وقوله: «فإنه ما سَلِم في دينه إلا من سلَّم لله ﷿ ولرسوله ﷺ، وردَّ عِلْمَ ما اشتبه عليه إلى عالِمِه».
هذا فيه تقرير وجوب التسليم لله، والانقياد لحكمه.
وحكم الله نوعان:
- حكم كوني.
- وحكم شرعي.
ويجب على العبد الرضا عن الله في تدبيره وحكمه الكوني وحكمه الشرعي، فلا يعارض حكم الله برأي ولا ذوق ولا استحسان، هذا بالنسبة للحكم والقضاء الكوني.
وأما الأمور المكونة والمقضية فهذه يجب أن يعمل فيها من حيث الاستسلام والدفع والطلب بموجب الشرع، فيُحكِّم شرع الله، فما أمره الله بفِعله فَعَلَهُ، وما أمره بتَرْكه تَرَكَهُ، فيحب ما أحبه الله، ويبغض ما أبغضه الله، ويأتي ما أمره الله به، ويذر ما نهاه الله تعالى عنه، ويصبر على ما أوجب الله عليه فيه الصبر، ويدفع ما أوجب الله عليه دفعه من المكروهات.
[ ١٤٦ ]
وهذه الأعمال من طلب أو دفع للمقدرات تجري فيها الأحكام التكليفية: الواجب والمحرم والمكروه والمستحب والمباح.
فلا بد من التسليم لحكم الله؛ بالرضا بحكمه وتدبيره، وأنه حكيم عليم، وذلك بعدم الاعتراض عليه في قضائه الكوني وقضائه الشرعي.
وجهلة الصوفية وغلاتهم يرون أن من التسليم للقدر الاستسلام لكل ما يجري على الإنسان، بحيث لا يطلب خلاف ما يجري عليه، ولا يدفع شيئًا من المكروه، حتى يقول قائلهم: إن العارف لا حظَّ له! أو إنه يصير كالميت بين يدي الغاسل!
قال الإمام ابن تيمية: «فهذا إنما يمدح منه سقوط إرادته التي لم يؤمر بها، وعدم حظه الذي لم يؤمر بطلبه، وأنه كالميت في طلب ما لم يؤمر بطلبه، وترك دفع ما لم يؤمر بدفعه» (^١). وهذا كلام باطل، ولا يمكن تحقيقه في الواقع أبدًا.
فقوله: «ما سلِم في دينه إلا من سلَّم لله ﷿ ولرسوله ﷺ»، يظهر من السياق أنه يريد التسليم لشرع الله في المسائل العلمية الاعتقادية، وفي المسائل العملية.
فإن الدين يتضمن قسمين: اعتقادات، وأعمال. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣]، فالهدى هو: العلم النافع، ودين الحق: العمل الصالح، قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: ١١٤]، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ
_________________
(١) التدمرية ص ٥٨٨.
[ ١٤٧ ]
أَحَدًا ٢٦﴾ [الكهف]، قال تعالى في تحكيم الرسول: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء]. فلا بد من التسليم لحكم رسول الله ﷺ، وقبوله بانشراح صدر، وطِيب نفس، فإنه لا يتحقق الإيمان كاملًا إلا بهذه الشروط مع الإيمان به، وأن ما جاء به حق من عند الله، وأن ما حكم به في كل مسائل الدين هو الحق والعدل والصواب، فإنه ﷺ إنما يحكم بشرع الله وحكمه، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
وقد خرج عن هذا السبيلِ المبتدعةُ على اختلاف بدعهم، فلم يقنعوا بما جاء به الرسول ﷺ، فالمعطلة يرون أن كل ما في القرآن والسنة من صفات الرب ﷾؛ ليس المراد منها ظاهرها، وأهل التفويض يرون أنها لا معنى لها، وهذا خروج عن تحكيم الرسول ﷺ، وعن الرضا بحكمه، والتسليم له، فعندهم أن الحق في معرفة الله، وفيما يجوز عليه وما لا يجوز عليه؛ هو ما عرفوه بعقولهم، ومضمون هذا الكلام أن الرسول ﷺ لم يبين للناس ما يجب أن يعتقدوه في ربهم، فترك هذا العلم العظيم الذي هو أهم العلوم وأجل المطالب بلا بيان.
