وقوله: «ونؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه قد رُقِم، فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائنًا لم يقدروا عليه، جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. وما أخطأ العبدَ لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه، وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق عِلمُه في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديرًا محكمًا مبرمًا، ليس فيه ناقض ولا مُعقِّب، ولا مزيل ولا مُغيِّر، ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه، وذلك من عَقْد الإيمان، وأصول المعرفة، والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته، كما قال تعالى في كتابه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ [الفرقان] وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾ [الأحزاب]، فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيمًا، وأحضر للنظر فيه قلبًا سقيمًا، لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرًّا كتيمًا، وعاد بما قال فيه أفاكًا أثيمًا».
كل هذا دائر على موضوع القدر، والمصنف أطنب في الكلام على موضوع القدر وذلك لأهميته، وفرَّق الكلام فيه كما تقدم؛ لأن قوله هناك: «ولا يكون إلا ما يريد» (^١)، وقوله أيضًا: «خلق الخلق بعلمه» (^٢)، كل هذا مما
_________________
(١) ص ٤٨.
(٢) ص ٧٨.
[ ٢١١ ]
يتصل بالقدر، والموضوع لا شك أنه جدير بزيادة التقرير والتأكيد، وبيان ما يقتضيه الإيمان بالقدر، وتقدم (^١) أنَّ جِماعَ الأمرِ الإيمانُ بالقدر بمراتبه الأربع، والإيمانُ يتضمن التسليم لحكم الله ولقدره، وترك المعارضة، والإمساك عن الخوض فيما طوى الله علمه عن العباد.
ويقول هنا: «ونؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه قد رُقِم»، من توابع الإيمان بالقدر الإيمان باللوح، واللوح المحفوظ ذكره الله تعالى بهذا اللفظ في سورة البروج، قال تعالى: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظِ (٢٢)﴾ [البروج] واللوح المحفوظ هو: أم الكتاب، ﴿٣٨ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد]، وهو الكتاب المبين المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام]، وهو الكتاب المكنون: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾ [الواقعة]، فقد ذكر بأسماء متعددة في القرآن: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج].
فيجب الإيمان باللوح المحفوظ تصديقًا لخبر الله تعالى، وخبر رسوله ﷺ، وهو الذي كتب الله فيه مقادير كل ما هو كائن إلى يوم القيامة، «والقلم» أي: قلم المقادير الذي ورد فيه حديث عبادة بن الصامت أن الرسول ﷺ قال: «أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: ما هو كائن إلى يوم القيامة» (^٢)؛ فجرى القلم بما
_________________
(١) ص ١٩١ وما بعدها.
(٢) رواه أحمد ٥/ ٣١٧، وأبو داود (٤٧٠٠)، والترمذي (٢١٥٥) - وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه -، وابن جرير في تاريخه ١/ ٢٨، وصححه، والضياء في «المختارة» في مواضع منها: ٨/ ٣٥١ - ٣٥٣.
[ ٢١٢ ]
هو كائن إلى يوم القيامة، وهذا القلم هو قلم المقادير الأول، والمقادير أو التقديرات أنواع، وكل قَدَرٍ له قلم يناسبه؛ لأن الكتابة تكون بالقلم.
فالقدر الأول: هو القدر العام لجميع المخلوقات.
والتقدير الثاني: وهو الذي قدر الله فيه أمور آدم وذريته، وهو الذي أُشير إليه في حديث احتجاج آدم وموسى، وأن آدم ﵇ قال لموسى ﵇: «هل وجدت في التوراة: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)؟ قال: نعم. قال: أفتلومني على أن عملتُ عملًا كتبه الله عليَّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول الله ﷺ: فحج آدم موسى» (^١).
والتقدير الثالث: وهو التقدير المختص بكل إنسان، كما في الحديث المتفق على صحته عن النبي ﷺ: أنه قال - في الجنين عندما يبلغ أربعة أشهر -: «فيأتيه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد» (^٢).
والتقدير الرابع: وهو التقدير الحولي: وهو ما يكون في ليلة القدر: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ [الدخان]، وسميت ليلة القدر؛ لأنه يقدر فيها ما يكون في السنة إلى مثلها.
وهذه التقديرات لا تخالف ولا تناقض التقدير الأول العام.
_________________
(١) رواه البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٥٢) - واللفظ له - من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) تقدم في ص ٨٣.
