فضيلة الشيخ د. سفر بن عبد الرحمن الحوالي
قال أبو جعفر الطّحاويّ ﵀:
[والشَّفَاعَةُ التي ادَّخرها لهم حقٌ، كما رُوي في الأخبار] .
الشرح:
يقصد الإمام الطّحاويّ ﵀ بالضمير في قوله: [ادَّخرها] أي: الرَّسُول ﷺ وكما في فقرة: [والحوض الذي أكرمه الله تَعَالَى به غِيَاثًا لأمته حق] فكل الضمائر تعود إِلَى النبي ﷺ كما في فقرة [وقد أُسري بالنبي ﷺ وعرج بشخصه في اليقظة] ثُمَّ قَالَ: [والشَّفَاعَةُ التي ادخرها لهم حق كما رُوي في الأخبار] وهذه الفقرة أطال المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى في شرحها وتعرض فيها لموضوعين أساسيين في الجملة:
الموضوع الأول: إثبات شفاعته ﷺ وبيان أنواعها.
والموضوع الآخر هو: ما يتعلق بالتوكل وهو الذي ذكره في آخر موضوع الشَّفَاعَةِ.
باب الشَّفَاعَةِ بابٌ مهمٌ وعظيم؛ لأن النَّاس نتيجة غلطهم وجهلهم وانحرافهم في موضوع الشَّفَاعَةِ، وقعوا في الشرك الأكبر، وخرجوا من التوحيد، والصراط المستقيم إِلَى السبل المنحرفة والضلالات. فالمُشْرِكُونَ الذين بُعِثَ فيهم الأَنْبِيَاء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم، كانوا يعبدون الأصنام بذريعة الشَّفَاعَة، والذين يعبدون الأولياء والصالحين، وينتسبون إِلَى هذه الأمة يتذرعون أيضًا بالشَّفَاعَة أو بالتوسل، فهذا أمر عظيم يجب أن نتفطن له.
وهناك أمور ينبغي أن نعلمها أولًا: أن النَّاس في الشَّفَاعَةِ عَلَى ثلاثة أقسام: طرفان ووسط.
أهل الغلو في إثبات الشفاعة
أما الطرفان:
[ ١٨٨٣ ]
فأولهما: المثبتون للشفاعة في غير موضعها ولغير أهلها، سواء كَانَ ذلك في الشافع أو في المشفوع له، فهَؤُلاءِ غلوا في إثبات الشَّفَاعَةِ، وجعلوها في غير ما أنزل الله تَعَالَى إما أنهم جعلوا من ليس أهلًا في الشَّفَاعَةِ شافعًا، والله لم يجعله شافعًا، أو جعلوه مشفوعًا له، ولم يأذن الله تَعَالَى بأن يُشْفَع له، وغلوا في ذلك حتى آل بهم الأمر إِلَى الشرك الأكبر.
وهَؤُلاءِ: هم المُشْرِكُونَ قديمًا وحديثًا، فأما المُشْرِكُونَ في الجاهلية وقبل بعثة النبي ﷺ، فقد أخبر الله عنهم في آيات كثيرة من ذلك قوله سبحانه: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس:١٨] أي: يعبدون الأصنام والأحجار التي لا تضر ولا تنفع، كما خاطب إمام الموحدين إبراهيم ﵇ قومه بقوله: قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ [الشعراء:٧٢،٧٣] لا ينفعون ولا يضرون ولكن العلة هي الشَّفَاعَة، ومن ناحية أخرى الوسيلة، ولهذا فموضوع الشَّفَاعَةِ والوسيلة له ارتباطات، فهَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ اتخذوا من غير الله آلهة وعبدوا من دون الله ما لا يضرهم، ولا ينفعهم من الأصنام الجامدة، أو من الصالحين، أو من الموتى الهالكين الغابرين، وكل ذلك بحجة أن هَؤُلاءِ شفعاؤنا عند الله.
[ ١٨٨٤ ]
وفي الآية الأخرى مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:٣] هي أيضًا بهذا المعنى، فإن الذي يقرب إِلَى الله هو الشافع الوسيط المتوسل به الذي يصل الإِنسَان إِلَى مراده وغايته، فهَؤُلاءِ جعلوهم شفعاء عند الله، وهذا شرك في حقيقته، وإن كانت هذه الأصنام لا تخلق وترزق، ولا تستحق العبادة وحدها؛ لكن يقولون: نعبد الله وهو إله واحد وهذه الآلهة تشفع لنا عند الله، وقد كانوا في الجاهلية يقولون: "لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك" فلا يجعلون هذا الشفيع واسطة فقط يقرب ويشفع عند الله؛ بل مع ذلك يجعلونه مملوكًا لله فقد قالوا: "تملكه، وما ملك" ومع ذلك فهذا بعينه هو الشرك الأكبر.
والشَّفَاعَةُ إذا نظرنا إليها من أصلها اللغوي وجدنا أن الشفع في اللغة هو: ضد الوتر، بمعنى: الاقتران أو الضم فمثلًا (٢،٤،٦، ) هذه الأعداد تسمى الأعداد الشفعية فتقول: شفعت هذا بهذا، ضممت هذا إِلَى هذا، فالواحد وترًا لكن الاثنان شفعًا؛ لأنك ضممت واحد إِلَى واحدًا فأصبحت شفعًا.
فالذي يحصل أن الْمُشْرِكِينَ يضمون مع الله تَعَالَى غيره، وذلك: بأن يدعو الله، ويدعو غير الله، ويقول قائلهم: هذا يشفع لي عند الله، فأنا عندما أدعو الله أنا ضعيف، ومذنب، ومقصر، كيف أدعو الله وأتقرب وأتوسل إليه بعملي أنا؟ فماذا أصنع؟! أشفع دعائي بدعاء رجل صالح! أو بدعاء الولي الفلاني، أو النبي الفلاني، أو بالأصنام أيًا كانت، فأضم هذا إِلَى عملي، فيصبح الأمر أرجى للقبول عند الله تعالى، وهذا ما يفعله المتعلقون بالأموات والقبوريين في الجاهلية والإسلام.
[ ١٨٨٥ ]
فهَؤُلاءِ الذين أثبتوا الشَّفَاعَة، وغلوا في إثباتها، جعلوها في غير موضعها لأن هذه الأصنام لا تشفع، لأنها أحجار صماء بكماء، لكن الأنبياء والأولياء يشفعون لمن ارتضى كما قال الله عنهم: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:٢٨] وقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه [البقرة:٢٥٥] فالشَّفَاعَةُ لمن ارتضى ولمن أذن الله تَعَالَى ولمن شهد بالحق وهم يعلمون، لأهل التوحيد والإيمان يشفع الله ما شاء له أن يشفع.
أهل التفريط والإنكار
وهم الذين أنكروا الشَّفَاعَة بالكلية، وهَؤُلاءِ هم المعتزلة والخوارج، فهم ينكرونها بناءًا عَلَى أصلهم الفاسد في حكم مرتكب الكبيرة.
فأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ والسلف الصالح ﵃ كلهم أجمعوا عَلَى أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، كما صرحت بذلك الآيات من كتاب الله، والأحاديث الثابته من كلام رَسُول الله ﷺ، فهو قول وعمل واعتقاد أي: اعتقاد بالباطن وانقياد وإذعان بالظاهر، وقد نقل الإجماع عَلَى ذلك عدد من أئمة السلف منهم الإمام البُخَارِيّ ﵀، كما روى عنه اللالكائي بسند صحيح قَالَ: "رويت عن أكثر من ألف من أهل العلم ولم أنقل إلا عمن يقول الدين قول وعمل". وهذا هو قول الأمة قبل أن تظهر بدعة المرجئة والخوارج فهذا معنى قولنا: إن السلف قالوا: إن الإيمان قول وعمل.
[ ١٨٨٦ ]
الإيمان يزيد وينقص: يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، فزيادة الإيمان وردت في كتاب الله مثل قوله تَعَالَى وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال:٢] وكما حكى الله عن المنافقينفَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:١٢٥،١٢٤] كَانَ إيمانهم ناقص، ثُمَّ ازداد الرجس وذلك لنقص الإيمان.
فالإيمان يزيد وينقص عند النَّاس بالفطرة السليمة. فمن يصلي الفريضة، ويسمع الآيات التي تقشعر لها الأبدان، فيخشع في صلاته، فيشعر أن إيمانه قد ازداد وقد يخرج إِلَى الحياة فيرى المتبرجات، ويرى أهل الدنيا، ويرى ما حرم الله، فيقسوا قلبه، فيحاول أن يعيد بعض الخشوع، فيقرأ نفس الآيات التي كَانَ قد تأثر بها فيما سبق، فلا يكاد يجد شيئًا من ذلك إذا كَانَ إيمانه زائدًا ثُمَّ نقص.
وعكس ذلك فقد يكون الإِنسَان يصلي ويصوم ويحج، ولكنه غافل عن أمر دينه، وعما يجب أن يكون المؤمن عليه من مراقبة الله وتقواه، فيجلس فيسمع شيئًا من كتاب الله، أو يصلي فيخشع في صلاته، أو يجد من يعظه ويذكره بالله ﷿، وإذا به يشعر أنه ولد من جديد، تنورت بصيرته، فيخرج فينظر إِلَى الأمور بنظرة غير التي كانت قبل أن يسمع هذه الموعظة، وأحيانًا تجد نفسك متشجعًا للطاعة في أمر من أوامر الله، وأحيانًا تجد أنك تتثاقل عن واجب من الواجبات التي ترغم وتكره عليها إكراهًا.
إذًا زيادة الإيمان ونقصانه أمر معلوم.
[ ١٨٨٧ ]
والمسلمون ألا يرتكبون الكبائر ألا تقع منهم الأخطاء و(كل بني آدم خطاء وخير الخاطئين التوابون) هكذا خلق الله الإنسان؛ لأن الابتلاء والامتحان إنما مناطه هذه الأخطاء، ولو أن الإنسان لا يخطئ ولا يذنب لكان ملكًا، ولو أنه كان مذنبًا مخطئًا بإطلاق لكان شيطانًا، لكن الإنسان هكذا وهكذا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإِنسَان:٣] فالإِنسَان يقبل هذا ويقبل هذا، وهكذا خلقه الله تعالى.
ولهذا يقول النبي ﷺ: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان) فلو تأملنا هذا الحديث لوجدناه يدل عَلَى الواقع وعلى كلام السلف تمامًا، وهو أن الإيمان يزيد وينقص، فهناك شعب لا يأت بها بعض الناس، وعدم إتيانه بها يجعله لا يعد من الْمُسْلِمِينَ أصلًا، مثال ذلك، الشعبة الأولى: لا إله إلا الله: فمن لم يأتِ بها فليس بمسلم أصلًا، مثل: اليهود والنَّصارَى والْمُشْرِكِينَ، الذين لم ينطقوا بهذه الشهادة، ولم يلتزموا بها، فأولئك ليسوا بمؤمنين أصلًا، فلا يوجد عندهم من الإيمان ولا مثقال ذرة، وهناك شعب أخرى قد يتركها الإِنسَان ولا يأتِ بها فتنقص من إيمانه، مثل إماطة الأذى عن الطريق، فإذا استكمل رجلٌ الشُعَبَ وترك هذه الشعبة، نقص من إيمانه هذا شيء، ولا يعلم قدره الله تعالى.
اختلفت المذاهب والأنظار فيمن ترك شعبة من شعب الإيمان دون الشعبة العليا التي يكفر من تركها، وغير هذه التي ينقص إيمانه بها قليلًا؛ كأن يكون شرب خمرًا ومات عَلَى ذلك فما حكمه؟
مرتكب الكبيرة عند الخوارج والمعتزلة
[ ١٨٨٨ ]
الخوارج والمعتزلة جعلوا مرتكب الكبيرة، كمن ترك شهادة أن لا إله إلا الله، كافرًا خارجًا عن الملة في الدنيا، وفي الآخرة خالدًا مخلدًا في النَّار أيضًا، وَقَالُوا: الشَّفَاعَة لا تنفع الكافر الخارج عن الملة، واختلفوا في اسمه في الدنيا -فقط- فالخوارج قالوا:كافر في الدنيا وفي الآخرة خالد مخلد في النار.
وقالت المعتزلة: لا نسميه في الدنيا كافرًا ولا مؤمنًا؛ بل هو في منزلة بين المنزلتين لأنه يوجد في نظرهم أدلة ترجح أنه كافر، وأدلة ترجح أنه مؤمن فعجزوا عن الترجيح بينهما، وهو في الآخرة خالد مخلد في النار، فحينئذ لا تنفعه الشَّفَاعَة، فشفاعته عمله فقط، يعمل الطاعات فيدخل الجنة، أما أن يشفع له شخص آخر وهو لم يعمل فلا شفاعة له، ولا يدخل الجنة، فأغلقوا الباب نهائيًا.
مذهب أهل السنة في مرتكب الكبيرة
أما أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَقَالُوا: هذا الذي فعل محرمًا أو ترك واجبًا، هو مؤمن ناقص الإيمان ينقص إيمانه بقدر نقصان شعب الإيمان وتركه لها، والنَّاس كلهم يتفاوتون في الإيمان، فبعضهم يرتفع إيمانه حتى يصل إِلَى درجة عليا ثُمَّ يفتر عن العبادة والطاعة فينقص إيمانه، ولذلك فالإِنسَان يحتاج دائمًا إِلَى تذكير؛ لأنه كلما تذكر زادت شعب الإيمان وطاقة الإيمان عنده فيزيد إيمانه.
مذهب المرجئة في مرتكب الكبيرة
وأما المرجئة فيقولون: الإيمان كامل في القلب، أما الأعمال فسواءً زادت أو نقصت، فلا تأثير لها عَلَى ما في القلب.
أدلة أهل السنة والجماعة في حكم مرتكب الكبيرة
يستدل أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ بأحاديث كثيرة، منها: حديث الرجل الذي شرب الخمر فسبه الصحابة، ومع هذا شهد له النبي ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى بأنه يحب الله ورسوله.
[ ١٨٨٩ ]
إذًا فقد تقع من المؤمن المعاصي كحالة استثنائية خارجة عن أصل المنهج الطريق الذي يمشي عليه، فتقع منه المعصية بالطبيعة البشرية لإغواء الشيطان له، أو لأي أمر من الأمور؛ لكنه لا يكفر صاحبها بمجرد أنه فعل المعصية، فهذا رجل يحب الله ورسوله، وقد وقع منه أن شرب الخمر.