وقد فنَّد شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمة «العقيدة الحموية» (^١) هذا التصور الساقط الباطل، وذكر وجوهًا من دلالات العقل على بطلان هذا القول، فكيف يبين الرسول ﷺ كل صغير وكبير للناس حتى آداب قضاء
_________________
(١) ص ١٩٥.
[ ١٤٨ ]
الحاجة، ثم لا يبين ما يجب على العباد أن يعتقدوه في ربهم؟! هذا من أبطل الباطل.
ومن الوجوه التي ذكر: «إن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون المتكلفون هو الاعتقاد الواجب، وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم، وأن يدفعوا بما اقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصًّا أو ظاهرًا؛ لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير؛ بل كان وجود الكتاب والسنة ضررًا محضًا في أصل الدين» (^١)؛ لأنهم يقولون: إن نصوص الأسماء والصفات ظاهرها التشبيه، ثم يلجؤون للتخلص من ذلك إما بالتفويض فيقولون: هذه نصوص الله أعلم بمراده منها، فنحن لا نفهمها وليس علينا أن نتدبرها، بل علينا أن نتلوها ألفاظًا، والأكثرون منهم يسلكون طريق التأويل، وهو تفسير النصوص بمعانٍ بعيدة مخالفة لظاهرها، ولما دلت عليه سائر النصوص الأخرى الموضحة لها، فكل الآيات والأحاديث الواردة - مثلًا - في اليدين مؤولة عندهم بخلاف ظاهرها، فيجعلون ذلك كله من قبيل المجاز والتخييل، وهذا كله ضد التسليم للرسول ﷺ، فحكَّموا عقولهم، ولم يُحكِّموا النبي ﷺ؛ فضلوا ضلالًا بعيدًا، وهذا ما يتضمنه قول المؤلف: «فإنه ما سَلِم في دينه إلا من سلَّم لله ﷿ ولرسوله ﷺ، وردَّ عِلم ما اشتبه عليه إلى عالِمِه»، وهذا هو الواجب، فما خفي على الإنسان فهمه وأشكل عليه؛ فعليه أن يقول: الله أعلم، والله تعالى علَّم نبيه ﷺ وعلمنا ذلك بقوله: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، ﴿قُلِ
_________________
(١) ص ٢٣٥.
[ ١٤٩ ]
اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [الكهف: ٢٦]، ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، فالواجب على المكلف فيما لم يعلم أن يفوض علم ذلك إلى الله.
وقوله: «وردَّ عِلم ما اشتبه عليه إلى عالِمِه»، فهناك أمور استأثر الله بعلمها، كحقائق ما أخبر الله سبحانه عن نفسه من أسمائه وصفاته، وحقائق اليوم الآخر، فهذا كله مما يخفى على العباد ولا يمكنهم معرفته؛ فالواجب في هذا هو التفويض، ورد علم ذلك إلى الله.
أما معاني النصوص؛ فالأصل أنها يمكن فهمها كلها، فما أخبر الله به عن نفسه، وما أخبر به عن اليوم الآخر هذه لا بد أن تكون معلومة لنا من جهة معانيها، لكن قد يخفى بعضها على بعض الناس في بعض الأحوال، فهنا قبل أن يعرف المراد، يرد ما اشتبه عليه؛ فيقول: الله أعلم به، ثم هذا لا يمنع التدبر والبحث لمعرفة المراد، ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في القاعدة الخامسة من «العقيدة التدمرية» (^١): «إنا نعلم ما أخبرنا به من وجه دون وجه».
وقوله: «وردَّ عِلم ما اشتبه عليه إلى عالِمِه»، هذا أدب رفيع، وهو مقتضى علم العبد بربه وعلمه بنفسه، فلا يتجاوز حده فيدعي علم ما لا علم له به، ولا يتكلف في البحث عما لا سبيل إلى معرفته، فما علمه قال به واعتقده وآمن به، وما خفي عليه رد علمه إلى عالمه.
_________________
(١) ص ٢٩٦.
[ ١٥٠ ]
وقوله ﵀: «ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام».
هذا تعبير فيه شيء من التشبيه والاستعارة على طريقة أهل البيان، فقوله: «لا يثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم»، فيصور المؤلفُ الإسلامَ كأن له قدمًا يقوم عليها، والتسليمَ بأنه مركب ثابت إذا اعتمد الإنسان عليه استقر وأمن من السقوط والاضطراب.
فلا يستقر إسلام العبد، ولا تحصل له الطمأنينة إلا إذا ثبتت تلك القدم على ظهر التسليم.
