وقوله: (ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله ﷿ فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة).
(ولا نرى) أي: نحن أهل السنة والجماعة. (الخروج) يعني: بالسلاح والقتال. (أئمتنا وولاة أمرنا) أئمة المسلمين.
(وإن جاروا) وإن كان منهم ظلم على الرعية؛ فالواجب الصبر والمدافعة بالتي هي أحسن.
وهذا أصل عظيم من أصول أهل السنة، وهو النصح لولاة الأمر، وهو محبة الخير لهم والدعاء لهم بالعافية وصلاح الحال والاستقامة، والتوفيق للقيام بحق الله وحقوق رعاياهم، ومن كمال النصح للأمة عدم الخروج عليهم بالسلاح وقتالهم لما يحصل منهم من ظلم أو معصية بحجة إنكار المنكر، أما من يخرج عليهم للمنازعة على السلطة فهذا لون آخر؛ فالذي نعنيه هنا أن أهل السنة والجماعة لا يرون الخروج على الأئمة بسبب ما يقع منهم من ظلم ومنكرات.
والله تعالى قد أمر بطاعة ولاة الأمر في قوله سبحانه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ» [النساء: ٥٩]، وكذلك
[ ٢٦٨ ]
الرسول ﷺ قال: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني) (^١)، وقال ﷺ: (على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة﴾، (^٢)، وقال ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿إنما الطاعة في المعروف﴾ (^٣) وقال ﷺ: ﴿من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية﴾. (^٤)، وفي الحديث الصحيح عنه ﷺ: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قالوا: يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك؟ فقال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، أَلا من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدا من طاعة) (^٥)، وفي حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: «بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان». (^٦) وفي رواية: «وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم». (^٧) والأحاديث في الأمر بطاعة ولاة الأمر بالمعروف، والنهي عن الخروج عليهم كثيرة مستفيضة.
وخالف المعتزلةُ أهلَ السنة في هذا الأصل، فالمعتزلة من أصولهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدخلون في مفهومه: الخروج على
_________________
(١) رواه البخاري (٧١٣٧)، ومسلم (١٨٣٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه البخاري (٧١٤٤)، ومسلم (١٨٣٩) من حديث ابن عمر ﵄.
(٣) رواه البخاري (٧١٤٥)، ومسلم (١٨٤٠) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
(٤) رواه البخاري (٧٠٥٤)، ومسلم (١٨٤٩) من حديث ابن عباس ﵄.
(٥) رواه مسلم (١٨٥٥) من حديث عوف بن مالك ﵁.
(٦) رواه البخاري (٧٠٥٦)، ومسلم (١٧٠٩) من حديث عبادة بن الصامت ﵁.
(٧) رواه البخاري (٧٢٠٠)، ومسلم (١٧٠٩).
[ ٢٦٩ ]
الولاة الظلمة، ويجعلون الخروج عليهم واجبا؛ لأنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا مخالف لما دلت عليه النصوص الصحيحة الصريحة المستفيضة عن النبي ﷺ، ومخالف لما عليه أهل السنة والجماعة، وهو مخالف لقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإنه يقوم على قاعدة احتمال أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، فإنكار المنكر المقصود منه هو إزالة المنكر أو تخفيفه، فإذا كان إنكار المنكر يؤدي إلى منكر أعظم لم يجز الإنكار، ولا شك أن الخروج على الأئمة يؤدي إلى إهلاك الحرث والنسل، وفساد دين الناس ودنياهم، فهذا التشريع هو مقتضى الحكمة، فليس تحريم الخروج على الأئمة رضًا بظلمهم وفجورهم؛ بل درءا لما هو أعظم من ذلك، والواقع شاهد بأن ما جاءت به الشريعة هو الغاية في الحكمة وتحقيق المصالح العادلة.
وقوله: (ولا ندعو عليهم).
الدعاء لهم بالصلاح، هذا موجب النصيحة، قال النبي ﷺ: (الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) (^١) والنصيحة أن تدعو لهم بالصلاح، اللهم أصلحهم، اللهم أصلح بطانتهم، اللهم اهدهم صراطك المستقيم، ادعُ لهم لعل الله يصلح حالهم، لكن جرت عادة الناس أنهم لا يلتزمون بهذا المنهج، وقول النبي ﷺ في الحديث: «وشرار أئمتكم الذي تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم» (^٢) ليس هذا إقرارا، وإنما هذا من قبيل الإخبار بالواقع، ولم يُسَق على وجه التسويغ والتجويز له، فأهل العلم والإيمان، والصلاح والتجرد عن الهوى وإيثار الدنيا يحبون الخير لإخوانهم المسلمين، ولا سيما ولاة الأمر سواء أعطوهم من الدنيا أم لم يعطوهم، وفي الحديث الصحيح: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم
_________________
(١) رواه مسلم (٥٥) من حديث تميم الداري ﵁.
(٢) تقدم في ص ٢٦٩.
[ ٢٧٠ ]
ولهم عذاب أليم» - وذكر منهم ـ: «… ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه منها وفى وإن لم يعطه منها لم يفِ» (^١)، فهو دائر مع الدنيا، وهذا واقع، فأكثر الناس إنما ينكرون على الولاة أمر الدنيا لا أمر الدين، فلا ينقمون تقصيرهم في حقوق الله، إنما نقمتهم الأثرة، ويطلبون منافستهم في الدنيا، ولهذا أوصى النبي ﷺ أصحابه الأنصار فقال: (إنكم ستلقون بعدي أثرة؛ فاصبروا حتى تلقوني على الحوض). (^٢)
وقوله ﷺ: (أثرة): استبداد بالولايات وبالمال. وقوله ﷺ: (فاصبروا) أي: لا تنازعوا ولاة الأمر من أجل ذلك.
وكثير ما يكون الخروج على الولاة من أجل المنازعة على السلطة باسم الإصلاح الدنيوي أيضا؛ فينتج عنه شر مستطير على الناس، فتسفك الدماء وتنتهك الحرمات، وتذهب الأموال، وينتشر الفساد، خصوصا إذا لم يكن هناك استقرار في الأمر فتعم الفوضى، ويتمكن كل مجرم من بلوغ مرامه، واقتراف إجرامه.
وقوله: (ولا ننزع يدا من طاعتهم).
لا ننزع يدا من طاعتهم؛ بل ندين لله بطاعتهم بالمعروف، عملا بأمر الله تعالى، ورسوله ﷺ.
وقوله: (ونرى طاعتهم من طاعة الله ﷿ فريضة).
نرى طاعتهم بالمعروف واجبة؛ لأنها من طاعة الله؛ فَكُلُ مَن أمر الله بطاعته فطاعتهم من طاعته، فالرسول ﷺ تجب طاعته مطلقا بلا قيد؛ لأن طاعته طاعة لله مطلقة، ومَن سواه ممن أمر الله بطاعته يطاع لكن بقيد، وهو ألا تكون في معصية، قال النبي ﷺ: (إنما الطاعة في المعروف) (^٣). فإذا الإنسان أطاع ولي الأمر بالمعروف إيمانا
_________________
(١) رواه البخاري (٧٢١٢)، ومسلم (١٠٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) تقدم في ص ١٥٢.
(٣) تقدم في ص ٢٦٩.
[ ٢٧١ ]
واحتسابا أثيب على ذلك، أما إذا أطاعهم خوفا من عقوبتهم، فهذا ليس بمطيع لله؛ لأن هذه ليست طاعة اختيارية تعبدية؛ بل طاعة عَادِيَّة قهرية.
[ ٢٧٢ ]