وقوله: «وحبيب رب العالمين».
«حبيب» بمعنى محبوب له ﷾، والله تعالى يحب الرسل والأنبياء، والصالحين، وكل مؤمن له حظٌّ من محبة الله تعالى؛ فإن الله تعالى يحب المتقين، والتوابين، والمتطهرين، والمقسطين، والصابرين، والمجاهدين، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ [الصف]. إذًا؛ وصفه ﷺ بأنه حبيب رب العالمين لا تظهر فيه خصوصية؛ فكل نبي، وكل مؤمن فهو حبيب لرب العالمين، فمثلًا: علي ﵁ حبيب رب العالمين قال النبي ﷺ: «يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله» (^١).
ولهذا كان اللائق بالمؤلف أن يقول: «وخليل رب العالمين»؛ لأن المحبة مشتركة بين جميع المؤمنين، وعباد الله الصالحين، أما الخُلَّة فمن خصائصه ﷺ مع إبراهيم ﵇.
والخلة أعلى مراتب المحبة؛ فالخليل هو أحب العباد إلى الله، والله أخبر في كتابه أنه اتخذ إبراهيم خليلًا، ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء]، وثبت في السنة الصحيحة أن الله اتخذ محمدًا ﷺ خليلًا،
_________________
(١) رواه البخاري (٣٠٠٩)، ومسلم (٢٤٠٦) من حديث سهل بن سعد ﵁.
[ ١١٢ ]
ففي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «ألا إني أبرأ إلى كل خِلٍّ من خِلِّه، ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، إن صاحبكم خليل الله» (^١)، وفي الحديث الآخر: «إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا» (^٢)، فإبراهيم ومحمد خليلا رب العالمين، ففيه إثبات صفة المحبة لله، وأنه يحب إبراهيم ومحمدًا محبة تامة، وذلك؛ لأنهما أكمل الأنبياء توحيدًا، ومباعدة من الشرك والمشركين، فكان المناسب أن يقول المؤلف: «وخليل رب العالمين».
وكثيرٌ من الصوفية يعبر عن الرسول ﷺ بأنه «حبيب الله»، ويرددون مثل هذا، ولا يعلمون أن هذه ليس فيها خصوصية، ومزيَّة بيَّنة (^٣).
وقد روي أن النبي ﷺ قال: «إن إبراهيم خليل الله … وأنا حبيب الله ولا فخر» (^٤)، فجعل الخُلَّةَ لإبراهيم، والمحبةَ له، وهو حديث ضعيف معارِض للأحاديث الصحيحة، ولا يصح سندًا ولا متنًا.
* * *
_________________
(١) رواه مسلم (٢٣٨٣) من حديث ابن مسعود ﵁.
(٢) رواه مسلم (٥٣٢) من حديث جندب ﵁.
(٣) العبودية ص ٢٠٤، وروضة المحبين ص ٤٧، وانظر: ص ٢٣٤.
(٤) رواه الدارمي (٤٧)، والترمذي (٣٦١٦) - وقال: حديث غريب - من طريق: زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام، وزمعة ضعيف، وسلمة ضُعِّف، وخصوصًا إن روى عنه زمعة. تهذيب التهذيب ١/ ٦٣٥ و٢/ ٧٩.
[ ١١٣ ]