قوله: «وهو المبعوث إلى عامة الجن، وكافة الورى».
وهو ﷺ المبعوث إلى عامة الجن، وكافة الورى - أي - الناس، وكلام الطحاوي فيه مراعاة للسجع لينسجم هذا الكلام مع ما تقدم من العبارات.
فهو ﷺ مرسل إلى الثقلين - الجن والإنس - وهذا تقريرٌ لعموم رسالته ﷺ، وهذا معلومٌ من الدين بالضرورة (^١)، ولا يكون الإنسان شاهدًا بأن محمدًا رسول الله حتى يشهد بأنه رسول الله إلى الناس كافة، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، إلى غير ذلك من الآيات.
ومن الأدلة على إرساله للجن سورة الجن، والآيات من سورة الأحقاف، وخطاب الثقلين في سورة الرحمن. قال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَئَامَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ [الجن] إلى آخر السورة.
_________________
(١) انظر: إيضاح الدلالة في عموم الرسالة للثقلين لشيخ الإسلام ابن تيمية.
[ ١١٥ ]
وفي سورة الأحقاف: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)﴾ [الأحقاف] الآيات.
وفي سورة الرحمن ذكر الله خلق الثقلين، وخاطبهما وذكر جزاءهما، قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الرحمن: ٣٣]، ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ٣٥]، ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ [الرحمن]، وفي الثواب، ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾ [الرحمن] إلى آخر السورة.
ويظهر من آيات الأحقاف أن موسى ﷺ كذلك مرسلٌ إلى الجن، قال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف].
واختلف الناس هل من الجن رسل، أم الرسل كلهم من الإنس؟
جمهور أهل العلم على أن الرسل من البشر، وأما الجن فمنهم دُعاة، ونُذُر (^١)، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩]، وإذا صح وعلم بالوحي أن الرسول ﷺ مرسلٌ إلى الجن، وموسى كذلك؛ عُلم أن إرسال الإنس إلى الجن يحصل به قيام الحجة عليهم.
_________________
(١) تفسير الطبري ٩/ ٥٦١، ومجموع الفتاوى ٤/ ٢٣٤، وطريق الهجرتين ٢/ ٩٠٦.
[ ١١٦ ]
واستدل أهل القول الثاني بقول الله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الأنعام: ١٣٠]، فخوطب الجميع: الجن والإنس بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾.
وقال الجمهور: إن هذه الآية محتملة، وليست صريحة، والمراد من المجموع؛ لأن الخطاب للجميع.
والأمر في هذا سهل، والمقصود أن الجن والإنس كلهم مكلفون، وقد خلقهم الله لعبادته، وأقام الحجة عليهم، ومنهم جميعًا المؤمن والكافر، والصالح والطالح.
والجن عالَمُ غيب وإن ظهروا للناس وتمثلوا بأشكال مختلفة، وهم كثير، ويعيشون على الأرض مع الناس، ولهم صفاتهم، ويأكلون ويشربون، ويتوالدون، ومنهم الذكور والإناث، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ [الجن]، وفي القرآن والسنة من الإخبار عنهم شيءٌ كبير، ومن ينكر وجود الجن؛ فهو كافر.
* * *
[ ١١٧ ]