وقوله: «ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله».
وأهل السنة لا يقولون: «لا يضر مع الإيمان ذنب» خلافًا للمرجئة، والطحاوي في هاتين الجملتين يقصد الرد على الخوارج في الأولى، وعلى المرجئة الغلاة في الثانية، والمرجئة والخوارج على طرفي نقيض، فالخوارج يُكفِّرون بالذنوب، فعندهم فاعل الكبيرة كافر مرتد خارج عن ملة الإسلام حلال الدم والمال (^١)، أما عند المرجئة ما دام معه أصل الإيمان وهو التصديق أو معرفته للخالق فهو عندهم مؤمن كامل الإيمان، لا يضره ما يفعل من الذنوب (^٢)، وبدعتهم هذه أقبح من بدعة الخوارج؛ لأن الخوارج يعظمون أمر الذنوب، ويبالغون في الحذر والتحذير منها، وقد اختلف العلماء في تكفيرهم، فعن أحمد فيهم روايتان (^٣)، ونقل شيخ الإسلام أن الصحابة أجمعوا على عدم كفر الخوارج (^٤)، لكنهم مبتدعة ضُلاَّل.
_________________
(١) مقالات الإسلاميين ص ٨٦، والملل والنحل ١/ ٨٥، ومجموع الفتاوى ١٢/ ٤٧٠.
(٢) مجموع الفتاوى ١٢/ ٤٧٠.
(٣) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٥١٨.
(٤) الإيمان الكبير ص ٢١٧.
[ ٢٥٥ ]
أما بدعة المرجئة الغلاة فهي أشنع من بدعة الخوارج؛ لأن مضمونها الجرأة على المحرمات وعدم المبالاة بها، واقتراف السيئات، وهذا فيه رد لنصوص الكتاب والسنة الدالة على تحريم المحرمات، وترتب العقاب عليها؛ كالقتل، والتولي يوم الزحف، وأكل مال اليتيم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء]، فكيف يقال: لا يضر مع الإيمان ذنب؟!
وهذا مذهب جهم، وجهم إمام غلاة المرجئة، أما مرجئة الفقهاء فمذهبهم ليس كذلك، إنما هم يخرجون الأعمال عن مسمى الإيمان، لكن يقولون بوجوب الواجبات وتحريم المحرمات، وترتب العقاب على فعل المحرمات وترك الواجبات، فالذنوب عندهم تضر مرتكبها، ويستحق العقاب الذي توعد الله به في كتابه، أو أخبر به الرسول ﷺ.
وأهل السنة وسط في هذا المقام فلا يُكفِّرون أهل الكبائر، ولا يُؤَمِّنُونَهم من العقاب، ويرون أن مرتكب الكبيرة في الدنيا مؤمن بما معه من الإيمان، فاسق بما ارتكب من الكبيرة، وما ورد في النصوص من إطلاق اسم الكفر على بعض الأعمال، أو بعض العاملين مما هو دون الشرك، فهو محمول على الكفر الأصغر الذي يعبر عنه بكفر
[ ٢٥٦ ]
دون كفر، كقول النبي ﷺ: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» (^١)، وقوله ﷺ: «اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت» (^٢)، وما أشبه ذلك، وفي الآخرة هو تحت مشيئة الله، هذا حُكمهم في الآخرة، كما سيأتي تقرير حكم أهل الكبائر في قول الطحاوي: «وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون، وإن كانوا غير تائبين».
* * *
_________________
(١) رواه البخاري (٤٨) ومسلم (٦٤) من حديث ابن مسعود ﵁.
(٢) رواه مسلم (٦٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢٥٧ ]