وقوله: «والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين بَرِّهِم وفاجِرِهم إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما».
الحج مشروع منذ فرضه الله إلى قيام الساعة والجهاد مشروع إلى قيام الساعة، مع الأمراء والأئمة بَرِّهِم وفاجِرِهم لا يمنعهما فجور أو ظلم الأمير، بل يشرع الحج مع الأمراء أبرارًا كانوا أو فجارًا. وكذا الجهاد والقتال إذا كان مشروعًا، فلا يمنع منه كون القائد فاجرًا أو عاصيًا أو ظالمًا.
وذكر الحج؛ لأن الخلفاء في الدولة الإسلامية كانوا يعينون أميرًا على الحج؛ لأنه يُحتاج فيه إلى تنظيم القوافل؛ لأنهم خلق كثير؛ كالجيش، ويحتاجون إلى سياسية وقيادة تدبر أمر السير، وترتيب الحراسات؛ وما يحتاجون إليه من الأغذية وعلف الدواب، وغيرها؛ فلهذا ذكر العلماء الحج مع الجهاد.
وذكر الطحاوي وغيره هذه المسألة للتنبيه على مخالفة الرافضة، فالرافضة عندهم أنه لا جهاد إلا مع إمام معصوم (^١)، وهم يقولون بعصمة الأئمة الاثني عشر: أولهم علي، ثم الحسن، ثم الحسين
_________________
(١) المبسوط في فقه الإمامية ٢/ ٨، وشرائع الإسلام ١/ ٢٣٢.
[ ٣٣٢ ]
﵃ … وآخرهم محمد بن الحسن العسكري، وهو الذي يسمونه الإمام والمهدي المنتظر، ويقولون: إنه دخل في سرداب في سامراء، وهم ينتظرونه إلى الآن، ويرون أنه لا جهاد إلا معه، وهذا الإمام معدوم لا حقيقة له؛ لأنه زعموا أنه دخل السرداب سنة ستين ومائتين أو قريبًا من ذلك، وهو دون التمييز ابن خمس سنين أو أقل (^١)، ولا يزال حيًّا، وهذا الإمام كما يقول شيخ الإسلام: «لم ينفعهم في دين ولا دنيا» (^٢).
فنُصَّ على هذه المسألة للتنبيه على بطلان مذهب الرافضة، ثم إنهم لم ينتفعوا بهؤلاء الأئمة الاثني عشر، سوى علي ﵁ فهو الذي تولى الخلافة، والحسن كانت له مدة قصيرة، أما بقية الأئمة الذين يدعون لهم العصمة وأنهم أحق بالإمامة من كل أحد؛ فلم ينتفعوا بهم ولم تكن لهم ولاية، وهؤلاء الأئمة حكمهم عند أهل السنة كحكم غيرهم، بحسب حالهم في دينهم وعلمهم، وهم متفاضلون، فمنهم العلماء؛ كعلي بن الحسين، وابنه محمد بن علي، وابنه جعفر بن محمد ﵏ فهؤلاء من العلماء الصالحين المعروفين (^٣)، وفوقهم من له فضل الصحبة وفضل القرابة كعلي، وولديه: الحسن والحسين ﵃.
* * *
_________________
(١) منهاج السنة ١/ ١١٤.
(٢) منهاج السنة ١/ ٨٠.
(٣) انظر تراجمهم على الترتيب في: سير أعلام النبلاء ٤/ ٣٨٦، و٤٠١، و٦/ ٢٥٥.
[ ٣٣٣ ]