وقوله: «ومن لم يتوقَّ النفي والتشبيه زلَّ ولم يُصبِ التنزيه».
الناس في باب الأسماء والصفات ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى: المعطلة نفاة الأسماء والصفات: الجهمية ورأسهم الجهم بن صفوان ومن تبعه، والمعتزلة ومن وافقهم.
والطائفة الثانية: المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه.
فهما طائفتان متقابلتان على طرفي نقيض، فالمعطلة يزعمون أنهم بنفيهم للصفات يقصدون تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات، فأظهروا الباطل بصورة من الحق، فأفرطوا في التنزيه، وتجاوزوا الحدود حتى وقعوا في الإلحاد والضلال البعيد.
والمشبهة أثبتوا لله الصفات لكنهم شبَّهوه بخلقه، ويقول قائلهم: له سمع كسمعنا وبصر كبصرنا، فأفرطوا في الإثبات حتى شبهوا الله بخلقه.
وكلتا الطائفتين زائغتان عن الصراط المستقيم.
والطائفة الثالثة: أهل الصراط المستقيم - أهل السنة والجماعة - الذين آمنوا بكل ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبر به عنه رسوله ﷺ، فهم يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، فمذهبهم بريء من التحريف
[ ١٦٣ ]
والتعطيل، والتكييف والتمثيل، ولهذا قال نعيم بن حماد ﵀ ذلك الأثر الجليل: «من شبَّه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه» (^١)، فليس إثبات الصفات من التشبيه في شيء؛ بل إثبات الصفات هو التوحيد.
وقوله: «ومن لم يتوق»، أي: يجتنب ويحذر، «النفي»، أي: نفي الأسماء والصفات، وهو التعطيل، «والتشبيه»، من لم يجتنب ويحذر هذين المذهبين الباطلين؛ «زل» زلت قدمه عن الصراط المستقيم، «ولم يصب التنزيه»؛ فالمعطلة زعموا أنهم يُنزِّهون الله، وما نزَّهوا الله؛ بل تنقَّصوه تعالى أعظم تنقُّص، والمشبهة الذين قالوا: إن الله له سمع كسمعنا، هؤلاء وإن كان مذهبهم باطلًا؛ فإنهم خير من المعطلة النفاة، ولهذا قال بعض أهل العلم: «إن المعطل يعبد عدمًا، والمشبه يعبد صنمًا» (^٢)؛ لأن نفي الأسماء والصفات يستلزم نفي الذات، فكلهم مبطلون؛ لكن الذي يعبد موجودًا أعقل من الذي يعبد معدومًا.
وقوله: «فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية».
المصنف ﵀ يتحرى السجع؛ لأنه يروق للسامع، فهو من جنس الشعر، «فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية»، هذه الكلمات
_________________
(١) تقدم في ص ١٢٩.
(٢) مجموع الفتاوى ٥/ ٢٦١.
[ ١٦٤ ]
فيها تنويع في التعبير، وتحسينات لفظية مترادفة تقريبًا، والوحدانية نسبة للواحد بزيادة «نون».
وقوله: «منعوت بنعوت الفردانية»، نسبة للفرد، «ليس في معناه أحد من البرية»، ليس له مِثلٌ من خلقه، فالجمل الثلاث مدلولها واحد، وتتضمن أمرين:
- إثبات أنه الواحد.
- ونفي الشريك والمثيل عنه ﷾؛ فهو الواحد الذي لا نظير له، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾.
واسم «الواحد» ثابت لله تعالى في القرآن، كما قال ﷾: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥)﴾ [ص]، وهو الأحد، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾.
* * *
[ ١٦٥ ]