ثم قال: «ذلك بأنه على كل شيءٍ قدير، وكل شيءٍ إليه فقير، وكل أمرٍ عليه يسير، لا يحتاج إلى شيء».
هذا تعليل لما سبق من أنه ﷾ لم يزل هو الخالق، البارئ، المصور، المحيي، المميت، ذلك بأنه لم يزل على كل شيءٍ قديرًا، وهذا وصف قد أثنى الله به على نفسه في مواضع كثيرة من القرآن كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ [البقرة]، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)﴾ [النحل]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)﴾ [الكهف]، ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] الآية.
وذِكر هذا الاسم في القرآن كثير جدًا فهو «القادر»، وهو «القدير»، وهو «المقتدر» ﷾.
والأدلة على كمال قدرته بدلالاتٍ أخرى متنوعة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق]، وقال سبحانه: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧].
فإخباره تعالى بخلق السماوات والأرض، وخلق كل شيء يستلزم إثبات كمال قدرته، فلا خروج لشيء عن قدرته، فكل الموجودات
[ ٧٣ ]
إنما وجدت بمشيئته وقدرته ﷾، وفي هذا ردٌّ على القدرية؛ كالمعتزلة، الذين يُخرجون أفعال العباد عن قدرة الله وعن مشيئته (^١)، فأفعال العباد عندهم لا تتعلق بها مشيئة الله وقدرته وخلقه! فالعباد هم الخالقون لأفعالهم يتصرفون بدون مشيئة الله، والله لا يقدر أن يجعل القائم قاعدًا، والقاعد قائمًا، ولا المؤمن كافرًا، ولا الكافر مؤمنًا، فكل ما يجري في الوجود من أفعال العباد، وأفعال الحيوان، خارج عن مشيئة الله، والله تعالى لا يقدر على أن يمنع شيئًا من هذه الأمور! فالقتال الذي يجري بين الناس لمختلف الأسباب والدوافع ليس بمشيئة الله بزعمهم، والله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾ [البقرة]، ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧)﴾ [الأنعام].
هذا مضمون هذا المذهب القبيح المنكر.
وقوله: «وكل شيءٍ إليه فقير»، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر]، كل شيء إليه فقير وهو الغني بذاته عن كل من سواه.
فالغنى المطلق من لوازم ذات الرب تعالى، والفقر من لوازم المخلوق، فالفقر صفة ذاتية للمخلوق، والغنى صفة ذاتية للخالق.
_________________
(١) التدمرية ص ٥٥٧.
[ ٧٤ ]
فالمخلوق فقير إلى الله من جميع الوجوه، والله غني عن خلقه من جميع الوجوه، فكل شيءٍ مفتقر إلى الله في وجوده، وفي بقائه، وفي مصالحه، وفي كل شؤونه.
وقوله: «وكل شيءٍ عليه يسير».
كل شيءٍ عليه هين، وهذا يؤكد أنه على كل شيءٍ قدير، فليس هناك ما يصعب عليه ويعجزه، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٤]، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩)﴾ [العنكبوت].
وقوله: «لا يحتاج إلى شيء».
هذا يؤكد كمال غناه، فهو الغني بذاته عن كل ما سواه.
ولو قال المؤلف: «ذلك بأنه على كل شيءٍ قدير، وكل شيءٍ عليه يسير، وكل شيءٍ إليه فقير لا يحتاج إلى شيء» لكان أكثر تناسبًا؛ لأن الجملة الثالثة مناسبة للجملة الأولى، والجملة الرابعة مناسبة للجملة الثانية.
* * *
[ ٧٥ ]