ولقد وقع زنا من بعض الصحابة مثل ماعز والغامدية فلم يكفرهم النبي ﷺ، ولكن أقام عليهم الحد، وقال ﷺ: (ومن عوقب به في الدنيا، فهو كفارة له) كما في حديث البيعة الصحيح لما بايعهم، ولذا قال ماعز: طهرني يارَسُول الله! والمرأة تقول: طهرني يا رَسُول الله يرجون التطهير في الدنيا.
فهل التطهير ينفع في حق الكافر من غير أن يؤمن! ولو زنى الكافر هل نجلده أم لا؟
اختلف العلماء، والصحيح أنه يجلد كما في قصة اليهوديان اللذان نزلت فيهما الآيات العظيمة، واللذان بسببهما كانت القصة المشهورة لما وضعوا أيديهم عَلَى حد الرجم، وأقيم عليهم الحد، فأحكام الإسلام وحدوده تجري حتى عَلَى الكفار، وإلا فكيف يقَالَ: إذا زنى المسلم جلدناه، وإذا زنى الكافر قلنا له: أنت كافر لانقيم عليك الحد!! بل نقول: الإيمان بينه وبين ربه، لأن الله أمرنا أن نأخذ منهم الجزية عن يد وهم صاغرون، وأن يكون حالنا معهم مثل حال الرَّسُول مع اليهودحين حالفوه وكانوا مواطنين في حكم الدولة المسلمة، فما داموا تحت حكم الْمُسْلِمِينَ فعلى الْمُسْلِمِينَ أن يقيموا عليهم الحدود، ولا يسمحوا لهم بالزنا ولا بشرب الخمر.
فالمقصود أن تقام حدود الإسلام حتى عَلَى الكافر، ومن عوقب في الدنيا فهو كفارة له، وإذا زنا المسلم أو شرب الخمر أو فعل معصية من المعاصي ثُمَّ مات عَلَى ذلك ولم يتب فحكمه عندأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ في الآخرة أنه تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
[ ١٨٩٠ ]
ومغفرة الله تنال الإِنسَان يَوْمَ القِيَامَةِ بعدة أسباب منها: شفاعة الرَّسُول ﷺ، إذ يشفع الشافعون لأهل الكبائر، ويشفع النبي ﷺ وغير النبي ﷺ، كما سيأتي تفصيل ذلك في قول المُصْنِّف ﵀: [ويشفعون لأهل الكبائر] .
ومنها: أن يكون عفو الله مقابل التوحيد وإن لم يتب، فإن تاب تاب الله عليه، وقد يغفر الله لمن شاء من أهل المعاصي جاهر بالمعاصي من غير الشَّفَاعَة، كما قال الله تعالى: غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ [غافر:٣] لكن المعتزلة والخوارج قالت: غَافِرِ الذَّنْبِ لمن تاب، فنقول: إذا كَانَ غافر الذنب لمن تاب فقط فما معنى قوله: غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ فمعنى غَافِرِ الذَّنْبِ أي: أنه يتكرم ويتجاوز من عنده من غير توبة ولا شفاعة، مثل: صاحب البطاقة التي لا يوجد فيها غير التوحيد، وتسع وتسعون سجلًا من المعاصي، ويغفر الله له مقابل التوحيد بلا شفاعة (يا ابن آدم لو أنك لو لقيتني بقراب الأرض خطايا -أي: بملئ الأرض من الذنوب والخطايا- ثُمَّ لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لقيتك بقرابها مغفرة) فإذا لقيه لا يشرك به شيئًا فإنه يغفر له بأنواع المغفرة، إما أن يغفر له برحمته وفضله، وإما أن يغفر له بشفاعة الشافعين، وهذا من كرمه وفضله، وهو من جملة تكريمه للشافع أن قبل شفاعته كقبول شفاعة الشهداء والصالحين.
وأيضاَ فيها مَنُ الله عَلَى المشفوع بأن جعله ممن تدركه هذه الشَّفَاعَة.
إذًا: فمذهبأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ فيه التناسق والعمل بجميع النصوص الواردة، وفيه عدم رد آية أو حديث صحيح.
شبهة المعتزلة والخوارج والرد عليها
[ ١٨٩١ ]
يقول أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ في مرتكب الكبيرة: لا ننفي عنه اسم الإسلام بالكلية لكن تسلب عنه أسماء المدح، فشارب الخمر لا نقول: إنه من المحسنين ومن المقربين، ولكن يستحق أن يقَالَ: إنه فاسق وعاصي وفاجر وغيرها من أسماء الوعيد، فتسلب عنه أسماء المدح، ولا يطلق عليه اسم الكفر أبدًا، والخوارج لهم شبهات لعل تفصيلها سيأتي إن شاء الله، ومن أهم ما خفي عَلَى الخوارج والمعتزلة أنهم جعلوا الفسق والضلال والفجور والكفر بمعنى واحد، وهل هو كذلك في ديننا؟!
الجواب: أن الكفر معناه واحد، ولكن الضلال قد يكون كفرًا وقد يكون عصيانًا، والفسق قد يكون كفرًا مثل فسق إبليس كما قال الله عنه: فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف:٥٠] وقد يكون معصية وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:٤] أي: الذين يقذفون المحصنات.
وكذلك الظلم فتارة يطلق عَلَى الشرك، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:١٣] وتارة يطلق عَلَى المعاصي التي دون الشرك: فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ [فاطر:٣٢] أي من هذه الأمة، فيطلق عَلَى من ارتكب كبيرة أنه ظالم: لأنه وضع الشيء في غير موضعه، ويطلق عَلَى الكافر ظالم: لأنه صرف العبادة لغير الله، وحقها أن تكون لله ﷾.
وإنما أنكرت المعتزلة والخوارج هذه الشَّفَاعَة لأنها تتناقض مع أصل مذهبهم في الإيمان وهو: أن صاحب الكبيرة كافر مخلد في النَّار ولا يقَالَ: إنه ناقص الإيمان بل ذهب إيمانه بالكلية، والذين أثبتوا الشَّفَاعَة وغلوا في إثباتها حتى خرجوا عن الصراط المستقيم: هم المُشْرِكُونَ الواقعون في الشرك الذين جعلوا عبادة غير الله شفاعة، فأخلوا بالشَّفَاعَة الشرعية الصحيحة التي سوف يأتي تفصيلها بإذن الله.
[ ١٨٩٢ ]
ومذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ في مرتكب الكبيرة أنه في الدنيا لا يخرج من الملة وإنما يسلب عنه أسماء المدح فقط مثل التقوى والإيمان وغير ذلك، ومع ذلك يبقى له اسم الإيمان بمعنى الإسلام، ولا يخرج من الملة، وفي الآخرة يكون من أهل الشَّفَاعَة، ابتداءً من القوم الذين يغفر الله لهم أو يشفع فيهم النبي ﷺ أثناء الحساب، وانتهاءً بالجهنمين، وهم آخر من يخرج من النار، بعد أن يشفع الشفعاء كما سيأتي في حديث الشَّفَاعَة الطويل. فهذه هي الفرق والمذاهب في مسألة الشَّفَاعَة، وأما شفاعة النبي ﷺ التي ذكرها الإمام الطّحاويّ هنا فما هي إلا فرع واحد من أنواع الشَّفَاعَة.
قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى:
[والشفاعة التي ادخرها لهم حق كما روي في الإخبار]
قال المصنف رحمه الله تعالى:
[الشفاعة أنواع: منها ما هو متفق عليه بين الأمة ومنها ما خالف فيه المعتزلة ونحوهم من أهل البدع.
النوع الأول: الشفاعة الأولى وهي العظمى، الخاصة بنبينا ﷺ من بين سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين، صلوات الله عليهم أجمعين، ففي الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة ﵃ أجمعين أحاديث الشفاعة منها: عن أبي هريرة ﵁، قال: (أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَحْمٍ، فَدُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً، ثُمَّ قَالَ أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَ ذَلِكَ؟
يَجْمَعُ اللَّهُ ﷿ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صعِيدٍ وَاحِدٍ، يُسْمِعُهُمْ الدَّاعِي، وَيَنْفُذُهُمْ الْبَصرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنْ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ.
[ ١٨٩٣ ]
فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: أَلَا تَرَوْنَ إِلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ؟
أَلَا تَرَوْنَ إِلَى مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟
أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ ﷿؟
فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: أَبُوكُمْ آدَمُ، فَيَأْتُونَ آدَمَ.
فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟
فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي ﷿ قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنْ الشَّجَرَةِ فَعَصيْتُهُ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ.
فَيَأْتُونَ نُوحًا ﷺ، فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟
فَيَقُولُ نُوحٌ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ عَلَى قَوْمِي نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ.
فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟
[ ١٨٩٤ ]
فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، فَذَكَرَ كَذِبَاتِهِ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى ﵇.
فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ اصطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِتَكْلِيمِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟
فَيَقُولُ لَهُمْ مُوسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى.
فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ قَالَ هَكَذَا هُوَ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟
فَيَقُولُ لَهُمْ عِيسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ ذَنْبًا، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ.
فَيَأْتُونِي فَيَقُولُونَ يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ذَنْبَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْهُ وَمَا تَأَخَّرَ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟
[ ١٨٩٥ ]
فَأَقُومُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي ﷿ ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنْ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْأَبْوَابِ.
ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَمَا بَيْنَ مِصرَاعَيْنِ مِنْ مَصارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرَ أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصرَى﴾ أخرجاه في الصحيحين بمعناه، واللفظ للإمام أحمد] اهـ. .
الشرح:
قول المصنف: [الشفاعة أنواع، منها ما هو متفق عليه بين الأمة ومنها ما خالف فيه المعتزلة ونحوهم من أهل البدع]، لم يتعرض المصنف ﵀ فيه للصنف الذين تقدم ذكرهم، وهم الذين غلوا في الشفاعة فجعلوها للآلهة المعبودة من دون الله من الأصنام والأحجار، ولغير أهلها من المشركين، لأن أمر هؤلاء معروف ولأن هذه الشفاعة إنما هي ذريعة أو وسيلة، زعموها للإشراك بالله فصورتها الحقيقية أكبر من أن تكون ذنبًا فيشفع فيه، فهذا وقوع في الشرك الأكبر.
أسباب إنكار الشفاعة:
[ ١٨٩٦ ]
وأما الشفاعة التي اختلفت فيها فرق الأمة الإسلامية فمنهم من أنكرها بالكلية وهم المعتزلة والخوارج وسبب إنكارهم لها هو الغلو، فالذين غلوا في نفي الشفاعة هم في الأصل ممن غلا في العبادة والطاعة بزعمه، فخرج به ذلك عن الصراط المستقيم، والشيطان يخرج المرء عن الصراط المستقيم وعن الجادة، إما بالغلو في الطاعة، فيفعل ما لم يشرع الله تعالى، وإما بالتقصير في العبادة حتى يتركها بالكلية عافنا الله وإياكم من ذلك.
وأهل السنة والجماعة دائمًا وسطًا بين غلو الغالين، وبين تفريط المفرطين فقد كان الخوارج من أعبد الناس، حتى أن ركبهم كانت كركب الإبل من كثرة الركوع والسجود، وشحوب اللون في وجوههم من كثرة السهر بالقراءة والتلاوة كما قال النبي ﷺ في وصفهم «تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وعبادتكم إلى عبادتهم) وكذلك المعتزلة قد يقول قائل: المعتزلة زنادقة في الغالب وبالأخص المؤسسين، فكيف يكونو مجتهدين في العبادة؟
ولكن في الحقيقة أن أوائل المعتزلة كانوا من الغلاة في التعبد.
ومنهم: عمرو بن عبيد إمام المعتزلة الأول مع واصل بن عطاء وكان عمرو بن عبيد من أشد الناس زهدًا في الدنيا، وكان شديد التنسك وشديد العبادة كأنه من الخوارج -وهو كذلك- فهم في الحقيقة فرقة من الخوارج، أو أقرب الناس إليهم، واختلط المذهبان فيما بعد حتى أصبحا شيئًا واحدًا، فكان هذا هو حال أولئك المعتزلة، ولكن الأمر ليس أمر اجتهاد في العبادة، ولكن الأمر أمر اتباع، فمهما اجتهد المجتهد ولم يتبع، فإنه سيخرج ويضل، فهؤلاء لم يتبعوا النبي ﷺ ولا أصحابه، ولذا غلوا في الحكم على مرتكب الكبيرة.
[ ١٨٩٧ ]
فقالوا: إن الزاني كافر، وشارب الخمر كافر، وكلهم محرومون من الشفاعة وهذا غلو، وقد يقال: إن هذا الغلو من شدة نفورهم من الزنا، وشرب الخمر والمعاصي، ولكن نفور النفس من الشيء لا تجعلني أجعل المكروه محرمًا أو أجعل المحرم كفرًا، وكذلك رغبة النفس في الشيء لا تجعلني أجعل الحرام مجرد مكروه أو حتى أقول مباح -والعياذ بالله كما نقول اليوم الأمر بسيط- فإخلاص الدين لله تعالى لا يكون إلا باتباع أمر الله سواء وافق الهوى أم خالفه في أي أمر من الأمور، وإلا فإن من الناس من يكره الزنى؛ لأنه لا يريده وفي الغرب يسمون هؤلاء الناس معقدين جنسيًا، لأنه لا يستطيع أن يزني ولا يتزوج، فهل نقول: إنه يؤجر أو أن ينسب إلى أي فضيلة، كما يقال: هذا إنسان مترفع ومتسامي عن هذه الفاحشة والرذيلة، والقضية ليست قضية عقد ولا قضية أهواء.
ولكن يجب أن يكون حب الإنسان وكرهه موافقًا لما جاء به النبي ﷺ. فتحب من أمرك الله بحبه، فشارب الخمر فيه جانبان، جانب إسلامه، فيراعى أنه مسلم، فتعطى له حقوق المسلم العامة، وجانب المعصية فيراعى فيه أنه عاص فلا تعامله معاملة التقي البار ولا معاملة الكافر، ولكن بين ذلك.
