وقوله: «ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم، ولا نقنطهم».
نرجو للمحسنين - لا أي أحد - أن يعفو الله عنهم، ويتجاوز عن ذنوبهم؛ فإن الحسنات يذهبن السيئات، وأن يدخلهم الجنة برحمته ﷾، ولا نأمن عليهم العقاب على ذنوبهم؛ لأن ذلك مردود إلى مشيئته ﷾؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وهو سبحانه أعلم وأحكم؛ فيجعل فضله وعفوه وإحسانه ورحمته حسبما تقتضيه حكمته البالغة، ويعاقب من يشاء، كما قال ﷾: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، فالأمر مردود إلى مشيئة الله؛ لكن نعلم بدلالة النصوص أن من المذنبين من يعفو الله عنهم، ومنهم من يعاقبه ويدخله النار ثم يخرجه منها، ولا يصح أن نقول: يجوز أن يتجاوز الله عن جميع المذنبين فلا يدخل أحد منهم النار؛ لأن النصوص دلت على أن من أهل الكبائر من يدخل النار ثم يخرج منها (^١).
_________________
(١) انظر ص ١٨٤.
[ ٢٥٨ ]
وقوله: «ونرجو للمحسنين».
يريد أهل الإحسان الذين حسن إسلامهم واستقاموا عليه، فهؤلاء أهل الإحسان العظيم، يُرجى لهم من العفو والرحمة والمغفرة ما لا يرجى لغيرهم؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات.
وقوله: «ولا نشهد لهم بالجنة».
لا نشهد لأحد من المحسنين الصالحين بالجنة، فضلًا عمن دونهم، وهذه مسألة سيأتي النص عليها في كلام الطحاوي (^١)؛ لأنه يكرر المعنى الواحد أحيانًا في أكثر من موضع، فلا نشهد لأهل القبلة بجنة ولا نار.
والشهادة بالجنة ذكر فيها الشارح ابن أبي العز ثلاثة مذاهب (^٢):
قيل: لا يُشهَد إلا للأنبياء.
وقيل: يُشهد بالجنة لكل من جاء فيه النص، وهو قول كثير من العلماء وأهل الحديث.
وقيل: يُشهد بالجنة لهؤلاء، ولمن شهد له المؤمنون.
والقول الثاني هو أصحها، فمن شهد له الرسول ﷺ شهدنا له بالجنة، كالعشرة المبشرين بالجنة (^٣)، وثابت بن قيس بن شماس (^٤)،
_________________
(١) ص ٣١٢، عند قوله: «ولا ننزل أحدًا منهم جنة ولا نارًا».
(٢) ص ٥٣٨، وهو منقول من منهاج السنة ٥/ ٢٩٥.
(٣) رواه أبو داود (٤٦٤٩)، والترمذي (٣٧٥٧) - وقال: حسن صحيح -، وابن ماجه (١٣٣)، وصححه ابن حبان (٦٩٩٣)، والحاكم ٣/ ٤٤٠، والضياء في «المختارة» ٣/ ٢٨٢ - ٢٩٠ من حديث سعيد بن زيد ﵁.
(٤) رواه البخاري (٤٨٤٦)، ومسلم (١١٩) عن أنس ﵁.
[ ٢٥٩ ]
والحسن والحسين (^١)، رضوان الله عليهم، ومن شهد له الرسول ﷺ من الجماعات؛ كأهل بيعة الرضوان نشهد بأن جميعهم في الجنة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ (١٨)﴾ [الفتح]، وقال النبي ﷺ: «لا يدخلُ النارَ أحدٌ ممن بايع تحت الشجرة» (^٢).
أما من شهد له المؤمنون، فيستدل له بحديث أنس ﵁ قال: مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي ﷺ: «وجبت»، ثم مروا بأخرى، فأثنوا عليها شرًّا، فقال: «وجبت»، فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ قال: «هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض» (^٣).
لكن هذا خطاب لجماعة من خيار الصحابة ﵃، فلا يتأتى اعتبار أي جماعة من الناس أن شهادتهم للشخص توجب الشهادة له بالجنة، إذا شهدوا له بالخير والصلاح؛ لكن شهادة المسلمين والصالحين مما يُستبشَر به، ومما يبشر بالخير ويبعث على الرجاء، أما أن يشهد له بالجنة بناء على هذا فلا، وهذا المُثنَى عليه خيرًا لم يعلم أنه في الجنة إلا بقول الرسول ﷺ: «وجبت»، وهذا لا يتأتى لغيره من الناس.
_________________
(١) رواه أحمد ٣/ ٣، والترمذي (٣٧٦٨) وابن حبان (٦٩٥٩)، والحاكم ٣/ ١٦٧ - وصححوه - من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٢) رواه أحمد ٣/ ٣٥٠، وأبو داود (٤٦٥٣)، والترمذي (٣٨٦٠) من حديث جابر ﵁، ونحوه عند مسلم (٢٤٩٦) من روايته عن أم مبشر ﵄.
(٣) رواه البخاري (١٣٦٧)، ومسلم (٩٤٩).
[ ٢٦٠ ]
وقوله: «ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم، ولا نقنطهم».
نرجو للمحسنين أن يعفو الله عنهم ويدخلهم الجنة، ولا نأمن عليهم ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر للمسيئين، قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]، فالله ندب نبيه ﷺ أن يستغفر ربه لذنبه وللمؤمنين، وهذه سنة الأنبياء، فقد ذكر الله عن نوح أنه قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨]، وعن إبراهيم أنه قال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم]، وقد أثنى الله على الذين يستغفرون لإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر]، فينبغي أن يكون هذا دأب المسلم فيستغفر ربه لنفسه ولإخوانه المسلمين.
وقوله: «ونخاف عليهم».
قال في المحسنين: «ولا نأمن عليهم» مع إحسانهم، وهنا قال: «ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم، ولا نقنطهم»، فنخاف على المسيئين من عقاب الله، ولا نُؤَمِّنُهم كحال المرجئة الذين يقولون: «لا يضر مع الإيمان ذنب»، ولا نُقنِّطهم كحال الخوارج الذين يقولون: «لا يرجى لهم مغفرة ولا رحمة ولا يدخلون الجنة»، وهذا مسلك أهل السنة ﵃، فهم وسط بين هذه الفرق: وسط في باب الأسماء والصفات، وسط في أفعال العباد، وسط في أسماء الإيمان والدين، وسط في أهل الكبائر، وسط في الصحابة، فكل هذه العبارات تتضمن تقرير التوسط في أمر أهل الذنوب، فلا نكفرهم، ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله.
[ ٢٦١ ]