وقوله: «بالحق والهدى، وبالنور والضياء».
أي: فمحمد ﷺ مرسل «بالحق والهدى، والنور والضياء»، والمؤلف ينوع في التعبير، فهو ﷺ مرسلٌ إليهم بالحق، وهو ضد الباطل، والهدى، وهو ضد الضلال، وبالنور والضياء، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣]، وقوله ﷾: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩].
«بالحق» في الأمور الاعتقادية والعملية، وهذا الحق الذي جاء به ﷺ نور وهدى للناس، كما قال تعالى: ﴿فَئَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ [التغابن: ٨]، وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف]، نورٌ يبصر به المهتدون طريق السعادة، ومن حُرِم هذا النور؛ تخبط في ظلمات الجهل، والغفلة، والكفر، وأكثر البشرية تتخبط في الظلمات، فلا طريق لمعرفة الحقائق، وتمييز الحق من الباطل، والحلال والحرام إلا طريق الوحي.
فهذا الذي ذكره المؤلف جملة من خصائص الرسول ﷺ، وله خصائص كثيرة فُضِّل بها على سائر الأنبياء، منها ما يختص به، ومنها
[ ١١٨ ]
ما يتعلق بأمته، مثل قوله ﷺ: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا؛ فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» (^١)، وفي حديث آخر: «فُضِّلتُ على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون» (^٢). وخصائص الرسول ﷺ كثيرة عُني أهل العلم بجمعها (^٣).
وحقه ﷺ على أمته: الإيمان به، وبما جاء به، ومحبته فوق محبة الأهل والولد، والمال، والنفس، قال النبي ﷺ: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما …» الحديثَ (^٤).
وقال ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» (^٥).
وتحقيق متابعته ﷺ تكون بامتثال أمره، واجتناب نهيه، وتصديقه بكل ما أخبر به، والتقيُّد في عبادة الله بما جاء به ﷺ، ومن ذلك
_________________
(١) رواه البخاري (٣٣٥) - واللفظ له -، ومسلم (٥٢١) من حديث جابر ﵁.
(٢) رواه مسلم (٥٢٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) ك «غاية السول في تفضيل الرسول» لابن الملقن، و«الخصائص الكبرى» للسيوطي، و«خصائص المصطفى بين الغلو والجفاء» للصادق بن محمد.
(٤) رواه البخاري (١٦)، ومسلم (٤٣) من حديث أنس ﵁.
(٥) رواه البخاري (١٥)، ومسلم (٤٤) من حديث أنس ﵁.
[ ١١٩ ]
تحكيمه ﷺ والتحاكم إلى شريعته، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء].
والناس في شأن الرسول ﷺ ثلاثة أقسام:
- منهم: من يغلو فيه ﷺ ويجعل له بعض خصائص الإلهية.
- ومنهم: الجافون المقصرون، وشرُّهم المكذبون له، وكذلك المعرضون عن سنته، والمقصِّرون في تحقيق متابعته، وطاعته، وتحكيمه ﷺ.
- والوسط من آمن به، وصدَّقه، واتبع أمره، وترك نهيه، وعَبَد الله بشرعه.
* * *
[ ١٢٠ ]