وقوله: «ولا شيء مثله».
نلاحظ أن الجمل التالية كأنها تفصيل للجملة الأولى، فالجملة الأولى فيها نوع من الشمول، والجمل التي تلتها تفصيل لها، من ذلك قوله: «ولا شيء مثله»، هذه الجملة قد دلت على نفي المثل عن الله، وأنه لا مثيل له من خلقه، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وهذا نص في نفي مشابهة المخلوق للخالق، فلا شيء يماثله سبحانه، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ أي ليس أحد كُفُوًا له، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢]؛ لأنه تعالى لا ند له ولا مثل له، والند والكفو والمثل والسمي ألفاظ متقاربة كلها تُفسَّر بالنظير والشبيه ونحو ذلك.
فقوله: «لا شيء مثله» من اعتقاد أنه ﷾ واحد لا شريك له، فمضمون هذه الجملة في الحقيقة يندرج في الجملة الأولى.
فيجب الإيمان بأنه تعالى موصوف بصفات الكمال، وأن إثبات صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه ليست من التشبيه في شيء خلافًا للمعطلة من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم؛ فإنهم يزعمون أن
[ ٣٦ ]
إثبات الصفات تشبيه (^١)، فينفونها بهذه الشبهة، وبشبهٍ أخرى، لكن هذه من أشهر شبههم، فينفون عن الله ما وصف به نفسه زاعمين أن إثبات هذه الصفات يستلزم التشبيه والله تعالى منزه عن التشبيه. حقًا إنه منزه عن التشبيه، ولكن ليس إثبات الصفات من التشبيه في شيء، وتسميةُ إثبات الصفات تشبيهًا من التلبيس والتمويه، وأصل هذه الشبهة قولهم: المخلوق يوصف بأنه عليم وأنه سميع وأنه بصير وأنه حي وأنه يرضى ويغضب ويحب، فلو أثبتنا هذه الصفات لله كان مماثلًا للمخلوق.
وقد رد عليهم أهل السنة (^٢) واحتجوا عليهم بما يفحمهم، ومن ذلك أن يقال: يلزمكم أن تقولوا: إن وصفه تعالى بالوجود تشبيه، فالمخلوق موجود، وهذا ظاهر الفساد والبطلان، فالله تعالى موجود والمخلوق موجود، ولكل منهما وجود يخصه، وليس الموجود كالموجود.
وإن كان بين الوجودين قدر مشترك، وهو مطلق الوجود الذي هو ضد العدم، ونقول مثل ذلك في سائر ما سمى ووصف به نفسه سبحانه، فالله تعالى الحي، والمخلوق الحي، قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم: ١٩]، ولكن ليس الحي كالحي، فالله تعالى الحي بحياة تخصه، وهي الحياة التامة الواجبة التي لا يعتريها نقص ولا نوم ولا سنة، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقال ﷾: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، والمخلوق يوصف بالحياة التي تناسبه، وهي
_________________
(١) منهاج السنة ٢/ ١٠٥، ومجموع الفتاوى ٤/ ١٥٠ و٥/ ١١٠ و٦/ ٣٣.
(٢) التدمرية ص ١٢٤، ومنهاج السنة ٢/ ١١١.
[ ٣٧ ]
الحياة المحدثة بعد موت والمتبوعة بالموت، ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، وهي حياة ناقصة موهوبة للمخلوق، فالله هو الذي يحيي ويميت، وأما حياة الرب فليست كحياة المخلوق، بل حياة لازمة لذاته، وهي أكمل حياة.
وإن اتفق الاسمان عند الإطلاق، بمعنى أن كلًّا من الاسمين يدل على الحياة التي تقابل الموت، فليس الحي كالحي، وقُلْ مثل هذا في بقية الأسماء والصفات.
إذًا؛ إثبات الأسماء والصفات لله لا يقتضي تشبيهًا، والقدر المشترك بين اسم الخالق واسم المخلوق، أو بين صفة الخالق وصفة المخلوق ليست من التشبيه في شيء، فإن القدر المشترك لا يمكن نفيه عن الموجودات، فكل الموجودات تشترك في مطلق الوجود، وكل الأحياء تشترك في مطلق الحياة، وكل المحسوسات تشترك في مطلق الحس، كما بيَّن ذلك أهل العلم وبسطوه.
* * *
[ ٣٨ ]