وصفات الله نوعان: صفات ذاتية، وهي: اللازمة لذات الرب - التي لا تنفك عن الذات - كالعلم، والسمع، والبصر، والحياة، والقدرة، والعزة، والرحمة، والقيُّوميَّة، فهي صفاتٌ ذاتية.
وصفاتٌ فعلية، مثل: الاستواء على العرش، والنزول، والمجيء، والغضب.
فكل ما تستطيع أن تقول فيه «ما زال كذا» فهي ذاتية.
وضابط الصفات الذاتية والفعلية: «أن الذاتية لا تتعلق بها المشيئة، وأما الفعلية فتتعلق بها المشيئة».
فتقول: إن الله تعالى ينزل إذا شاء، واستوى على العرش حين شاء، ويجيء يوم القيامة إذا شاء، فهذه فعلية.
ولكن لا يصح أن تقول: إنه يعلم إذا شاء، ويسمع إذا شاء، وهو حيٌّ إذا شاء؛ لأن هذه الصفات من لوازم ذاته ﷾.
وهناك صفات ذاتية فعلية (^١)، مثل: الكلام، والخلق، والرَّزْق.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٢/ ٤٣٥.
[ ٦٤ ]
فيصح أن تقول: إنه ما زال متكلمًا إذا شاء؛ لأن الكلام من جهة القدرة عليه معنى ذاتي، فيقال للمتكلم ما زال متكلمًا، وهو يتكلم بمشيئةٍ، خلافًا لمن قال: إن كلام الله قديم مطلقًا.
والمعطلة المبتدعة أنواع (^١):
الجهمية نفوا كل الصفات - الذاتية والفعلية -، ولم يثبتوا إلا ذاتًا مجردة، وتبعهم المعتزلة في ذلك.
وهناك طوائف لفَّقوا واضطربوا، أخذوا من هذا في جانب، ومن هذا في جانب، مثل: الكُلَّابية: الذين ينفون الصفات الفعلية، وهي المتعلقة بالمشيئة، وكذلك الأشاعرة: ينفون كثيرًا من الصفات - الذاتية والفعلية - فيقولون: إنه تعالى لا تقوم به الأفعال الاختيارية.
والأفعال الاختيارية: هي المتعلقة بالمشيئة، مثل: النزول «فعل اختياري» يفعله الرب بمشيئته، والاستواء «فعل اختياري» يفعله الرب بمشيئته، والغضب والرضا والحب، فيغضب إذا شاء، ويرضى إذا شاء، ويحب مَنْ شاء إذا شاء.
ونُفاة الأفعال الاختيارية بنوا مذهبهم على شبهة باطلة لا أصل لها.
قالوا: إنه تعالى منزه عن حلول الحوادث، فيقال لهم: هذا لفظٌ محدث فليس في القرآن ولا في السنة أن الله تعالى منزه عن حلول الحوادث.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٦/ ٥١.
[ ٦٥ ]
وهو أيضًا: لفظٌ مجمل يحتمل حقًّا وباطلًا؛ فمن قال: الله منزه عن حلول الحوادث، نقول له: ما معنى قولك: «منزه عن حلول الحوادث»؟
فإن قال: الله منزه أن يحل فيه شيءٌ من المخلوقات.
نقول: نعم هذا حق، اللهُ لا يحل في ذاته شيء من مخلوقاته.
وإن قال: إنه منزهٌ - أيضًا - عن أن تقوم به الأفعال الحادثة التي تكون بالمشيئة.
نقول: هذا باطل، الله تعالى يفعل ما يشاء، إذا شاء، كيف شاء، فهو تعالى فعَّال لما يريد.
وأهل البدع منهم من نفى الأفعال الاختيارية مطلقًا؛ حذرًا مما أصَّلوه، وهو نفي حلول الحوادث.
ومنهم من يُثبت الأفعال، لكن يقول: إنها لا تتعلق بها المشيئة، وهم الكُلَّابية، فيقولون: إنه يتكلم ويغضب ويرضى لا بمشيئة؛ بل هذه الصفات قديمة، فهو لم يزل متكلمًا، وغاضبًا على من هو أهل للغضب، وراضيًا عن من هو أهل للرضا.
والأشاعرة ينفون، ولا يثبتون إلا الصفات السبع، على ما في إثباتهم من تذبذبٍ واضطراب.
والجهمية، والمعتزلة يقولون: إنه صار متكلمًا بعد أن لم يكن - وليس متكلمًا بمعنى أنه يقوم به الكلام -، وإنما يريدون أنه خلق كلامًا؛ لأن الكلام عندهم مخلوق، والقرآن مخلوق، وصار فاعلًا بعد
[ ٦٦ ]
أن لم يكن، وليس معنى ذلك أنه يقوم به الفعل، وأنه يفعل فعلًا يقوم بذاته، ولهذا يقول ابن القيم في «الشافية الكافية» (^١) عن الجهم:
وَقَضَى بِأنَّ الله لَيسَ بفاعِلٍ … فِعلًا يَقومُ بِه بِلَا بُرهَانِ
فقضى بأن الله ليس بفاعل فعلًا يقوم به؛ بل الفعل عند جَهْمٍ، والمعتزلة، والأشاعرة، هو نفس المفعول.
