وقوله: «ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة».
ذِكر هذا المعنى بعدما تقدم مناسب جدًّا، وفيه تنبيه على أن وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر وإن جاروا، وكوننا نرى الصلاة خلف الأئمة أبرارًا كانوا أو فجارًا؛ لا يقتضي التسوية بين الأبرار والفجار، وأئمة العدل وأئمة الجور، لا؛ بل نحب أهل العدل من الولاة والأئمة وسائر الناس، قال النبي ﷺ: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل» (^١)، وهذا من الحب في الله، فنحب من يحبه الله من المؤمنين والمقسطين، قال تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ [الحجرات]، أي: العادلين، ونحب التوابين، ونحب الصالحين، وننزل كُلًّا منزلته، وهذا هو الواجب على المؤمنين أن يتحابوا في الله، قال النبي ﷺ: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله» (^٢)، ومن شواهد ذلك قوله ﷺ: «والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم» (^٣)، وفي الحديث عن النبي ﷺ: «أوثق عُرَى الإيمان: الحب في
_________________
(١) رواه البخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) تقدم في ص ١١٩.
(٣) رواه مسلم (٥٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٣٢٤ ]
الله والبغض في الله» (^١)، ولهذا قال الطحاوي ﵀: «ونبغض أهل الجور والخيانة»، نبغضهم لجورهم، لا لأغراضنا وشهواتنا وأهوائنا وعدم حصولنا على ما نريد، لا؛ بل نبغضهم في الله ولله، ومن باب أولى نبغض الكفار، وأهل الفسق والعصيان، والله تعالى أخبر بأنه يمقت الكافرين: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [غافر: ١٠]، وأخبر أنه ﷾: ﴿لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾ [الحج]، و﴿لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ [القصص]، بل يبغضهم ﷾ و: ﴿لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾ [التوبة].
والناس في هذا الواجب ثلاثة أقسام:
الأول: وليٌّ لله؛ تجب محبته مطلقًا.
والثاني: عدوٌّ لله، يجب بغضه مطلقًا.
والثالث: المخلط؛ كالفاسق من المسلمين، يُحَب بحسب ما معه من الإيمان والطاعة، ويُبغَض بحسب ما معه من الفسوق والمعصية.
_________________
(١) رواه الطيالسي (٣٧٦)، وابن أبي شيبة في «المصنف» ١٥/ ٦٣٠، والحاكم ٢/ ٤٨٠ من حديث ابن مسعود ﵁، وسأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث، فقال: … الحديث منكر لا يشبه حديث أبي إسحاق. العلل (١٩٧٧)، وانظر: الضعفاء الكبير ٣/ ٤٠٨، والكامل في ضعفاء الرجال ٧/ ١٠٠. ورواه الطيالسي (٧٨٣)، وابن أبي شيبة في المصنف ١٩/ ٧٤، وأحمد ٤/ ٢٨٦ من حديث البراء بن عازب ﵄، وفيه ليث ابن أبي سليم وهو ضعيف - تهذيب التهذيب ٣/ ٤٨٤ -، وله شواهد من حديث عدد من الصحابة، وانظر: السلسلة الصحيحة (٩٩٨) و(١٧٢٨).
[ ٣٢٥ ]
والوالي الظالم والجائر يُبغَض لظلمه وجوره وخيانته، ويُحَب بحسب ما معه من الإيمان، فالمسلم الفاجر والظالم لا يُسوَّى بالكافر في بغضه، لا؛ فمطلق الأخوة الإيمانية موجودة، كما تقدمت الإشارة (^١) إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، فسمى المقتول أخًا للقاتل، فكونه قتله هذا لا يبطل الأخوة الإسلامية التي بينهما؛ فإن من العدل في الحكم والمعاملة أن تفرق بين الناس، فلا تعط الناس حكمًا واحدًا؛ بل تنزل الناس منازلهم بحسب حكم الله تعالى ورسوله ﷺ.
* * *
_________________
(١) ص ٣٠٦.
[ ٣٢٦ ]