في هذا المقام يَحسُن ذكرُ أقسام التوحيد، فأهل السنة والجماعة يقسمون التوحيد ثلاثة أقسام (^١)، ومنهم من يجعل التوحيد قسمين، وهما طريقتان متفقتان لا منافاة بينهما، فمنهم من يقول: إن التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد العبادة، وتوحيد الأسماء والصفات.
فأما توحيد الربوبية فمعناه: توحيد الله في شؤون الربوبية؛ كالخلق والرَّزق والتدبير والإحياء والإماتة، ولهذا يعبر عنه بتوحيد الرب بأفعاله، وذلك بالإقرار بأنه لا شريك له في أفعاله.
وتوحيد الإلهية: هو إفراد الله بالعبادة، هو الإقرار بأنه لا معبود بحق سواه، فهو الإله الحق الذي لا يستحق العبادة سواه، وتحقيق ذلك بالفعل، وهو: تخصيصه تعالى بالعبادة.
وتوحيد الأسماء والصفات هو الإقرار بتفرده ﷾ بما له من الأسماء والصفات، وأنه لا شبيه له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
أما من يجعل التوحيد قسمين - والعبارات تختلف، لكن المؤدى واحد (^٢) - فيقول: توحيد في المعرفة والإثبات، وبعبارة أخرى: توحيد في
_________________
(١) انظر: كتاب المختصر المفيد في بيان دلائل أقسام التوحيد.
(٢) التدمرية ص ٦٦، ومدارج السالكين ٣/ ٤١٧، واجتماع الجيوش الإسلامية ص ٩٣، وبدائع الفوائد ١/ ٢٤٣.
[ ٣٢ ]
العلم والقول، أو: التوحيد العلمي الخبري، هذه كلها عبارات عن شيء واحد، هو التوحيد الاعتقادي العلمي المعرفي، وهذا القسم يشمل: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، فاندرج قسمان من الثلاثة في هذا القسم، لأن توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات كل منهما توحيد يتعلق بالعلم، فهو اعتقادي علمي فقط، والنصوص الدالة عليهما كلها نصوص خبرية، يعني من نوع الخبر؛ لأن الكلام قسمان: خبر وإنشاء.
القسم الثاني على الطريقة الثانية: توحيد الإلهية، أو توحيد العبادة، أو توحيد الإرادة والقصد والعمل، أو التوحيد الطلبي؛ لأن نصوصه طلبية، انظر سورة الإخلاص، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ تجدها جملًا خبرية، كل نصوص الأسماء والصفات خبرية، لكن الآيات الواردة في توحيد العبادة إنشائية، ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا﴾ [النساء: ٣٦]، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١].
فلا منافاة بين الطريقتين، فمن يجعل التوحيد قسمين يُدرج توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات في توحيد المعرفة والإثبات الذي هو التوحيد العلمي الخبري، فلاحظ هذا ولا يشكل عليك تنوع التقسيم.
وهذا التقسيم مستمد من استقراء النصوص، وبعض أهل البدع يشنع على أهل السنة ويقول: إن هذا التقسيم مبتدع، وهذا تشنيع باطل (^١)، نعم،
_________________
(١) انظر: كتاب المختصر المفيد في بيان دلائل أقسام التوحيد.
[ ٣٣ ]
العبارات والتقسيمات هي اصطلاح جديد كما قسم الفقهاء - مثلًا - أفعال الصلاة إلى: أركان وواجبات وسنن، أخذًا من الأدلة؛ لأن أفعال الصلاة ليست على مرتبة واحدة، وكذلك أفعال الحج: أركان وواجبات وسنن، أخذًا من الأدلة، فكذلك مسائل الاعتقاد تقسيمها مستمد من النصوص.
وقد دلت النصوص على وجوب توحيد الله في ربوبيته، وذلك باعتقاد أنه رب كل شيء ومليكه، وأن ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، هذا حق.
ودلت النصوص على وجوب اعتقاد أنه الإله الحق الذي لا يستحق العبادة سواه، كما قال تعالى في خطابه لموسى ﵇: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣].
وفي باب الأسماء والصفات قال ﷾: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى]، وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾.
إذًا؛ هذا تقسيم مستمد من الكتاب والسنة، دالٌّ على أنه تعالى واحد في هذا كله، وهل لهذا التقسيم ثمرة؟
نعم؛ بهذا عرفنا أن الإقرار بتوحيد الربوبية وحده لا يكفي، فإن المشركين كانوا مقرين بهذا التوحيد قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، لكنهم جعلوا مع الله آلهة أخرى، وعبدوا مع الله آلهة سواه، إذًا؛ الانحراف الذي عندهم هو في توحيد العبادة، ولهذا قال
[ ٣٤ ]
أهل العلم: «إن توحيد العبادة هو الذي وقعت فيه الخصومة بين الرسل وأممهم» (^١)، كما قال المشركون - لما قال لهم الرسول ﷺ: «قولوا: لا إله إلا الله» -: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص] (^٢).
وهؤلاء المبتدعة الطاعنون على أهل السنة في هذا التقسيم يقسمون التوحيد تقسيمًا مبتدعًا مشتملًا على الباطل، كما ذكر شيخ الإسلام عن كثير من أهل الكلام أنهم يقولون: «إن التوحيد اسم لثلاثة: توحيد الذات، وتوحيد الصفات، وتوحيد الأفعال، فيقولون: إن الله تعالى واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له» (^٣)، والكلام على هذا يطول، ولكن خلاصة القول: أنهم أدخلوا في التوحيد على هذا التقسيم ما ليس منه، فأدخلوا في مسمى التوحيد نفي الصفات، وهذا إلحاد، وأخرجوا عن مسمى التوحيد توحيد العبادة فلا ذكر له عندهم، وأحسن ما يذكرون هو توحيد الربوبية، وهو توحيد الرب بأفعاله، فيقولون: هو واحد في أفعاله لا شريك له، وهو أن خالق العالم واحد، وهذا حق (^٤).
* * *
_________________
(١) كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب ص ٦.
(٢) رواه أحمد ١/ ٢٢٧، وصححه الترمذي (٣٢٣٢)، وابن حبان (٦٦٨٦)، والحاكم ٢/ ٤٣٢ من حديث ابن عباس ﵄.
(٣) درء تعارض العقل والنقل ١/ ٢٢٥، والتدمرية ص ٥٠٦.
(٤) انظر تقسيم الطوائف للتوحيد في: التدمرية ص ٥٠٦، ومجموع الفتاوى ٤/ ١٥٠، ومدارج السالكين ٣/ ٤١٥.
[ ٣٥ ]