قوله: (وهو المبعوث إلى عامة الجن، وكافة الورى) وهو المبعوث ﷺ إلى عامة الجن، وكافة الورى - أي - الناس، وهذا كله مراعاة للسجع لينسجم هذا الكلام مع ما تقدم من العبارات.
فهو ﷺ مرسل إلى الثقلين - الجن والإنس - وهذا تقريرٌ لعموم رسالته ﷺ، وهذا معلومٌ من الدين بالضرورة (^١)، ولا يكون الإنسان شاهدا بأن محمدا رسول الله حتى يشهد بأنه رسول الله إلى الناس كافة قال تعالى: «قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا»، «وما أرسلناك إلا كافة للناس» إلى غير ذلك من الآيات.
ومن الأدلة على إرساله للجن سورة الجن، والآيات من سورة الأحقاف، وخطاب الثقلين في سورة الرحمن. قال تعالى: «قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا» [الجن: ١ - ٢] إلى آخر السورة.
وفي سورة الأحقاف «وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ» [الأحقاف: ٢٩] الآيات.
وفي سورة الرحمن ذكر الله خلق الثقلين، وخاطبهما وذكر جزاءهما قال تعالى: «يا معشر الجن والإنس»، «يرسل عليكما شواظٌ من
_________________
(١) انظر: إيضاح الدلالة في عموم الرسالة للثقلين لشيخ الإسلام ابن تيمية.
[ ٩٨ ]
نار»، «فيومئذٍ لا يسأل عن ذنبه إنسٌ ولا جان»، وفي الثواب «ولمن خاف مقام ربه جنتان * فبأي آلاء ربكما تكذبان» إلا آخر السورة.
ويظهر من آيات الأحقاف أن موسى ﷺ كذلك مرسلٌ إلى الجن قال تعالى: «وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ» [الأحقاف: ٢٩ - ٣٠].
واختلف الناس هل من الجن رسل، أم الرسل كلهم من الإنس؟
جمهور أهل العلم على أن الرسل من البشر، وأما الجن فمنهم دُعاة، ونُذُر، (^١) قال تعالى: «وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نوحي إليهم من أهل القرى» وإذا صح وعلم بالوحي أن الرسول ﷺ مرسلٌ إلى الجن، وموسى كذلك؛ علم أن إرسال الإنس إلى الجن يحصل به قيام الحجة عليهم.
واستدل أهل القول الثاني بقول الله تعالى: «يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا» [الأنعام: ١٣٠] فخوطب الجميع: الجن والإنس ألم يأتكم رسلٌ منكم.
والجمهور قالوا: إن هذه الآية محتملة، وليست صريحة، والمراد من المجموع؛ لأن الخطاب للجميع.
والأمر في هذا سهل، والمقصود إن الجن والإنس كلهم مكلفون، وقد خلقهم الله لعبادته، وأقام الحجة عليهم، وكلهم منهم المؤمن والكافر، والصالح، والطالح.
والجن عالَمُ غيب وإن ظهروا للناس وتمثلوا بأشكال مختلفة، وهم
_________________
(١) تفسير الطبري ٩/ ٥٦١، ومجموع الفتاوى ٤/ ٢٣٤، وطريق الهجرتين ص ٤١٦.
[ ٩٩ ]
كثير، ويعيشون على الأرض مع الناس، ولهم صفاتهم، ويأكلون ويشربون، ومنهم الذكور والإناث، ويتوالدون، قال تعالى: «وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا» [الجن: ٦] وفي القرآن وفي السنة من الإخبار عنهم شيءٌ كبير، ومن ينكر وجود الجن؛ فهو كافر.
[ ١٠٠ ]