[ ٢١٣ ]
فنؤمن باللوح والقلم ولا نتكلم في كيفية اللوح، وكيفية القلم، وكيفية تلك الكتابة، فالله أعلم كيف كانت تلك الكتابة، كل ذلك غيب يجب أن نمسك عنه، ولا نخوض فيه، ولا نفكر فيه.
وقوله: «وبجميع»، أي: ونؤمن بجميع «ما فيه قد رُقم»، أي: كُتِب، فنؤمن إيمانًا مجملًا بأن الله كتب فيه مقادير الخلق، لكن هل نعلم ما رُقِم فيه وما كُتِب فيه؟ لا نعلم؛ إلا ما أخبر الله تعالى به ورسوله ﷺ؛ لكن نعلم أن كل ما يقع في الوجود فهو مكتوب؛ لكن قبل الوقوع لا ندري إلا أن يأتي فيه خبرٌ من معصوم.
وقوله: «لو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن، ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائنًا لم يقدروا عليه»، يعني: لو اجتمع الخلق على أن يغيروا ما سبق به عِلم الله وكتابه لم يقدروا، وهذا معلوم بالضرورة أن الخلق لا يقدرون على تغيير قدر الله، ومن أدلة ذلك ما جاء في حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفت الصحف» (^١)، فالأمر قد فُرِغ منه، وهذا يوجب للعبد أن يعلق رجاءه وخوفه بربه لا بالأسباب ولا بالعباد؛
_________________
(١) رواه أحمد ١/ ٢٩٣، والترمذي (٢٥١٦) - وقال: حسن صحيح -، والضياء في «المختارة» ١٠/ ٢٢ - ٢٥، وحسنه الحافظ ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» ص ٣٤٥.
[ ٢١٤ ]
لأن العباد إن نفعوك فالله هو الذي أجرى تلك المنفعةَ على أيديهم، وأقدرهم عليها، وجعلهم يريدونها، وهيأ لهم أسبابها، وإن حصلت لك مضرة على يد أحد؛ فاعلم أن هذا بتقدير الله، فلا تغفلْ عن الله وتُعلِّقْ قلبك بهم فتخافهم، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠].
وقوله: «جف القلم بما هو كائن»، جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «جف القلم بما أنت لاقٍ» (^١)، جف القلم: هذه كناية عن الفراغ من الأمر الذي سبق به القدر، فكل ما يجري في الوجود فقد سبق به علم الله وكتابه، لكن نؤكد على أن الله قضى بحكمته وعلمه وكتابه، أن هذه الأقدار مرتبط بعضها ببعض، ومن قدر الله ترتيب المسبَّبَات على الأسباب، ما يجيء لك ولد إلا إذا تزوجت، ولا يعقل أن تقول: إنْ كتب الله لي ولدًا فسيأتي ولو لم أتزوج! أو تترك طلب الرزق وتقول: إنْ كتب الله لي رزقًا سيأتيني وأنا نائم! نعم قد يكون؛ لكن ليس هذا موجب العقل والفطرة والشرع؛ بل موجب العقل والفطرة والشرع: أن تسعى في طلب الرزق، ولو توكلت على الله، فلا بد لك من الأخذ بالأسباب، وأعظم من ذلك أمر السعادة، فلا تكون السعادة إلا بأسبابها وهي الإيمان والعمل الصالح، ولا يمكن أن يكون الإنسان سعيدًا إلا بالأسباب، فمن تحققت له أسباب السعادة فنعلم بذلك أنه قد سبق علم الله وكتابه بسعادته.
_________________
(١) رواه البخاري تعليقًا (٥٠٧٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢١٥ ]
وقوله: «وما أخطأ العبدَ لم يكن ليصيبَه وما أصابه لم يكن ليخطئه».
هذا تأكيد، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك» (^١)، فما حصل لك من خير أو شر فقد سبق في علم الله وكتابه أنه يصيبك ويحصل لك، وما أخطأك وما فاتك وما سلمت منه فقد سبق علم الله وكتابه بذلك، ولم يكن في علم الله وكتابه أنه يصيبك ثم يخطئك.
وقوله: «وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمُه في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديرًا محكمًا مبرمًا، ليس فيه ناقض ولا معقب، ولا مزيل ولا مغير، ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه».
