الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أما بعد:
فالعقيدة المعروفة ب «الطحاوية» - نسبة إلى مؤلفها الإمام أبي جعفر الطحاوي ﵀ من المؤلفات المختصرة في عقيدة أهل السنة والجماعة، وأهل العلم درجوا على التأليف في أصناف علوم الشريعة على مناهج متنوعة؛ فمنهم من ينهج نهج البسط والتفصيل والتدليل، ومنهم من ينهج طريق الاختصار، ولكل منهج خصائصه ومزاياه.
والمختصرات تتميز بأنها ميسورة الحفظ، ويمكن الإلمام بها في وقت قصير، فَيُلِّمُ الطالب بِجُلِّ المسائل على سبيل الاختصار في وقت وجيز، فنسأل الله ﷾ أن يمدنا وإياكم بالتوفيق والفتح منه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يهدينا سواء السبيل.
قال الإمام الطحاوي في عقيدته:
«هذا ذِكْرُ بيانِ عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني، رضوان الله عليهم أجمعين، وما يعتقدون من أصول الدين ويَدينون به ربَّ العالمين».
هذه مقدمة مختصرة تناسب المضمون والمؤلَّف المختصر.
[ ٢٣ ]
قوله: «هذا ذِكْرُ بيانِ عقيدة أهل السنة والجماعة»، أي: ذكر ما يعتقده أهل السنة والجماعة، وأكثر ما يعبر أهل العلم بالاعتقاد، والمراد بالعقيدة والاعتقاد: نفس عقد القلب، وجزمه ويقينه.
وتارة يطلق الاعتقاد على نفس الشيءِ المعتقَد المعلوم.
فتقول في الأول: إن فلانًا اعتقاده قوي، واعتقاده سليم، واعتقاده جازم.
ويقال في الثاني - مثلًا -: اعتقاد أهل السنة والجماعة: هو الإيمان بالله وملائكته … كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «العقيدة الواسطية»: «فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة - أهل السنة والجماعة -: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله …» (^١). ففسر الاعتقاد بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله … إلخ.
وكذلك العقيدة أي: الشيء المعتقَد، فعيلة بمعنى مفعولة، فتقول هذا اعتقاد أهل السنة والجماعة، يقول الإمام الطحاوي: «على مذهب فقهاء الملة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني»، لو قال: على مذهب فقهاء الملة منهم: أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن كان أولى؛ لأن هؤلاء الأئمة لا شك أنهم من فقهاء الأمة، لكن ليست الإمامة والفقه محصورة فيهم، ولكنه نظَر إلى كونه ينتمي إلى أبي حنيفة، وقد ذُكر في ترجمته (^٢) أنه كان شافعيًا، ثم تمذهب على
_________________
(١) الواسطية ص ٢٣.
(٢) انظر ترجمته في صفحة ١١.
[ ٢٤ ]
مذهب أبي حنيفة وتفقه على فقه أبي حنيفة، وهو فقيه محدث، كما يدل على ذلك كتاباه: «معاني الآثار»، و«شرح مشكل الآثار»، فرحمه الله، ورحم أئمة الدين، وجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا.
يقول: «وما يعتقدون في أصول الدين، ويَدِينون به ربَّ العالمين»، هذا هو المقصود: بيان ما يعتقدونه في أصول الدين، ويدينون به لرب العالمين، وغلب على تعبير كثير من أهل العلم إطلاق أصول الدين على مسائل الاعتقاد، والواقع أن أصول الدين لا تختص بأمور الاعتقاد، بل أصول الدين منها: اعتقادية، كأصول الإيمان الستة، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر هذه أصول الدين الاعتقادية العلمية.
ومنها: عملية، كأصول الإسلام الخمسة، وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج، وهذه أصول الدين العملية؛ لأن مسائل الدين نوعان: مسائل علمية، ومسائل عملية، فكل من القسمين له أصول وله فروع، إذًا؛ لا يختص اسم أصول الدين في مسائل الاعتقاد، ولا يختص اسم الفروع بالمسائل العملية، كما حرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (^١)، وأنكر على من يجعل جميع مسائل الاعتقاد من أصول الدين، بل الدين له أصول وله فروع علمية اعتقادية، وعبادات عملية.
* * *
_________________
(١) منهاج السنة ٥/ ٨٧، ومجموع الفتاوى ٦/ ٥٦ و١٩/ ٢٠٧.
[ ٢٥ ]