وقوله: «ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر كما جاء في الأثر».
«ونرى»، أي: نحن أهل السنة نرى «المسح على الخفين في السفر والحضر كما جاء في الأثر»، أي: كما جاءت به السنة المأثورة المتواترة عن النبي ﷺ (^١)، خلافًا للرافضة والخوارج؛ فإنهم لا يرون المسح على الخفين.
والله تعالى قد أمر بغسل الرجلين في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، واستدل العلماء بهذه الآية على وجوب غسل الرجلين، فحُكم الرأس هو المسح، وحُكم الرجلين الغسل؛ لأنه عَطَف الرجلين على الوجه واليدين المغسولتين، وأوضحت ذلك السنةُ، فكل من نقلَ صفةَ وضوئه ﷺ ذكرَ أنه ﷺ غسل رجليه (^٢)، فعُلم أن فرض الرجلين هو الغسل لا المسح عليهما خلافًا للرافضة.
_________________
(١) قطف الأزهار ص ٥٢، ونظم المتناثر ص ٧١.
(٢) كحديث عثمان ﵁ في البخاري (١٥٩)، ومسلم (٢٢٦)، وحديث عبد الله بن زيد ﵄ عند البخاري (١٩١)، ومسلم (٢٣٥).
[ ٣٢٩ ]
وفي القراءة الأخرى: ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] بجر اللام (^١) واختلف المفسرون في توجيهها، فقيل: إنها عَطْف على الرأس؛ فتمسح مثله، وهذه من شبهات الرافضة (^٢)، لكن جمهور الأمة القائلون بغسل الرجلين قالوا: إنه خفض للمجاورة، كما قالوا: «جُحرُ ضبٍّ خربٍ»، وأصله «خربٌ» (^٣)، ومن أحسن ما قيل في قراءة الجر: إنها محمولة على حال لبس الخفين (^٤)، وقراءة النصب على حال خلوهما، فتكون الآية على القراءتين دالة على الحكمين الغسل والمسح كما دلت على ذلك السنة، والسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه.
وفرض الرجلين هو الغسل إذا كانتا مكشوفتين، أما إذا كانتا في خفين لُبِسا على طهارة؛ ففرضهما المسح عليهما، ودلت على ذلك سنة الرسول ﷺ القولية والفعلية، كما في حديث المغيرة بن شعبة ﵁ في الصحيحين، أنه كان مع النبي ﷺ، قال: فأهويت لأنزع خفيه، فقال: «دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين»، فمسح عليهما (^٥)، وهكذا في حديث حذيفة ﵁ في الصحيح أن النبي ﷺ بال فتوضأ ومسح على خفيه (^٦)،
_________________
(١) هي قراءة: ابن كثير، وأبي عمرو، وحمزة، وأبي جعفر، وخلف العاشر، وشعبة عن عاصم. التيسير ص ٩٨، والنشر ٢/ ٢٥٤.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٣٤٣.
(٣) زاد المسير ٢/ ١٧٩، والجامع لأحكام القرآن ٧/ ٣٤٧.
(٤) الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٣٤٥.
(٥) رواه البخاري (٢٠٦)، ومسلم (٢٧٤).
(٦) رواه مسلم (٢٧٣).
[ ٣٣٠ ]
وسئل علي ﵁ عن المسح على الخفين؟ فقال: «جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام بلياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم» (^١)، وغيرها.
فأحاديث المسح على الخفين متواترة، ولهذا كان من مذهب أهل السنة والجماعة المسح على الخفين، وغسل الرجلين إذا لم يكونا في خفين، خلافًا للرافضة؛ فإن الرافضة خالفوا السنة في الحالين، فقالوا: إن فرض الرجلين هو المسح على أعلى القدم من الأصابع إلى العظم الناتئ في ظهر القدم، وإذا كانا في خفين فلا يمسحون عليهما (^٢)، فخالفوا السنة من الوجهين، حيث قالوا: إن فرض الرجلين هو المسح، ولا مسح على الخفين، ومذهبهم باطل مخالف للنصوص.
والمسح على الخفين مشروع في السفر والحضر، فقد دلت السنة على التفريق في حكم المسح على الخفين بين المسافر والمقيم حيث رخص النبي ﷺ للمقيم أن يمسح يومًا وليلة وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها.
وكما تقدم (^٣) أن بعض هذه المسائل هي من المسائل الفقهية العملية؛ لكن لما لم يخالف فيها إلا المبتدعة نص عليها، فهي مما يتميز به أهل السنة من المبتدعة.
* * *
_________________
(١) رواه مسلم (٢٧٦).
(٢) المبسوط في فقه الإمامية ١/ ٢٢، وشرائع الإسلام ١/ ١٧.
(٣) ص ٣٠٩.
[ ٣٣١ ]