وقوله: «ولا نخوض في الله، ولا نماري في دين الله».
من منهج أهل العلم والتقوى أنهم لا يتكلمون في ذات الله وصفاته وأفعاله بغير علم أو بالكلام الباطل؛ بل يتكلمون في شأن الله بما علموا مما جاء به الرسول ﷺ من الكتاب والحكمة، فعلينا أن نَصِفَ الله بما وصف به نفسه، ونسميه بما سمى به نفسه، ونخبر عنه بما أخبر به عن نفسه، وما أخبر به عنه رسوله ﷺ، وليس هذا من الخوض، هذا من بيان الحق ومن الثناء على الله، ومن تعظيم الله والإيمان به سبحانه، وما كان غير ذلك فهو من الخوض الباطل، كالكلام في كيفية ذاته أو صفاته بغير علم.
وقوله: «ولا نماري في دين الله»، المراء: الجدال، وأكثر ما يطلق المراء على الجدال بالباطل، إما من جهة القصد، أو من جهة ما يُجادَل به ويُحتَج به من الحجج الباطلة الداحضة، فالاحتجاج بالحجج الباطلة كالاحتجاج والاستدلال بالشبه العقلية وبالروايات المكذوبة، أو الجدال على وجه التعصب، لا لقصد إظهار وبيان الحق والوصول إليه، كل هذا من الجدال بالباطل، ومن المراء في الدين، ومن ذلك الجدال أو المراء على وجه المعارضة لما جاءت به النصوص، فكل هذا من المراء في الدين.
[ ٢٤٨ ]
والجدال بالباطل هو سبيل أعداء الرسل، قال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤)﴾ [غافر]، ويقولتعالاعنأعداءالرسل: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر: ٥]، أما الجدال الذي يراد منه الوصول إلى الحق وإظهاره ودفع الباطل؛ فهذا مشروع، وهو من طرق الدعوة، كما قال ﷾: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، فالجدال بالبينات، وبالحُجج الظاهرات، والأدلة العقلية والسمعية، كل هذا من طرق الدعوة إلى الله ومن الجدال بالتي هي أحسن، وما خالف ذلك فهو من المراء المذموم.
وقوله: «ولا نجادل في القرآن»، يظهر أن هذا يدخل في قوله: «لا نماري في دين الله»، لكن عطفها على ما قبلها من عطف الخاص على العام، فلا نماري في دين الله، ولا نماري في القرآن، أي: لا نجادل فيه تكذيبًا، ولا نجادل في معانيه تحريفًا، لكن نحتج به ونستدل به؛ وهناك فرق بين الأسلوبين، فنجادل بالقرآن، أي: يكون القرآن هو السلاح الذي نجادل به، ونرد به على أهل الباطل؛ لكن لا نجادل فيه معارضةً لأخباره أو أحكامه، أو تكذيبًا أو تأويلًا له وصرفًا له عن ظاهره، فكل هذا من سبل الباطل، فأهل الباطل هم الذين يجادلون في آيات الله، كما قال ﷾: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤]، فيقولون: هذا سحر، هذا شعر، هذا كهانة؛ تكذيبًا له، ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى
[ ٢٤٩ ]
كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ٣٥﴾ [غافر]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾ [غافر].
وقوله: «ونشهد أنه كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين، فعلَّمه سيد المرسلين محمدًا صلى عليه وعلى آله أجمعين، وهو كلام الله تعالى، لا يساويه شيء من كلام المخلوقين، ولا نقول بخلقه، ولا نخالف جماعة المسلمين».
هذا من شواهد ما تقدم ذكره (^١) من أن المصنف لم يرتب الكلام في مسائل الاعتقاد، ويجمع كل صنف ويضمه إلى جنسه، بل فرَّق الكلام في أصول الإيمان.
فهذه الجملة المذكورة تتعلق بالقرآن، وقد تقدم (^٢) القول في عقيدة أهل السنة في القرآن، وأن القرآن كلام الله حقيقة منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأنه كلام الله على الحقيقة وليس ككلام البشر، والناس في القرآن منهم الكفار المكذبون للقرآن الذين قالوا: إنه كلام محمد، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر]، ومنهم من يؤمن بتنزيل القرآن لكنه يتأوله على غير تأويله، ويفسره بما يوافق هواه وأصوله الباطلة، كما فعل القدرية والجهمية والرافضة، فكل طائفة تؤول القرآن على ما يوافق مذهبها وأصولها.
_________________
(١) ص ٢٣٨.
(٢) ص ١٢١.
[ ٢٥٠ ]
وقوله: «ونشهد أنه كلام رب العالمين».
نشهد ونؤمن ظاهرًا وباطنًا، ونقر بقلوبنا وألسنتنا أن هذا القرآن كلام ربنا، تكلم به سبحانه حقيقةً، وأنه كلام الله حروفه ومعانيه، هو كلام الله تعالى مكتوبًا في المصاحف، أو محفوظًا في الصدور، أو متلوًّا بالألسن، أو مسموعًا بالآذان، فالذي يقرؤه القارئ نقول: هذا كلام الله، أي: المتلو، ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، لكن نحن نسمع كلام الله من صوت القارئ، كما سمع الصحابة القرآن بصوت الرسول ﷺ، وسمعه الرسول من جبريل ﵇، وسمعه جبريل من رب العالمين.
وقوله: «نزل به الروح الأمين»، جبريل ﵇ هو: الروح الأمين، وهو روح القدس.
وقوله: «فعلَّمه سيد المرسلين محمدًا صلى عليه وعلى آله أجمعين».
كما قال ﷾: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم]، فجبريل هو الموكل بالوحي، ولهذا أضاف الله القرآن إلى الرسول من البشر محمد ﷺ، وأضافه إلى الرسول من الملائكة وهو جبريل ﵇، كما قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥)﴾ [الحاقة]، فالمراد بالرسول في هذه الآيات: محمد ﷺ،
[ ٢٥١ ]
وقال سبحانه في سورة التكوير: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ [التكوير]، وهذا جبريل ﵇.
وقوله: «وهو كلام الله تعالى لا يساويه شيء من كلام المخلوقين».
هذا تأكيد لما سبق أنه كلام الله، ولا يساويه شيء من كلام العالمين، ولهذا تحدى الله به الثقلين: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء].
وقوله: «ولا نقول بخلقه، ولا نخالف جماعة المسلمين».
ولا نقول بخلق القرآن كما قالت المعطلة المبتدعة كالجهمية والمعتزلة ومن وافقهم؛ بل نقول: إنه كلام الله حقيقة حروفه ومعانيه، ليس كلام الله الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف (^١).
وقوله: «ولا نخالف جماعة المسلمين».
جماعة المسلمين في الصدر الأول، وإلا فالمسلمون بعد الصدر الأول قد تفرقوا واضطربوا واختلفوا في القرآن، فنحن لا نخالف جماعة السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
* * *
_________________
(١) العقيدة الواسطية ص ١٦١.
[ ٢٥٢ ]