والاستسلام، والتسليم معناهما متقارب، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [لقمان: ٢٢].
الإسلام: الاستسلام والانقياد، وهذا يقتضي عدم المنازعة؛ لأن من ينازع لم يَسلَم، وهذا الكلام يؤكد قولَه السابق: «فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ﷿ ولرسوله ﷺ».
والتسليم أصل مهم، فإذا أصَّلت أصل الدين: الإيمان بالله ورسوله وكتابه، والإيمان بالله يتضمن أنه تعالى هو الإله الحق الذي لا يستحق العبادة سواه، وأنه تعالى رب كل شيء ومليكه، وأنه ﷾ موصوف بالكمال منزه عن النقص، فلا ظلم ولا عبث في خلقه وشرعه وقدره؛ بل هو تعالى حكيم في ذلك كله، إذا حققت هذا؛ فكل ما يرد عليك عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ فلا بد أن يقوم على التسليم؛ لأن المعارضة والمنازعة ما تجيء إلا من ضعف الإيمان بعدل الرب، ومن ضعف الإيمان بحكمة الرب.
[ ١٥١ ]
وكل ما يعارض الحق فهو باطل؛ لكن تارة تكون المعارضة وقحة صريحة، كما يفعل الكفرة أو الذين قد تزلزل إيمانهم، أو كاد أن يزول، فهؤلاء يتكلمون بالمعارضات في شرع الله وقدره، وأحيانًا لا يتكلم بها لكن تكون في النفس.
والمسلم يجب عليه أن يدفع كل المعارضات التي تخطر بباله، أو يسمعها على ألسن الشياطين، أو ألسن الجاهلين، يدفع ذلك بالإيمان بأن الله تعالى حكم عدل، حكيم عليم.
وهذا لا يقتضي أن الشرع مخالف للعقل؛ بل العقل الصريح لا يناقض النقل الصحيح؛ لكن العقل مع النقل له طاقة وله حدود، فلا يمكن لعقل الإنسان أن يدرك ويحيط بكل شيء؛ بل له حدود يقف عندها؛ لأن الإنسان ناقص، فلا يمكن أن تجيب على كل سؤال، أو يجاب عليه، فلا بد من أن تقول: الله أعلم، الله حكيم عليم.
فإذا سلم الإنسان استراح كثيرًا وأراح، وما يرد عليك من المعارضات:
- إما أن تدفعه بالبينات والحجج الكاشفة لزيف تلك الشبهات الواردة.
- وإن لم يتهيأ ذلك لقلة العلم فادفعه بهذا الأصل وقل: آمنت بالله ورسوله، فإن الشيطان يلقي الوساوس في النفوس.
والرسول ﷺ ما ترك شيئًا يقرب أمته إلى الجنة، ويبعدهم من النار إلا دلهم عليه، ولا ترك أمرًا يحتاجون إليه في دينهم إلا بيَّنه، وقد قال
[ ١٥٢ ]
ﷺ: «يأتي الشيطانُ أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينتَهِ» (^١).
وفي لفظ آخر: «فليقل: آمنت بالله ورسله» (^٢)
فهل بعد هذا الوسواس وسواس؟!
فإن ورد عليك فادفعه بسرعة بالعلاج النبوي: فقاطع الوسواس، ولا تسترسل معه، واترك التفكير، وقل: أعوذ بالله من الشيطان، آمنت بالله ورسله؛ فإنك إذا تفكرت فيه زاد وطمع الشيطان فيك؛ لأنه وجد عندك قابلية للوسواس.
وانظر إلى إيمان الصحابي الذي وجد مثل هذا، فجاء مذعورًا يتذمر، ويقول: يا رسول الله، إني أحدث نفسي بالشيء ما لو أخر من السماء أحب إلي من أن أتكلم به. فقال النبي ﷺ: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة» (^٣)
وقال في حديث آخر: «ذاك صريح الإيمان» (^٤)
والمراد كراهة هذا الوسواس، وبغضه، والخوف منه، وهذا نابع من الإيمان، فبقدر إيمان العبد وقوته يكون موقفه من تلك الأفكار والوساوس.
_________________
(١) رواه البخاري (٣٢٧٦)، ومسلم (١٣٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) عند مسلم في الموضع السابق.
(٣) رواه أحمد ١/ ٢٣٥ - واللفظ له -، وأبو داود (٥١١٢)، وصححه ابن حبان (١٤٧) من حديث ابن عباس ﵄.