[ ١٨٩٨ ]
وله عليك بعض الحقوق، ومن هذه الحقوق: حق النصح، وحق التذكير والوعظ، وعدم التشهير، وعدم الفضح، وإلا أعنت الشيطان عليه، ثم هذا الإنسان العاصي نأمل ونرجو له الشفاعة -شفاعة النبي ﷺ أو غيره- ولا سيما إذا كان عند الموت، فالأمل والرجاء في رحمة الله وفي مغفرته فهذه من الأسباب التي قد تفيد العاصي وترده إلى الجادة، فإنك إذا سألت بعض الناس، فإنه يقول لك: أنا لا تنفعني الشفاعة لأني غلطت وفعلت كذا وكذا، وكأنه يريد أن يقول: أنا أريد أن أستمر على المعصية، فإذا قلت له: إن الله تعالى يغفر الذنوب جميعًا، ويقبل توبة عبده فتب وأنب إليه، رغّبه فقد يكون من أسباب رجوعه هنا الترغيب. لكن إذا يأس في الدنيا والآخرة كما فعلت الخوارج والمعتزلة عندما يأست العباد، فكيف تريد منه أن يتوب؟ لكن أهل السنة والجماعة يرغبون الإنسان ويهدونه إلى الطريق المستقيم، ثم هم يعملون بالسنة، ويتبعون الحق.
فلو أن أهل الكبائر كلهم كفار ولا شفاعة لهم يوم القيامة، فلماذا النبي ﷺ يقتل الرجل من الكفار؛ لأنه كافر، ويقتل الرجل من المسلمين؛ لأنه قتل، ثم يأخذ هذا حكم وهذا حكم، ويصلي على المسلم صلاة الجنازة ولا يصلي على الكافر ، إلى آخر الأحكام، وغيرها مثل: شارب الخمر، والزاني، والسارق، فهذا التفاوت دليل على تفاوت أحوال الناس، ولو كان الأمر كما يقول هؤلاء الناس، لكان حكم الجميع هو القتل، وهذا الكلام كافٍ لإيضاح مذهبأهل السنة والجماعة ومذهب المخالفين لهم.
الشَّفَاعَة لها شرطان: وبعض العلماء يذكر أكثر من ذلك، لكن الأمر يرجع إِلَى شرطين:
الأول: هو إذنُ الله ﵎ للشافع، سواءً كَانَ هذا الشافع ملكًا، أو رَسُولًا، أو عبدًا صالحًا، أو شهيدًا، أو غير شهيد، أو مَنْ شاء الله -﵎- من الشفعاء.
[ ١٨٩٩ ]
الثاني: رضى الله -﵎- عن المشفوع له، فالشَّفَاعَة تتركب من شافع ومشفوع له ومشفوع لديه، وهو الله ﵎.
أدلة ذكر الشفاعة من القرآن
الأدلة عَلَى الشَّفَاعَة جلية من كتاب -﷾- وكذلك من سنة الرَّسُول ﷺ.
فالله ﵎ يقول في آية الكرسي: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ ألا بِإِذْنِه [البقرة:٢٥٥] في هذه الآية العظيمة التي هي أعظم أية في كتاب الله لِمَا اشتملت عليه من صفات الألوهية وخصائصها التي هي صفات الله ﷾ والتي لا يشاركه فيها أحد نفي الله الشَّفَاعَة عن كل أحد إلا بإذنه ﷾، ومن أذن له من العباد أن يَشْفَع فإنه يَشْفَع بإذنه ﷾.
وفي سورة النجم يقول الله ﵎ عن الملائكة الذين هم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ولا يرتكبون ما يرتكبه بنو آدم من الذنوب والخطايا يقول عنهم: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم:٢٦] فجعل الله ﵎ إذنه شرطًا لشفاعة الملائكة وهم من عباد الله المكرمين الذين كانت بعض الأمم يعبدونهم ويظنون أن فيهم خصائص الألوهية، ويصرفون بعض أنواع العبادة لهم، فبين الله ﵎ أنهم لا يشفعون إلا من بعد أن يأذن الله ﷾ لمن يشاء ويرضى، وذكر من صفاتهم أيضًا في الآية الأخرى قوله: وَلا يَشْفَعُونَ ألا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:٢٨] فإذن الله ﷾ للملائكة أو للرسل أو لغيرهم هو الشرط الأول. ورضاه عن المشفوع له هو الشرط الثاني.
[ ١٩٠٠ ]
والله ﷾ كما قال: وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [الزمر:٧] فالله تَعَالَى لا يرضى عن الكافرين ولا يحبهم؛ ولذا لا تنفعهم شفاعة الشافعين كما أخبر الله بذلك، وخص الشَّفَاعَة بقوله: إلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:٨٦] فالشَّفَاعَة خاصة ومحصورة في أهل التوحيد فيمن شهد بالحق وهم يعلمون، فمن شهد شهادة أن لا إله إلا الله، وهو عالم بمعناها، عامل بمقتضاها، فهَؤُلاءِ هم الذين يستحقون الشَّفَاعَة، هذه بعض الآيات في ذلك.
الأدلة من السنة على ثبوت الشفاعة
أما من السنة: فالحديث العظيم حديث الجهنميين الذي رواه أكثر من صحابي ومنهم: أَبو هُرَيْرَة وأبو سعيد الخدري كما في الروايات التي في صحيح البُخَارِيّ عن النبي ﷺ وفيه (فيخرجون من النَّار وهم آخر النَّاس خروجًا) وهَؤُلاءِ هم الذين يقال لهم: الجهنميون، (فيخرجون من النَّار وقد امتحشوا وصاروا فحمًا فيلقيهم الله -﷿- في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحميلة في طرق السيل -كما ينبت النبات الذي يكون عَلَى طرف السيل- ثُمَّ يدخلهم الله ﷾ الجنة برحمتهً) .
وهذا يكون بعد أن يشفع الشافعون من الملائكة وعباد الله الصالحين ويتحنن الله ﵎ من بعد ذلك عَلَى من يشاء كما في رواية المسند (ثُمَّ يتحنن الله ﵎ من بعد ذلك، فيخرج أقوامًا لم يعملوا خيرًا قط) فهَؤُلاءِ جميعًا الذين هم آخر من يخرج من النَّار تنالهم الشَّفَاعَة وهَؤُلاءِ كلهم من الموحدين.
[ ١٩٠١ ]
فلا حظَّ ولا نصيب في الشَّفَاعَة لمشرك إلا في حالة خاصة سيأتي شرحها إن شاء الله تَعَالَى وهي حالة أبي طالب مع العلم أن الإخراج من النَّار لا يكون أبدًا لمشرك وإنما هو خاص بالموحدين، ولهذا فإن الجهنميين -كما ورد في نص الحديث الصحيح- يعرفهم الشافعون بعلامة السجود؛ لأن النَّار تأكل ابن آدم إلا آثار السجود.
كما يدل الحديث أن تارك الصلاة ليس من الْمُسْلِمِينَ ولا يعامل معاملة الموحدين ولا تنفعه شفاعة الشافعين، قال الله تَعَالَى في شأنهم: قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ [المدثر:٤٣-٤٦] .
فهَؤُلاءِ الذين ليس لهم علامة السجود كيف يخرجون من النار؟
وكيف يعرفهم الشافعون ليخرجوهم من النار؟
وأما من يتحنن الله تبارك عليهم ويخرجهم بعد ذلك، فهم إما أنهم كانت فيهم علامة سجود ضيقة ضعيفة لا تكاد تُرى -مثلًا- أو ممن كانت لهم حالة خاصة كمن يعيش في آخر الزمان حيث لا يدري النَّاس ما صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا نسك، وحيث يندرس العلم، فالمسلم في ذلك الزمان هو الذي يقول لا إله إلا الله فقط، لا يعرفون إلا هذه الشهادة -لا إله إلا الله- ومع ذلك هم خير ذلك الزمان، وشر الخلق بالنسبة لمن بعدهم، ثُمَّ يهلكون، ولا تقوم الساعة حتى لا يبقى في الأرض من يقول: لا إله إلا الله، كما أخبر بذلك النبي ﷺ، وهذا له تفصيله إن شاء الله في مبحث الحشر والجنة والنار.
