يقول ﵀: «نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يُعجزه، ولا إله غيره».
يقول ﵀: «نقول»، هذا شروع في بيان ما قصد إليه، «نقول» نحن أهل السنة، هو يعبر عن نفسه، وعمن ذكر من الأئمة وغيرهم من أئمة الدين، «نقول» بألسنتنا «معتقدين» بقلوبنا، فجمع بين الإقرار باللسان، والاعتقاد بالجنان، «نقول في توحيد الله»، يعني نقول في موضوع التوحيد، والأصل في معنى التوحيد: جَعْلُ الشيء واحدًا، واعتقاده واحدًا، والمراد بتوحيد الله يعني في شأن وحدانيته تعالى واعتقاد تفرده، فهو تعالى واحد، والتوحيد: هو الإيمان بأنه ﷾ واحد في ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته، وتخصيصه وإفراده بالعبادة، هذا هو توحيد الله.
فالتوحيد اعتقاد العبد وفعله.
أما الوحدانية فصفة الرب تعالى، كما يدل على ذلك اسمه الواحد والأحد، فهو واحد في كل شؤونه ﷾.
والله تعالى يوحد نفسه بمعنى أنه يثني على نفسه بذلك، ويُعلِّم عباده بأنه واحد، كما قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾
[ ٢٦ ]
[آل عمران: ١٨]، فهذه شهادة منه تعالى لنفسه بالوحدانية تتضمن علمه بأنه واحد، وذكره لنفسه بتفرده بالإلهية، وأمره عباده بذلك، وقد ذكر ابن أبي العزرحمه الله في الشرح كلامًا مستفيضًا على هذه الآية، وهو منقول من «مدارج السالكين» لابن القيم؛ فليُرجع إليه (^١).
يقول: «نقول في توحيد الله معتقدين»، هذا فيه تنبيه على أنه لا بد من الجمع بين اعتقاد القلب وإقرار اللسان، فلا يكفي أحدهما دون الآخر، بل لا بد في التوحيد من اعتقاد القلب، وهو: العلم والتصديق الجازم بأنه تعالى واحد، وإقرار اللسان بذلك.
ثم يقول: «بتوفيق الله:»، هذه لها دلالة عظيمة، وهي: أن إيماننا وقولنا واعتقادنا إنما يتحقق لنا بتوفيقه ﷾ وهدايته، فنحن نقول ونعتقد ما نعتقده بتوفيقه سبحانه، وهذا يتضمن الإيمان بالشرع والقدر جميعًا.
«إن الله واحد لا شريك له»، هذا هو ما نقوله وما نعتقده في وحدانية الله تعالى، «إن الله واحد لا شريك له»، «واحد» اسم من أسمائه تعالى جاء في القرآن مقرونًا باسمه القهار، ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ [الرعد]، ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩)﴾ [يوسف]، وجاء غير مقرون به، قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة]، ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣].
_________________
(١) شرح الطحاوية ص ٤٤، ومدارج السالكين ٣/ ٤١٨.
[ ٢٧ ]
والوحدة تنافي الشريك، وقد أكدها بقوله: «لا شريك له»، فهو متفرد عن الشركاء، فهو الربُّ ولا ربَّ غيره، فهو ربُّ كلِّ شيء، فهو واحد في ربوبيته في أفعاله، فلا خالق ولا رازق ولا مدبر لهذا الوجود سواه، وهو واحد في إلهيته، فلا إله غيره، ولا شريك له، ولا معبود بحق سواه، وهو واحد في أسمائه وصفاته، فلا شبيه له في شيء من صفاته وأفعاله.
إذًا؛ هذه الجملة: «إن الله واحد لا شريك له» ضمَّنها المؤلف أصل الدين، وهو التوحيد، فالتوحيد بكل معانيه هو أصل دين الرسل من أولهم إلى آخرهم، خصوصًا توحيد العبادة.
وقد أخبر ﷾ عن الرسل إجمالًا وتفصيلًا بذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وأخبر عن أنبيائه: نوح وهود وصالح وشعيب أنهم قالوا لأقوامهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون: ٢٣، والأعراف: ٦٥ و٧٣ و٨٥].
