قال ﵀: «حيٌّ لا يموت، قيوم لا ينام».
يقول ﵀ في ذكر بعض أسماء الرب وصفاته وتنزيهه عن ما يضادها -: «حيٌّ»، أي: نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله «حيٌّ لا يموت، قيومٌ لا ينام»، «الحي القيوم» اسمان من أسمائه الحسنى التي سمى بها نفسه.
فأما «الحي» فقد ورد في مواضع كثيرة في القرآن، وأما «القيوم» فقد ورد في ثلاثة مواضع مقرونًا بالحي: في آية الكرسي، وأول سورة آل عمران، وفي سورة طه ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١]، حتى قيل: إنهما «الاسم الأعظم» (^١).
وأما «الحي» فقد ورد غير مقرون بهذا الاسم، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر].
_________________
(١) عن أبي أمامة ﵁: عن النبي ﷺ قال: «إن اسم الله الأعظم لفي ثلاث سور من القرآن: في سورة البقرة، وآل عمران، وطه» رواه ابن ماجه (٣٨٥٦)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ١/ ١٦٢، والطبراني في الكبير (٧٧٥٨)، والحاكم ١/ ٥٠٥ و٥٠٦، وانظر: السلسلة الصحيحة ٧٤٦.
[ ٥٦ ]
فمن أسمائه الحسنى أنه «الحي القيوم»، واسمه «الحي» يدل على إثبات الحياة له، فهو «الحي» والحياة صفته، فله الحياة التامة التي لا تشبه حياة المخلوق، الحياة المتضمنة لكل ما هو كمال للحياة، وهو «القيوم»، وقيل في معناه: إنه القائم بنفسه، فليس مفتقرًا إلى غيره في وجوده، ولا في شيء من صفاته وأفعاله ﷾، وقيل بأنه: القائم بالمخلوقات (^١)، فكل المخلوقات لا قيام لها، ولا وجود لها، ولا بقاء لها، ولا صلاح لها أبدًا، إلا به سبحانه، فهو المبدع الخالق لها، وهو المُمِدُّ لها بما تحتاج، وهو المُبقي لما شاء بقاءه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت.
قال ابن القيم ﵀: إن هذين الاسمين يتضمنان جميع الصفات، فاسمه الحي يتضمن جميع الصفات الذاتية من: العلم، والسمع، والبصر، والقدرة، والعزة، والحكمة، والرحمة.
واسمه «القيوم» يتضمن جميع الصفات الفعلية من: الخلق، والتدبير، والإحياء، والإماتة، والإعزاز والإذلال، والعطاء والمنع، والخفض والرفع. هذا معنى كلامه (^٢).
والله تعالى لما ذكر هذين الاسمين أكد مضمونهما بقول: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
_________________
(١) تفسير الطبري ٤/ ٥٢٩، والكافية الشافية ص ١٨٢.
(٢) بدائع الفوائد ٢/ ٦٧٨، والكافية الشافية ص ٤٤ - ٤٥.
[ ٥٧ ]
فنفي السِّنة والنوم عن الله يتضمن ويؤكد كمال الحياة والقيومية؛ لأن النوم أخو الموت، والسِّنة - التي هي مبادئ النوم - نقصٌ، وأكد ذلك في آية أخرى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، فأثبت لنفسه الحياة، ونفى عنه كل ما يضاد الحياة.
يقول المؤلف: «حيٌّ لا يموت، قيوم لا ينام»: وهذا تفريق منه حين ربط نفي الموت بإثبات الحياة، ونفي النوم بإثبات القيومية، وإلا فالله تعالى ربط نفي النوم بالاسمين جميعًا، فقال: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]؛ لأن النوم ينافي كمال الاسمين، والصواب أن نقول: إنه تعالى حيٌّ لا يموت، ولا ينام، ولا تأخذه سِنةٌ ولا نوم، فالموت والسِّنة والنوم كلها تنافي هذين الاسمين.
* * *
[ ٥٨ ]