وقوله: «والحوض الذي أكرمه الله تعالى به - غِياثًا لأمته - حقٌّ».
تواترت السنة عن النبي ﷺ في الخبر عن حوضه (^١)، وقال النبي ﷺ للأنصار: «إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض» (^٢)، وأخبر عن ورود أمته عليه وهو على حوضه، وقال ﷺ: «إني فَرَطُكم على الحوض - أي: سابقكم - وإنه سَيَرِدُ عليَّ أقوام من أمتي فيذادون عن حوضي فأقول: إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك؛ فأقول سحقًا سحقًا لمن غَيَّر بعدي» (^٣)، فيجب الإيمان بما دلت عليه الأخبار من حوضه ﷺ، وأن طوله شهر وعرضه شهر (^٤)، وآنيته عدد نجوم السماء، وماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل (^٥).
_________________
(١) قطف الأزهار المتناثرة ص ٢٩٧، ونظم المتناثر ص ٢٤٨، وانظر: السنة لابن أبي عاصم ٣٠٧ - ٣٤٦، والبداية والنهاية لابن كثير ١٩/ ٤٢٣ - ٤٦٦؛ فقد أطال في سرد أحاديث الحوض.
(٢) رواه البخاري (٤٣٣٠)، ومسلم (١٠٦١) من حديث عبد الله بن زيد ﵄.
(٣) رواه البخاري (٦٥٨٣ و٦٥٨٤)، ومسلم (٢٢٩٠ و٢٢٩١) من حديث سهل بن سعد وأبي سعيد الخدري ﵃.
(٤) رواه البخاري (٦٥٧٩) مسلم (٢٢٩٢) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
(٥) رواه البخاري (٦٥٧٩)، ومسلم (٢٢٩٢) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، ومسلم (٢٤٧) من حديث أبي هريرة ﵁ و(٢٣٠٠) من حديث أبي ذر ﵁، و(٢٣٠١) من حديث ثوبان ﵁.
[ ١٧٩ ]
والحوض في عرصات القيامة، قبل دخول الجنة، يرد عليه المستمسكون بسنته ﷺ، فمن شرب منه لم يظمأ بعدها أبدًا (^١)؛ لأنه يصير إلى الجنة، وعنده أنهارها: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُا فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ [طه]، فليس فيها ظمأ ولا جوع؛ لأن كل مطالب النفوس موجودة فيها، ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١]، ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [محمد: ١٥]، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، في آيات كثيرة.
ومما جاء في أحاديث الحوض أنه: «يشخب فيه ميزابان من الجنة» (^٢)، ميزابان يصبان فيه - الله أعلم بقدرهما وصفتهما - من نهر الكوثر الذي أعطاه الله محمدًا ﷺ وأكرمه به، ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ [الكوثر]، والمعتمد في تفسيره: أنه نهر في الجنة أكرمه الله به، ففي حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أتدرون ما الكوثر؟» فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه نهر وعدنيه ربي ﷿ عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم» (^٣).
_________________
(١) نفس تخريج حديث سهل وأبي سعيد السابق.
(٢) رواه مسلم (٢٣٠٠) عن أبي ذر ﵁، و(٢٣٠١) عن ثوبان ﵁.
(٣) رواه مسلم (٤٠٠).
[ ١٨٠ ]
فيجب الإيمان بما دلت عليه هذه الأخبار، وأهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك، ولهذا قال الطحاوي: «والحوض الذي أكرمه الله تعالى به - غِياثًا لأمته - حقٌّ».
وورد في حديث رواه الترمذي أن النبي ﷺ قال: «إن لكل نبي حوضًا» (^١)؛ ولكن أعظمها حوض نبينا ﷺ؛ لأن المؤمنين من أمته ﷺ هم أضعاف أضعاف المؤمنين من سائر الأمم، فكثرة أتباعه ﷺ والمؤمنين به يقتضي أن يكون حوضه أعظم الموارد.
وتكلم بعض العلماء في شأن ترتيب الحوض مع بعض أمور القيامة، هل يكون قبل الميزان أو بعده؟ وهل هو قبل الصراط أو بعده؟
والشارح ابن أبي العز (^٢) نقل عن القرطبي (^٣): أنه قبل الميزان، وعلل هذا بأن الناس يبعثون من قبورهم عطاشًا، فيقدم قبل الميزان والصراط.
وهذا لا يكفي دليلًا، وما الدليل على أن المؤمنين الذين هم أهل الورود يبعثون عطاشًا؟!
فهذه المسألة يجب الإمساك عن الكلام فيها، فلا نقول: قبل ولا بعد، فالله أعلم، هذه أمور غيبية، ولا يجزم بشيء منها إلا بحجة وبرهان.
_________________
(١) الترمذي (٢٤٤٣)، وقال: حديث غريب، وقد روى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلًا، ولم يذكر فيه عن سمرة، وهو أصح، وانظر: فتح الباري ١١/ ٤٦٧، والسلسلة الصحيحة (١٥٨٩).
(٢) ص ٢٨٢.
(٣) التذكرة ٢/ ٧٠٢.
[ ١٨١ ]
وأما كونه قبل الصراط أو بعد الصراط فهذا فيه تأمُّل، واستدل من قال: إنه قبل الصراط: بأنه ثبت أنه يَرِد عليه من يُذاد عنه ممن استوجب العذاب، وهؤلاء لا يجاوزون الصراط.
واختار ابن القيم: بعد أن حكى القولين أنه لا يمتنع أن يكون قبل الصراط وبعده، فإن طوله شهر وعرضه شهر، فإذا كان بهذا الطول والسعة، فما الذي يحيل امتداده إلى ما وراء الصراط، فيردونه قبل وبعد (^١).
والأمر محتَمل. والله أعلم.
* * *
_________________
(١) زاد المعاد ٣/ ٦٨٣.
[ ١٨٢ ]