والمقصود هنا: أنَّ الذين بلغت بهم المعاصي إِلَى أن تركوا الصلاة أو ارتكبوا أي معصية تخرج صاحبها من الملة فهَؤُلاءِ ليسوا من أهل التوحيد. فكل من ليس من أهل التوحيد وكان من أهل الكفر: إما كفرًا أصليًا أو كفر ردة. فهَؤُلاءِ لا تنالهم الشَّفَاعَة ولا يخرجون من النار.
إثبات الشفاعة بالإجماع
[ ١٩٠٢ ]
أما ثبوت الشَّفَاعَة بالإجماع: فقد أجمع أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ على إثبات الشَّفَاعَة كما ورد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وإنما وقع الخلاف من أهل البدع ومَنْ حذا حذوهم أو تأثر بهم.
ثُمَّ بين المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى أنواع الشَّفَاعَة: وذكر أن منها ما هو متفق عليه بين الأمة، ومنها ما خالف فيه المعتزلة ونحوهم من أهل البدع، ومن هذه الأنواع ما يلي:
الشفاعة العظمى
وهذ الشَّفَاعَة هي الخاصة بالنبي ﷺ من بين سائر إخوانه من الأَنْبِيَاء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، وهذه الشَّفَاعَة العظمى أجمعت عليها الأمة: أهل السنة وأهل البدع من المعتزلة والخوارج وغيرهم، وهي: شفاعة النبي ﷺ في المحشر عند اشتداد الكرب والهول وعندما يفزع النَّاس إِلَى آدم، ثُمَّ إِلَى نوح، ثُمَّ إِلَى إبراهيم، ثُمَّ إِلَى موسى، ثُمَّ إِلَى عيسى، ولا يجدون من يشفع لهم ويضيق الخلق أجمعون ويشتد الكرب عليهم جميعًا، فيلجئون إِلَى الله ﷿ يريدون منه أن يفصل الموقف، وأن يُدْخِلَ أهل الجنة الجنة وأهل النَّار النار، ففي هذا الموقف العظيم حين يتراجع كل الأَنْبِيَاء أولوا العزم وغيرهم من الخلائق يكون المقام المحمود للنبي ﷺ.
الشفاعة في رفع الدرجات
هناك أيضًا نوع أخر من أنواع الشَّفَاعَة: وهو شفاعته ﷺ في رفع درجات من يدخل الجنة فوق ما كَانَ يقتضيه ثواب أعمالهم.
موافقة الخوارج والمعتزلة لأهل السنة في هاتين الشفاعتين
[ ١٩٠٣ ]
وافقت المعتزلة والخوارج أهل السنة في النوعين السابقين من أنواع الشَّفَاعَة، والسبب في ذلك أنه ليس في هذه الشَّفَاعَة إخراج أحد من النَّار فقاعدتهم -التي سبقت معنا- أن صاحب الكبيرة خالد مخلد في النار، والشَّفَاعَة الكبرى شفاعة المحشر، يثبتهاالمعتزلة، لأنهم لا يرون فيها تعارضًا مع ما أصَّلوه وهو: أن صاحب الذنب لا بدَّ أن يُجازى بذنبه وجوبًا، فيدخل النَّار ولا يخرج منها عياذًا بالله، هكذا قررت عقولهم دون الرجوع إِلَى الآيات وإلى الأحاديث، ووافقهم عَلَى ذلك الخوارج.
بل وافقهم بعض التابعين مثل: يزيد بن الفقير كما في صحيح مسلم، وطلق بن حبيب كما في الأدب المفرد للبخاري يقول: "كنت أرى رأي الحرورية -أي: رأي الخوارج -ولا أؤمن بالشَّفَاعَة"، أو قَالَ: "وكنت من أشد النَّاس إنكارًا للشفاعة".
فبعض التابعين الذين لم يكونوا من الخوارج انقدحت في أذهانهم هذه الشبهة وهو أن صاحب المعصية لا بد أن يجازى فكيف يشفع فيه أحد، وذهلوا وغفلوا عن الآيات والأحاديث الواردة في هذا الشأن، حتى بيَّن لهم أصحاب النبي ﷺ الذين أدركوا ظهور هذه الشبهة وهذه البدعة، وممن أدرك ظهور بدعة إنكار الشَّفَاعَة من الصحابة جابر بن عبد الله رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما، وأنس بن مالك وعبد الله بن عباس.
وقد أخبر عمر بن الخطاب ﵁: "أنه سيأتي قوم ينكرون الشَّفَاعَة " والقصد أن هَؤُلاءِ الخوارج والمعتزلة أثبتوا هذه الشَّفَاعَة لأنه ليس فيها إخراج أحد من النَّار وإنما فيها زيادة استحقاق.
مسألة فعل الأصلح عند المعتزلة
[ ١٩٠٤ ]
المعتزلة عندهم قاعدة خبيثة وهي: (أنه يجب عَلَى الله أن يفعل الأصلح وأن يختار لعبده الأصلح) هكذا قرر إبراهيم النظام وأصحابه من البراهمية الذين هم في الأصل براهمية مجوس ثُمَّ أرادوا أن يخدموا دين الإسلام، فجاءوا بهذه المعاذير التي ينفر منها المؤمن، فمن الذي فرض عَلَى الله فعل الأصلح؟! وتجدهم يأتون بهذه القاعدة عندما ترد النصوص والأحاديث الدالة عَلَى أن النبي ﷺ يشفع في أناس من أهل الجنة لينالوا درجة أعلى! فيقولوا: هذا من باب وجوب فعل الأصلح
وأعظم شيء خالف فيه المعتزلة ومن تبعهم هي الشَّفَاعَة التي تقتضي الإخراج من النار، وذلك بناءً عَلَى أن مرتكب الكبيرة خالد مخلد في النَّار. وَقَالُوا: لا يليق أن يفعل عبد الكبيرةَ ثُمَّ يدخل الجنة بشفاعة الشافعين فيصير مثل التقي الزاهد الورع، فهذا ليس من باب العدل! وأخذوا يحاكمون أفعال الله -﷿- إِلَى عقولهم الكليلة القاصرة، ويخصون المغفرة بالتوبة، فلا يغفر الله لصاحب الكبيرة إلا إذا تاب، فلو مات وهو مرتكبٌ لكبيرة فإنه يكون من أهل النَّار خالدًا فيها مخلدًا، واختلفوا في اسمه في الدنيا -كما تقدم- فسماه الخوارج كافرًا، والمعتزلة جعلوه في منزله بين منزلتين لا كافر ولا مؤمن.
وهذا يرجع إِلَى اعتقادهم الفاسد وهو أنَّ التقي يستحق دخول الجنة عِوَضًا عن عمله الصالح، ويستحق دخول النَّار عوضًا عن عمله الطالح فجعلوا المسألة مسألة أخذ وعطاء وبيع وشراء ولم يجعلوا لرحمة الله ﷾ ولا لشفاعته ولا لمغفرته شيئًا من ذلك.