هذه الجملة تؤكد ما سبق، وهي أعم من قوله (^٢): «وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار جملة واحدة، فلا يُزاد في ذلك العدد، ولا يُنقص منه»، فهذه الجملة بخصوص عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار، وقد علم الله ذلك كله؛ لكن هنا المؤلف يؤكد ما يتعلق بالمرتبة الأولى من مراتب القدر، فلا بد أن يعلم العبد أنه قد سبق علم الله بكل ما هو كائن، وسبق قضاؤه وحكمه قضاء مبرمًا محكمًا، فلا مُغَيِّر ولا ناقض، ولا زائد ولا ناقص لعلمه
_________________
(١) رواه أحمد ٥/ ١٨٢، وأبو داود (٤٦٩٩)، وابن ماجه (٧٧)، وابن حبان (٧٢٧) من حديث ابن الديلمي عن أبي بن كعب، وابن مسعود، وحذيفة موقوفًا، ورفعه زيد بن ثابت ﵃، وقال الذهبي في «المهذب في اختصار السنن الكبير» ٨/ ٤٢١٣: إسناده صالح، وصححه ابن القيم في شفاء العليل ص ١١٣. وانظر: السلسلة الصحيحة (٢٤٣٩).
(٢) ص ١٩١.
[ ٢١٦ ]
وتقديره تعالى، وهذه الجملة شاملة يدخل فيها - مثلًا -: الملائكة، فقد سبق علم الله وكتابه وتقديره للملائكة بأعدادهم وصفاتهم ومنازلهم وفضائلهم وأعمالهم وأقوالهم، وقد سبق علمه ﷾ وكتابه بعدد الأشجار وأنواعها وأجناسها وثمارها وأوراقها، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام].
تأملْ ماذا يتساقط من أوراق وحبوب الزروع والأشجار المأكولة وغير المأكولة في القفار وفي الديار؟!
وتأملْ قوله: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾، فإنها تشمل كل شيء من هذه الكائنات.
وقس سائر المخلوقات على هذين المثالين المذكورين.
ولسيد قطب ﵀ في تفسيره كلام وتصوير بديع لدلالة هذه الآية، وما فيها من الشمولية العظيمة، والدلالة على الإعجاز (^١).
وقوله: «وذلك من عقد الإيمان، وأصول المعرفة».
العلم بأن الله قد سبق علمه في كل كائن، وقدر ذلك تقديرًا محكمًا، هذا من عقد الإيمان، وباختصار نقول: الإيمان بالقدر بكل مراتبه؛ ولكن المؤلف ركَّز هنا على المرتبة الأولى والثانية: مرتبة الإيمان بالعلم السابق الأزلي، ومرتبة الكتاب فركَّز عليها وأكَّد عليها، بقوله:
_________________
(١) في ظلال القرآن ٢/ ١١١١.
[ ٢١٧ ]
«وذلك كله من عقد الإيمان»، الذي يجب عقد القلب عليه، والإيمان اعتقاد يعقد الإنسان قلبه عليه.
وقوله: «والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته».
لاحظْ أن الإيمان بالقدر هو من توحيد الربوبية؛ لأننا نقول في توحيد الربوبية هو: الإيمان بأنه تعالى رب كل شيء ومليكه، وأنه على كل شيء قدير، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه خالق كل شيء، هكذا نفسر توحيد الربوبية، وهذا يتضمن الإيمان بالقدر، وهو أن كل شيء جارٍ بقدر الله وبمشيئة الله على وفق علمه وتقديره السابق، ولهذا روي عن ابن عباس ﵄: «الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن وحَّد الله وآمن بالقدر فقد تم توحيده، ومن كذَّب بالقدر نقض تكذيبُه توحيده» (^١)، فالمكذب بالقدر لم يحقق توحيدَ الربوبية؛ فإن كان من الغلاة جحد علم الله وتقديره السابق، ونفى عموم المشيئة وعموم الخلق، وإن كان من مقتصدي النفاة القدرية فهو يُخرج أفعال العباد عن مشيئة الله وعن قدرته وخلقه وملكه.
إذًا؛ الإيمان بالقدر من توحيد الربوبية، فمن كذَّب بالقدر نقض تكذيبُه توحيدَه، وهذا يوضح قول المؤلف: «وذلك من عقد الإيمان، وأصول المعرفة».
_________________
(١) أخرجه عبد الله بن أحمد في «السنة» ٢/ ٤٢٢، والفريابي في «القدر» ص ١٤٣، والآجري في «الشريعة» ص ١٨٣ و١٨٤، وابن بطة في «الإبانة» ٢/ ١٥٩ و١٦٠، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» ٤/ ٧٤٢، بمعناه.
