وقوله: «ولا شيء يعجزه».
فيه نفي العجز عن الله المنافي لكمال قدرته سبحانه، وقد صرح الله ﷾ بذلك في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)﴾ [فاطر]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]، يعني لا يشق عليه، ولا يلحقه كلل ولا تعب ولا إعياء، وهذا لكمال قدرته تعالى.
فالله تعالى يوصف بنفي النقائص؛ كالسِّنَة والنوم واللغوب والعجز والظلم والغفلة والنسيان، لكن كل ما يوصف الله به من النفي فإنه متضمن لإثبات كمال ضده، هذه قاعدة، فالله تعالى لا يوصف بنفي محض لا يدل على ثبوت؛ فإن النفي المحض ليس فيه مدح، وإنما المدح في النفي المتضمن للكمال (^١).
فكل ما جاء من النفي في صفات الله فإنه متضمن لإثبات كمال الضد، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾
_________________
(١) التدمرية ص ٢٢٠، ومجموع الفتاوى ١٠/ ٢٥٠، وجواب أهل العلم والإيمان ١٠٩ و١٤٢، ومنهاج السنة ٢/ ٣١٩، ودرء تعارض العقل والنقل ٦/ ١٦٧.
[ ٣٩ ]
[البقرة: ٢٥٥]، فنفي السِّنة والنوم متضمن لكمال حياته وقيوميته، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق] متضمن لإثبات كمال قدرته ونهاية قوته، وقوله تعالى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: ٣] يتضمن كمال العلم، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف] يتضمن كمال العدل، وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] يتضمن كمال الحياة، وكذلك نفي العجز يتضمن كمال القدرة.
أما المعطلة فإنهم يصفونه بالنفي المحض؛ لأنهم قد يقولون: إن الله لا يجهل، وقد يقولون: إن الله لا يعجز، فيصفونه بالنفي، لكنهم لا يثبتون الأضداد، فيصفونه بالنفي المحض.
ولهذا جاء في المناظرة التي جرت بين عبد العزيز الكناني (^١) ﵀ وبين بشر المَرِيْسِي أنه لما طالبه بوصف الله بالعلم قال: أقول الله لا يجهل (^٢)! لأن عنده أن نفي الجهل لا يستلزم إثبات علم، فيقول: الله لا يجهل.
فهذه قاعدة لا بد من ملاحظتها، وهي: أن الله موصوف بالإثبات والنفي، إثبات الكمال ونفي النقائص والعيوب والآفات ومماثلة
_________________
(١) عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز بن مسلم الكناني المكي: سمع من سفيان بن عيينة والشافعي، وقدم بغداد في أيام المأمون، وجرى بينه وبين بشر المريسي مناظرة في القرآن، وكان من أهل الفضل والعلم، وله مصنفات عدة، وكان ممن تفقه بالشافعي واشتهر بصحبته، توفي بعد الثلاثين ومائتين. تاريخ بغداد ١٢/ ٢١٢، وتقريب التهذيب ص ٦١٧.
(٢) الحيدة ص ٣١.
[ ٤٠ ]
المخلوقات، فإثبات الكمالات يتضمن نفي أضدادها، فوصفه بالعلم يتضمن نفي الجهل عنه ونفي النسيان ونفي الغفلة، ووصفه بالسمع والبصر يتضمن نفي الصمم والعمى عن الله، قال النبي ﷺ: «إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا بصيرًا» (^١)، فالنصوص اشتملت على وصف الله بالكمالات، وعلى تنزيهه عن النقائص، فالله تعالى موصوف بالإثبات والنفي، فيجب إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وتنزيهه تعالى عن النقائص بنفي ما نفاه عن نفسه ونفاه عنه رسوله ﷺ.
* * *
_________________
(١) رواه البخاري (٦٦١٠) - واللفظ له -، ومسلم (٢٧٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
[ ٤١ ]