والحق المعقول أن الأمور ثلاثة: «فعل، وفاعل، ومفعول»، فالمفعول يقتضي فاعلًا، وفعلًا يقوم به، هذا هو الشيء البدهي المعقول، ولا يعمى عن هذا إلا من لُبِّس عليه، وغُرست في قلبه الشبهات، وعاش على التقليد والتبعية.
وهؤلاء الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم في نفي قيام الأفعال الاختيارية به ﷾ قالوا: إنه يجب أن تكون لجنس المخلوقات بداية، وقبل هذه البداية يمتنع دوام الحوادث، أو تسلسل المخلوقات، أو دوام المخلوقات، أو حوادث لا أول لها، قالوا: هذا مستحيل، ممتنع لذاته، وإذا كان دوام الحوادث ممتنعًا فالرب تعالى غير قادرٍ على أن يخلق في الأزل!
لأن الممتنع لا تتعلق به القدرة.
وكفى بهذا تنقصًا لرب العالمين!
_________________
(١) ص ٢٦.
[ ٦٧ ]
ومن يقول: إن دوام الحوادث ممتنع، والرب لم يزل قادرًا عليها؛ فقد جمع بين النقيضين؛ لأن كونه قادرًا يقتضي أن يكون دوام الحوادث ممكنًا، فكأنه يقول: إن دوام الحوادث ممكن ممتنع، وهذا جمعٌ بين النقيضين.
وجمهور المتكلمين على امتناع دوام الحوادث في الماضي.
لكن ينبغي فهم معنى دوام الحوادث، أو تسلسل الحوادث - أي: المخلوقات -، أو حوادث لا أول لها، فمعناه: هل يمكن أن يكون ما من مخلوق إلا قبله مخلوق، وقبل المخلوق مخلوق، وقبل المخلوق مخلوق إلى ما لا نهاية له، هل هذا ممتنع؟ هذا هو معنى الكلام.
وفي تسلسل المخلوقات ثلاثة مذاهب (^١):
قال جهم بامتناع دوام الحوادث في الماضي والمستقبل، فجنس الحوادث عنده لها بداية، ويمتنع دوامها في المستقبل، ولهذا قال بفناء الجنة والنار.
وجمهور المتكلمين قالوا بامتناع دوام الحوادث في الماضي، وجوازه في المستقبل.
وإقرارهم بدوام الحوادث في المستقبل حُجَّةٌ عليهم، والصواب هو: جواز دوام الحوادث في الماضي والمستقبل؛ لأنه جائز - أي: ممكن لا
_________________
(١) انظر: منهاج السنة ١/ ١٤٦، ودرء تعارض العقل والنقل ١/ ٣٥١، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة ٣/ ٩٩٦، وقِدم العالم وتسلسل الحوادث.
[ ٦٨ ]
مانع منه -، فإذا كان الرب لم يزل على كل شيءٍ قديرًا، فلم يزل الفعل ممكنًا، ومن يقول: إنه لم يخلق في الأزل فعليه الدليل.
والأمر الذي نقطع ببطلانه قول من يقول: بامتناع دوام الحوادث في الماضي.
أما إذا قيل: إنه ممكن، والله فعالٌ لما يريد، فهذا هو الحق، وأهم شيء أن تعلم أن هذا لا يستلزم محذورًا كما ظنه الظانون والجاهلون؛ لأنه على هذا التقدير - دوام الحوادث - معناه: أن كل مخلوق فإنه مسبوق بعدم نفسه - أي محدث بعد أن لم يكن - والله تعالى متقدم على كل شيء، مهما يُفرض من مخلوقات متسلسلة فالله تعالى سابق لها، فكل مخلوق فالله تعالى خالقه، والمخلوق محدثٌ، والله تعالى لم يزل.
وهذه المسألة تُشكِل على كثير من الناس؛ لكن يجب أن تؤمن بأن الله لم يزل على كل شيء قديرًا، ولم يزل فعالًا لما يريد، وإذا آمنت بأن الله لم تحدث له قدرة - أي: لم يصر قادرًا بعد أن لم يكن قادرًا، ولم يصر فعالًا بعد أن لم يكن فعالًا - حصل المطلوب سواء فهمت المسألة أو لم تفهمها.
وإذا استقر هذا في نفسك فهمت أنه يقتضي جواز وإمكان دوام الحوادث في الماضي، ما دام أن ربك لم يزل على كل شيء قديرًا، ولم يزل فعالًا لما يريد.
[ ٦٩ ]
والأصل المهم هو: الإيمان بكمال ودوام قدرة وفاعلية الرب، وأنه تعالى لم يزل فعالًا لما يريد، ولم يزل على كل شيء قديرًا، هذا هو الذي يجب أن تستمسك به.
والمسلمون هذه فطرتهم، وهذه عقيدتهم، ولا يتكلمون في مسألة التسلسل، لكن ألجأ إلى الكلام في ذلك أهلُ البدع المعطلة - الجهمية، والمعتزلة، والذين تأثروا بهم - حين تكلموا وقالوا: يمتنع دوام الحوادث!
فلزم بيان الحق، وهو أن الله تعالى لم يزل على كل شيء قديرًا، ولم يزل فعالًا لما يريد، ولم يزل خالقًا، ولم يزل قادرًا، وهكذا «ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه».
وبعد هذه الجملة العامة المجملة، ذكر الطحاوي جملًا تفصيلية فيقول:
[ ٧٠ ]