وقوله: «ولا ننزل أحدًا منهم جنة ولا نارًا، ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونَذَرُ سرائرهم إلى الله تعالى».
أي: لا نشهد لأحد من أهل القبلة من المسلمين بأنه من أهل الجنة لصلاحه، ولا نشهد على أحد منهم بأنه من أهل النار لمعصية أو بدعة، بل نفوض علمهم إلى الله، فهو تعالى أعلم بمآلهم وبحالهم، ولا نشهد بالجنة إلا لمن شهد له الرسول ﷺ كالعشرة المبشرين بالجنة، والحسن والحسين، وثابت بن قيس بن شمَّاس، ولجميع أهل بيعة الرضوان، وتقدمت الإشارة إلى هذه المسألة وأن فيها ثلاثة مذاهب (^١)، والطحاوي يكرر المعنى الواحد في عدة مواضع.
وقوله: «ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك»، تقدم هذا المعنى في قوله: «ولا نُكفِّر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله»، فلا نحكم على أحد بالكفر إلا أن يظهر منه ما يوجب الردة، فمتى ظهر منه ما يوجب الردة قلنا: إنه كافر، ونحكم عليه تعيينًا إذا توفرت الشروط، وانتفت الموانع، فلو سمعنا إنسانًا يتكلم بكلمة الكفر، فنتثبت أهو صاحٍ أم مجنون، أم سكران، فإن
_________________
(١) ص ٢٥٩ وهناك تخريج الأحاديث.
[ ٣١٢ ]
كان معه عقله؛ فننظر ماذا يريد بهذه الكلمة، فقد تكون محتملة، فإذا تحققنا أنه قالها عالِمًا بمعناها، مختارًا غير مكره، ذاكرًا من غير سبق لسان حكمنا بكفره.
«ونذر سرائرهم إلى الله تعالى».
فلا ندخل في سرائر الناس، ولا نتهمهم ونقول: هذا مرائي، هذا منافق، فأحكام الدنيا تجري على الظواهر، فالرسول ﷺ أعلم الخلق يقول: «إني لم أُومَرْ أن أُنَقِّبَ عن قلوب الناس، أو أشق بطونهم» (^١)، وقال النبي ﷺ: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» (^٢).
* * *
_________________
(١) رواه البخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٠٦٣) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٢) تقدم في ص ٢٨.
[ ٣١٣ ]