وقوله: «وجميع ما صح عن رسول الله ﷺ من الشرع والبيان كله حق».
أي: ما رواه الثقات العدول حسب قواعد أهل الحديث؛ فالروايات عن الرسول ﷺ مروية بالأسانيد، وهي قسمان: متواتر، وآحاد (^١).
فالمتواتر: هو الذي يرويه عدد كثير تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، عن مثلهم إلى أن يبلغ النبي ﷺ.
والآحاد هو: ما يروى بأسانيد معدودة، وقسمه العلماء إلى مشهور وعزيز وغريب.
لكن القسمة العامة: متواتر وآحاد.
أما المتواتر فكل الطوائف متفقة على ثبوته.
والآحاد تنقسم إلى: صحيح، وحسن، وضعيف.
أما الضعيف فهو مردود لا يعتمد عليه، لكن الشأن في المقبول الذي يشمل الصحيح والحسن، فأهل السنة والجماعة يقبلون ما توافرت فيه شروط القبول، ولو كان واحدًا، في جميع أمور الدين، في الأمور
_________________
(١) روضة الناظر ١/ ٣٤٧، ونزهة النظر ص ٣٧.
[ ٢٧٣ ]
الاعتقادية؛ كصفات الرب ﷾، وأفعاله، أو ما يتعلق باليوم الآخر، وفي الأمور العملية؛ كأحكام الطهارة والصلاة والزكاة والمعاملات.
وهذه قضية أصولية عقدية، وهي: حجية خبر الواحد، والصواب: أن خبر الواحد حجة في مسائل الدين الاعتقادية والعملية، والأدلة على قبول خبر الآحاد كثيرة في السنة، منها: أن الرسول ﷺ كان يرسل الرسل آحادًا (^١).
وعند أهل البدع من المتكلمين: أن خبر الواحد لا يحتج به في العقائد، فيردون كثيرًا من النصوص الواردة في صفات الله تعالى بحجة أنها خبر آحاد.
والتفريق بين مسائل الاعتقاد ومسائل العمل من حيث الإثبات بدعة، فكل مسائل الدين سواء فما تثبت به الأحكام الشرعية الحلال والحرام تثبت به مسائل الاعتقاد، ثم إن أهل البدع ليس مقصودهم فقط الاحتياط في الثبوت، إنما مقصودهم رد النصوص المخالفة لأصولهم، فما استطاعوا رده ردوه بقولهم: إن هذه آحاد لا تثبت بها مسائل الاعتقاد؛ لكن إذا جاء متواترًا ماذا يصنعون؟
يقولون: نعم. هذا قطعي الثبوت؛ لكن نفس النصوص ظنية الدلالة، ويقولون: إن مسائل الاعتقاد لا تثبت بالأدلة اللفظية!
والأدلة السمعية: الآيات والأحاديث كلها أدلة لفظية في مقابل الأدلة العقلية، وعندهم: أن العقائد لا تثبت إلا بالدلائل العقلية، هذا
_________________
(١) انظر: الرسالة ص ٤٠١، وصحيح البخاري ٩/ ٨٦، ومختصر الصواعق ٤/ ١٤٦٥.
[ ٢٧٤ ]
هو الأصل الفاسد والطاغوت الأكبر الذي أفضى بهم إلى التلاعب بكلام الله تعالى، وكلام رسوله ﷺ، وإلى رد كثير من كلام الرسول ﷺ وأخباره، فردوا نصوص الصفات، ونفوا الصفات بالشبهات العقلية التي هي بزعمهم حجج، ولهذا يقول شيخ الإسلام فيهم: «ولكنهم من أهل المجهولات المشبهة بالمعقولات، يسفسطون في العقليات، ويقرمطون في السمعيات» (^١).
فلما أصَّلوا نفي الصفات وقفوا من النصوص أحد ثلاثة مواقف:
الأول: الرد لما قدروا على رده؛ كأخبار الآحاد قالوا: هذه لا تثبت بها العقائد.
الموقف الثاني: التأويل لما لا يستطيعون رده؛ كالقرآن، فسلكوا فيه طريق التأويل، وهو صرف ألفاظ النصوص عن ظاهرها.
والثالث: مسلك التفويض، وهو إمرار النصوص ألفاظًا من غير تدبر وفهم لمعناها ومراد الله منها.
وأهل السنة والجماعة يؤمنون بكل ما أخبر الله تعالى به، ورسوله ﷺ، من الشرع والبيان، وهو يشمل: مسائل الاعتقاد، ومسائل الأحكام، فكلها حق من عند الله.
* * *
_________________
(١) التدمرية ص ١٢١.
[ ٢٧٥ ]