(٤) رواه مسلم (١٣٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١٥٣ ]
وهذا كله يرجع إلى التسليم، فأي شبهة أو فكر أو خاطر أو قول يعارض الحق فهو باطل، وهذا المبدأ عصمة للمسلم من كثير من الشرور والشبهات والضلالات.
فالتسليم لله ولرسوله ﷺ مُعتصَم للمسلم أمام كل باطل وكل مجادل، فلا يُعطِ لعقله الحرية التي تسمى حرية العقل، وليست حرية للعقل؛ بل عبودية للشيطان، وخروج عن عبودية الله، فليكن هذا الأصل على بالك، فكل ما يخالف الحق الذي جاء عن الله تعالى ورسوله ﷺ؛ فهو باطل من الوهلة الأولى، وليس بلازم أن يكون الإنسان عنده القدرة على تزييف الشبهة، المهم أن الحق عنده ثابت، فما يُدَّعى أن هذا يعارضه فهو مردود مدفوع، فاعتصِمْ بالحق واثبُتْ عليه واطرح كل ما خالفه.
وأحببتُ أن أؤكد على هذا؛ فإنه ينفع المسلم ويُريح باله عند ورود الشبهات على قلبه (^١)، فقد انفتح على الناس أبواب شر في هذا العصر ممثلة في وسائل الإعلام، وفي الشبكة العنكبوتية، فهي وسائل عظيمة الأثر في الخير والشر؛ ولكن أكثر ما تستعمل في الشر؛ لأن أكثر الناس على غير هدى، فكُن على حذر مما يطرح في هذه الوسائل، فقد أصبح الناس في فتنة مدلهمة، فكلٌّ يستطيع أن يتكلم بما يريد، الملحد والمبتدع والذي ينتسب للسنة، فإن من المنتسبين للسنة من تسربت إليه أفكار وتوجهات فيحملها ويحمل لواءها، فيصير - والعياذ بالله - داعي فتنة، سواء مما يتعلق بالاعتقادات أو بالسلوكيات.
_________________
(١) الإيمان الكبير ص ٢٨٢، ومفتاح دار السعادة ١/ ١٤٠.
[ ١٥٤ ]
وقوله ﵀: «فمن رام عِلمَ ما حُظِر عنه عِلمُه، ولم يقنع بالتسليم فهمُه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان».
هذا بيان لأثر عدم التسليم. «من رام» يعني: طلب، «ما حُظِر عنه عِلمُه» يعني: حُجب عنه ومُنع من عِلمِه، «ولم يقنع بالتسليم» فهو كثير الاعتراض والسؤال، فيقول: - مثلًا - لِمَ خلق الله الحشرات؟ لِمَ خلق الله هذه المؤذيات؟ لِمَ خلق الله الناس هذا دميم، وهذا قصير؟ لِمَ أضل من أضل من الخلق؟ لم أغنى هذا وأفقر هذا؟ في تساؤلات عن حِكَم الله في تقديراته. ففي نفسه اعتراضات!
ومن الأشياء التي تجري على بعض الألسن - وهي نابعة من عدم التسليم -: «فلان والله ما يستحق أن يبتلى بهذه الأمراض والأوجاع والمصائب أو يبتلى بالفقر»، هذا اعتراض على تدبير أحكم الحاكمين.
وقوله: «فمن رام عِلمَ ما حُظِر عنه عِلمُه، ولم يقنع بالتسليم» فيريد أن يفهم كل شيء، وهذا لا يمكن؛ لأن عقل الإنسان له حد، فلا يمكن أن يعرف أسرار الوجود، وتفاصيل حِكَم الله في أقداره، وإن لم يسلم لله؛ «حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان» هذه هي النتيجة، «حجبه مرامه»، أي: منعه طلبه وتكلُّفه معرفةَ ما هو محجوب عنه، عن خالص التوحيد وصحيح الإيمان، فالتكلف وطلب ما لا سبيل إلى معرفته ينافي تحقيق التوحيد، فتحقيق التوحيد يقتضي التسليم؛ لأن التسليم والاستسلام لله هو موجب التوحيد والإيمان
[ ١٥٥ ]
الصحيح والمعرفة الحقة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا (٣٦)﴾ [الإسراء]، ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة]، ومما يأمر به الشيطانُ أن يقول الإنسان على الله ما لا يعلم.
* * *
[ ١٥٦ ]