فالتوحيد هو أصل دين الرسل، وهو أول واجب على المُكلَّفين مع شهادة أن محمدًا رسول الله، كما قال ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله» (^١)، لأن الشهادتين متلازمتان لا تصح إحداهما إلا بالأخرى، فلا بد منهما جميعًا، ولهذا
_________________
(١) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢) من حديث ابن عمر ﵄.
[ ٢٨ ]
قال النبي ﷺ: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله …» (^١)؛ فَعَدَّ هذه الشهادة واحدًا من المباني الخمسة.
فالكافر الأصلي أو النصراني أو اليهودي أو المشرك إنما يدخل في الإسلام بإقراره بالشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، مع التزامه بالشرائع الأخرى، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، وقال بعض أهل الكلام (^٢): إن أول واجب هو النظر، ويريدون بالنظر التفكر في الأدلة الكونية مثلًا، فقالوا: إن أول واجبٍ هو النظر، وبعضهم تنطع وقال: بل أول واجبٍ القصدُ إلى النظر، وأقبح من هذا وذاك قول من قال منهم: إن أول واجب هو الشك! يعني أول واجب أن يشك الإنسان في الحقائق، فيشك في وجود الله وفي إلهيته، ثم بعد ذلك ينظر في الأدلة!
بئس ما قالوا أنْ جعلوا الكفر هو أول واجب؛ لأن الشك بالله كفر.
وهذه الأقوال ظاهرة الفساد والبطلان.
والنظر مشروع، لكن لا يقال: إنه أول واجب، وقد ندب الله العباد إلى النظر، فمن كان عنده توقُّف أو شك مثل حال الكفار فعليه أن ينظر ويتأمل في الأدلة، وينظر في الآيات ويتفكر، ﴿أَوَلَمْ
_________________
(١) رواه البخاري (٨)، ومسلم (١٦) من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) درء تعارض العقل والنقل ٧/ ٣٥٢ و٤٠٥ و٨/ ٣، ومدارج السالكين ٣/ ٤١٢.
[ ٢٩ ]
يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [الروم: ٨].
والنظر من الأسباب التي يَقوى بها إيمان المؤمن، ولهذا أثنى الله على أوليائه أولي الألباب، بالتفكر في المخلوقات ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران]، وكان النبي ﷺ إذا قام من الليل يرفع بصره إلى السماء، ويقرأ هذه الآيات ويتفكر (^١)، فالتفكر في الآيات الكونية، والتدبر للآيات الشرعية القرآنية هما من روافد الإيمان، ومما يسقي شجرة الإيمان، فالإيمان يزيد بالتفكر في آيات الله.
المقصود: أن النظر مشروع، لكن لا يقال: إنه أول واجب، بل أول واجب هو شهادة أن لا إله إلا الله.
وقول المؤلف: «إن الله واحد لا شريك له»، فيه تنزيه لله عن الشريك، والله تعالى نزه نفسه عن الشركاء في مواضع: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣)﴾ [الطور]، وفي الآية الأخرى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ [الأعراف]، وقال ﷾: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء: ١١١]، أي لا شريك له في ملكه ولا شريك له في تدبيره، ولا شريك له في إلهيته، ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ]، وقد قيل في
_________________
(١) رواه البخاري (٤٥٦٩)، ومسلم (٧٦٣) من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٣٠ ]
هذه الآية: «إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب» (^١)، فليس لشرك المشركين أيُّ شبهة يمكنهم التعويل عليها فكلها باطلة، فشركاؤهم لا يملكون مثقال ذرة، وليس لهم شرك في ذرة من السماوات والأرض، وليس أحد منهم مُعينًا لله، ولا أحد منهم يملك أن يشفع عند الله إلا بإذنه.
حتى الملائكة لا أحد منهم يشفع عند الله إلا بإذنه، كما قال ﷾: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم].
* * *
_________________
(١) كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب ص ٣٣.
[ ٣١ ]