[ ٢١٨ ]
وقوله: «كما قال تعالى في كتابه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ [الفرقان]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾ [الأحزاب]».
هذان دليلان من الأدلة الدالة على الإيمان بالقدر، وأنه تعالى خلق كل شيء على وفق ما سبق به قدره.
وقوله: «فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيمًا، وأحضر للنظر فيه قلبًا سقيمًا، لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سِرًّا كتيمًا، وعاد بما قال فيه أفاكًا أثيمًا».
بعدما ذكر أن هذا هو ما عليه الراسخون في العلم أولياء الله الذين نوَّر الله قلوبهم، وذكر أن هذا كله من عقد الإيمان وأصول المعرفة والتوحيد، أشار إلى من خالف ذلك ولم يعترف به، أو آمن بالقدر إيمانًا ليس على الوجه المشروع، فقال: «فويل لمن صار»، ويل: كلمة للوعيد والتهديد، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ [المطففين]، ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ [الهمزة]، ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾ [الطور]، وهذا الوعيد يشمل كل الطوائف: الجبرية المشركية، والمجوسية نفاة القدر، والإبليسية، كلهم يصدق عليهم هذا؛ ولكن دخول الجبرية والإبليسية أظهر؛ لأن الجبرية يحتجون بالقدر في معارضة الشرع، كما قال المشركون: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، فهم يعارضون شرعه بقدره، ويحتجون على الشرع بالقدر.
[ ٢١٩ ]
والإبليسية الأمر فيهم أظهر، وخصومتهم لله تعالى وطعنهم في حكمته أشهر، كما قال الله عن سلفهم إبليس لما أمره الله بالسجود لآدم فأبى وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [الأعراف].
وقوله: «وأحضر للنظر فيه قلبًا سقيمًا»، فنظر في القدر بقلب سقيم عليل مريض، لم ينظر بقلب حي سليم.
والقلوب (^١) ثلاثة على سبيل الإجمال: القلب السليم: وهو الذي سلم من أمراض الشبهات والشهوات، وقلب ميت، وقلب مريض.
فالذي ينظر في القدر وهو عليل القلب لا يستقيم فهمه، وتضطرب الحقائق في نظره.
وقوله: «لقد التمس»، هذا الذي نظر في القدر بقلب سقيم يطلب ما لا سبيل إلى معرفته؛ لأنه طلب ما استأثر الله بعلمه كما تقدم أن: «القدر سر الله تعالى في خلقه … والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان … فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه» (^٢)، وهذا الكلام يؤكد ما سبق.
فالذي نظر في القدر على غير هدىً، وعلى غير بصيرة لم يعتصم بالوحي، فالمعتصم في كل المضائق هو دين الله أرسل به الرسل، وأنزل به الكتب؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، من اتبع الرسل اهتدى، ومن أعرض عما جاؤوا به ضل وتخبط في الظلمات.
_________________
(١) ص ٢٠٧.
(٢) ص ١٩٩، ٢٠١.
[ ٢٢٠ ]
وقوله: «بِوَهْمِه في فحص القدر سرًّا كتيمًا، وعاد بما قال فيه أفاكًا أثيمًا»، سر كتيم أي: مكتوم، سرٌّ استأثر الله بعلمه، ما دام أنه نظر فيه بقلب سقيم، ونظر فيه بوهم وتكلف؛ فسيعود بأقوالٍ في القدر هي إفك وكذب، فالجبرية، والقدرية النفاة، والإبليسية كلهم يشملهم هذا الكلام، عادوا بالكذب والإثم المبين، فالجبرية أعرضوا عن الشرع أو كذبوا به، والقدرية كذبوا بالقدر، والإبليسية طعنوا في حكمة الرب، وضربوا أحكام الله بعضها ببعض.
وهنا انتهى ما يتعلق بالقدر مما ذكره المؤلف، وقد أطنب فيه ﵀، وقد أحسن في هذه الكلمات الطيبة في التأكيد على وجوب الإيمان بالقدر، وأكد على أصل التسليم وهو أصل عظيم، وحذر من الخوض فيما لا سبيل إلى معرفته من أسرار القدر، وأشار إلى أحوال القلوب، وغير ذلك، فجزاه الله خيرًا ورحمه، وسائر أهل العلم والإيمان.
* * *
[ ٢٢١ ]