل نجم.
وقوله: (وحله وسائر الأئمة) يعني أنزله وأنزل سائر الأئمة (منازل الرضوان أعلى الجنة) . الأئمة يعني أئمة الإسلام، وليس المراد بذلك الأئمة الأربعة فقط، بل هو شامل لكل إمام في دين الله من الأئمة الأربعة وغيرهم، وسواء كان إماما في الخلافة وتدبير الملك، أو إماما في العلم وتوجيه الناس، فإنه يدخل تحت قوله:
وحله وسائر الأئمة منازل الرضوان أعلى الجنة
[ ٨٦ ]