[ ١٩٠٥ ]
وقد سبق أن ذكرنا في الرد عليهم أن الله ﷾ وصف نفسه في أول سورة غافر فقال: غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ ألا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [غافر:٣] فوصف نفسه في هذه الآية بصفتين عظيمتين أنه غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ فإذا كَانَ لا يغفر إلا لمن تاب فيكفي ذكر صفة واحدة، وهو: أنه قابل التوب فقط، فإذا عرفنا الله وعرفنا صفاته تعالى، عظَّمناه وقدرناه حق قدره، وعرفنا ماذا نعتقد في حقه ﷾، فمن تاب قَبِلَ الله ﵎ توبته حتى وإن تان من الشرك.
الجمع بين آيات الرجاء وآيات الوعيد
الله تَعَالَى عندما قال في آيات الرجاء وآيات الوعيد يظن قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر:٥٣] وقوله ﷾: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:٧٢] وأيضًا قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:٤٨] .
فكونه ﷾ لا يغفر للمشركين وأنه حرم عليهم الجنة، هذا حق وكونه ﷾ يقبل التوبة من أي أحد، هذا حق أيضًا، ولا تعارض بينهما؛ فإذا تاب المشرك فقد انتقل من هذا الحكم -عدم المغفرة للمشرك- إِلَى حكم إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا.
[ ١٩٠٦ ]
وهذا يدخل في ضمن صفة (قابل التوب) فيقبل الله ﵎ التوبة حتى من المشرك، فإذا تاب وأسلم فإن الله ﷾ يقبل توبته وهذا حكم ظاهر معلوم، عمل به الصحابة الكرام كما أمر الله ﵎ في أخر آيات الأحكام -التي نزلت في أول سورة التوبة- أحكام المنافقين والْمُشْرِكِينَ حين أظهر الله دينه وأعزه.
وقال ﷾: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة: ٥] وقال في سورة الفرقان بعد أن ذكر ﷾ صفات عباد الرحمن: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [الفرقان:٦٨] هذا هو الشرك وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ألا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [الفرقان:٦٨] وهذه أعظم الكبائر.
ثُمَّ قال: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * ألا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا [الفرقان:٦٨-٧٠] وهذا أصل عظيم وواضح ولكن إذا عميت البصيرة، فإنه يخفى عليها مثل هذا الأمور الواضحات، غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ فكما أنه اتصف بقبوله التوبة فإنه متصف أيضًا بغفران الذنوب وبالعفو وبالمغفرة وبالكرم.
[ ١٩٠٧ ]
فهو ﷾ يجازى العبد عَلَى العمل الصالح بأضعاف أضعاف ما يستحق والأصل أن العبد لاحق له عَلَى الله ﷾، كما قال تَعَالَى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا [النمل:٨٩] وفسرتها الآية الأخرى فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام:١٦٠] وهذا كرم من الله ﷾، ثُمَّ يضاعف الله لمن يشاء إِلَى سبعمائة ضعف، وبعد الوزن وبعد أن ترجح سيئات أناس عَلَى حسناتهم، ويستحقون دخول النَّار يغفر الله ﷾ لِمَن يشاءُ منهم بمنِّه وفضله وكرمه، ولا أحد يُحجِّرُ عَلَى رحمة الله الواسعة، فهذا ما ذهب إليهأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ.
وأما أهل البدع، فإنهم يجعلون المسألة مسألة عوض ومسألة مقابلة.
المعتزلة وجزاء الأعمال
نجد أهل البدع وعلى سبيل الخصوص المعتزلة يضطربون اضطرابًا عظيمًا في فهم بعض النصوص فمن ذلك:
الحديث الصحيح الثابت عن النبي ﷺ أنه قَالَ: «إنه لن يدخل الجنة أحد بعمله) فالمعتزلة ينكرون مثل هذا الحديث ويقولون: كيف لا يدخل أحد الجنة بعمله وهو الذي يقول: بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [المائدة:١٠٥] (بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام:١٢٩]، وكان الواجب عليهم أن يردوا ما أشكل عليهم من نصوص الكتاب والسنة إِلَى أهل العلم فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:٤٣] هذا ما أرشدنا الله ﷾ إليه، لكنَّ هَؤُلاءِ يستفتون عقولهم وأراءهم.
[ ١٩٠٨ ]
والجواب عَلَى هَؤُلاءِ أن تقول: إن قوله تعالى: بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، أن الباء هنا باء السببية أي: بسبب العمل الصالح يدخلون الجنة فعباد الله الصالحين في هذه الحياة الدنيا يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويطيعون الله ورسوله، وكل هذه أسباب يبذلونها لتوصلهم إِلَى رضى الله ﷾ وإلى جنته، فلو كانت المسألة مسألة مبادلة وعوض فلن يدخل الجنة أحد بعمله، فما هي أعمالنا؟ أعمالنا لا تكافئ موضع في الجنة، فليست هناك مكافئة، وإنما ندخلها برحمة الله ﷾ وبمنه وفضله وكرمه.
شرح حديث الشفاعة العظمى
قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
[النوع الأول: الشَّفَاعَة الأولى وهي العُظْمَى، الخاصَّةُ بنبينا ﷺ من بين سائر إخوانه من الأَنْبِيَاء والمرسلين، صلواتُ الله عليهم أجمعين.
ففي الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة ﵃ أجمعين أحاديث الشَّفَاعَة منها:
عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: (أُتى رَسُول الله ﷺ بلحم، فَدُفِعَ إليه مِنْهَا الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَسَ منها نهسة، ثُمَّ قَالَ: أنا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وهل تدرون مِمَّ ذاك؟ يَجْمَعُ اللهُ الأولينَ والآخرينَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ يَسْمَعُهُم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، فيبلغ النَّاس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول بعض النَّاس لبعض: ألا ترون إِلَى ما أنتم فيه: ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إِلَى ربكم؟
فَيَقُولُ بعض النَّاس لبعض: أبوكم آدم.
[ ١٩٠٩ ]
فَيَأْتُونَ آدم، فَيَقُولُونَ: يا آدمُ أَنْتَ أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، فاشفع لنا إِلَى ربك، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟
فيقول آدم: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًَا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنه نهاني عن الشجرة فعصينه، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذَهبُوا إِلَى نُوحٍ.
فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يا نُوح أَنْتَ أولُّ الرسل إِلَى أهل الأرض، وسماك الله عبدًا شكورًا، فاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟
فَيَقُولُ نوح: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًَا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنه كانت لي دعوة دعوت بها عَلَى قومي نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذَهبُوا إِلَى إبْرَاهِيْمَ.
فيأتون إبْرَاهِيْمَ، فَيَقُولُونَ: يا إبْرَاهِيْمُ، أَنْتَ نبي الله وخليله مِنْ أَهْلِ الأرض أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟
فَيَقُولُ: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًَا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وذَكَرَ كذباته، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذهَبُوا إِلَى غَيْرِى، اذَهبُوا إِلَى مُوسَى.
فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ: يا مُوسَى، أَنْتَ رَسُول الله اصطفاك الله برسالاته وبتكليمه عَلَى الناس، اشفع لنا إِلَى ربك، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟
[ ١٩١٠ ]
فَيَقُولُ لهم موسى: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًَا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإني قتلت نفسًا لم أومر بقتلها، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذَهبُوا إِلَى عِيسَى.
فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ: يا عِيسَى أَنْتَ رَسُول الله وكلمته ألقاها إِلَى مريم وروح منه قَالَ: هكذا هو، وكلمت النَّاس في المهد، فاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّك، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟
فَيَقُولُ لهم عِيسَى: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًَا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنبا، اذهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذَهبُوا إِلَى مُحَمَّد ﷺ.
فَيَأْتُونِي فَيَقُولُونَ: يا مُحَمَّد أَنْتَ رَسُول الله وخاتم الأنبياء، غَفَرَ اللهُ لكَ مَا تَقدمَ من ذَنْبِكَ وما تَأخر، فاشفع لنا إِلَى ربك، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟
فأَقُومُ فآتي تحت العَرْشِ فَأَقَعُ ساجدًا لربي ﷿ ثُمَّ يفتح الله علي ويُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ، وَحُسنِ الثناءِ عليه ما لم يفتحه عَلَى أحد قبلي، فيُقَالُ: يا محمد، ارفع رأسك، سَلْ تُعْطَه، اشْفَعْ تُشفَّعْ، فَأَقُولُ: يا رَبِّ أُمتي أُمتي، يا رب أمتي أمتي، يا رب أمتي أمتي، فيُقَالُ: أَدْخِلْ من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء النَّاس فيما سواه من الأبواب، ثُمَّ قَالَ: والذي نفسي بيده، لما بين مصراعين من مَصَارِيعَ الجنَّة كما بين مَكَّةَ وهَجَرَ أو كما بين مَكَّةَ وبُصْرَى) أخرجاه في الصحيحين بمعناه، واللفظ للإمام أَحْمَد]
[ ١٩١١ ]
هذا الحديث هو أحد الأحاديث الكثيرة الواردة في إثبات الشَّفَاعَة العظمى للنبي ﷺ.
يقولأَبو هُرَيْرَة ﵁: [أُتى رَسُول الله ﷺ بلحم، فَدُفِعَ إليه مِنْهَا الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ] وهو أطيب ما في الشاة وأهناؤه، [فَنَهَسَ منها نهسة] أي: نهش والمعنى متقارب.
[ثُمَّ قَالَ: أنا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وهل تدرون مِمَّ ذاك؟] أي: لم أكون سيد النَّاس يَوْمَ القِيَامَةِ؟! [يَجْمَعُ اللهُ الأولينَ والآخرينَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ يَسْمَعُهُم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، فيبلغ النَّاس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون] ففي يَوْمِ القِيَامَةِ أهوال عظيمة لا تعد ولا تحصى، والذي يوجد في هذا الحديث من هذه الأهوال هو أحد ما ورد في ذلك، وإلا فهي كثيرة في القرآن، والله ﷾ سمى هذا اليوم بأسماء كثيرة منها: الحاقة والقارعة والواقعة، ثُمَّ في مواضع متفرقة من القُرْآن يعرض مشاهد يَوْمَ القِيَامَةِ، وذلك لعظم الأهوال في ذلك اليوم وشدة الكرب.
ثُمَّ يقول ﷺ: [فيبلغ النَّاس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون] في ذلك الموقف (حيث تكون الشمس عَلَى مسافة ميل، فمن النَّاس من يلجمه العرق إلجامًا، ومنهم من يبلغ إِلَى منكبه، ومنهم من يبلغ إِلَى سرته، ومنهم من يبلغ إِلَى حقويه ومنهم من يبلغ إِلَى ركبتيه)، موقف عظيم وعطش شديد وكرب وهول لا تكاد العقول تتخيله، فضلًا عن أن تتحمله، فحينئذٍ يضج الخلق أجمعون، ويبحثون عن مخرج وعن حيلة من هذا الكرب ومن هذا الموقف.
[ ١٩١٢ ]
[فيقول بعض النَّاس لبعض: ألا ترون إِلَى ما أنتم فيه] والنَّاس في ذلك الوقت في حيرة عن التفكير وشدة تذهلهم عن أي فكرة ورأي صواب، ولكن الله ﷾ يتكرم في ذلك اليوم، ويظهر فضل نبيه ﷺ عَلَى جميع العالمين، ويظهر هذا الدين في ذلك اليوم، ويُصدق ما شهد وأخبر به الأَنْبِيَاء من قبل في ظهور هذا الدين، وظهور هذا النبي ﷺ، ويحقق له ﷺ ما اختبأ وادخر لأمته.
فإنَّ لِكُلِ نبيٍ دعوة مستجابة، والنبي ﷺ اختبأ وادخر دعوته لأمته يَوْمَ القِيَامَةِ كما صح ذلك عنه ﷺ، وقد خيَّره ربه في هذه الحياة الدنيا بين أن يدخل نصف أمته الجنة وبين الشَّفَاعَة، فاختار رَسُول الله ﷺ الشَّفَاعَة، وذلك لعلمه ﷺ بأنها أفضل وأجدى لأمته من أن يدخل نصفهم الجنة، وذلك من فضله ﷺ وعظيم حقه عَلَى أمته، فيكرمه الله ﷾ ويظهر سيادته عَلَى النَّاس يَوْمَ القِيَامَةِ بأن يلهم النَّاس فيقولون: لم لا نستشفع إِلَى ربنا، ونطلب ممن لهم مكانة ومقام عنده ﷾ أن يشفعوا إِلَى الله ليفض ما نَحْنُ فيه من هذا الكرب ومن هذا الموقف العظيم، ويفصل بين النَّاس فيقولون: بمن نبدأ؟
[فَيَقُولُ بعض النَّاس لبعض: أبوكم آدم] الذي خلقه الله ﷾ بيده وفضله، لعله أن يشفع لنا عند الله ﷾ [فَيَأْتُونَ آدم] ويثنون عليه ويذكرون منزلته عند الله رجاء أن يقبل في أن يشفع لهم.
[ ١٩١٣ ]
[فَيَقُولُونَ: يا آدمُ! أَنْتَ أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، فاشفع لنا، إِلَى ربك أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فيقول آدم ﵇: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًَا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ] نعوذ بالله من غضبه ﷾ يُبارَزُ ويُحاَربُ ويُجَاهرُ بالمعاصي في هذه الحياة الدنيا، وتُرتكب المحرمات جِهَارًا وعلانية في أكثر الأرض والله ﷾ يَحْلُمُ عنَّا ويمهلنا ويؤخرنا إِلَى أجل مسمى، لكن في ذلك اليوم يشتد غضب الله ﷾ فيغضب غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، نسأل الله أن يجيرنا من غضبه، ويقول الله ﷾ في ذلك اليوم: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر:١٦] ثُمَّ ينادي: أين الجبارون! أين ملوك الأرض! أين المتكبرون لمن الملك اليوم؟ فيخرسون ولا يجيب أحد لشدة ما هم فيه من الهول والكرب حتى يقول الله ﷾: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر:١٦] يجيب ﷾ عَلَى نفسه، بل يُحشَر المتكبرون كما في الحديث الصحيح (يحشر المتكبرون كأمثال الذر يَوْمَ القِيَامَةِ) فيذهب الكبرياء، ويذهب الفخر، فلا ينفع مال ولا بنون ولا أحساب ولا أنساب ولا قرابات في ذلك الموقف، فيغضب الله غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وقد غضب الله ﷾ عَلَى أمم وأهلكهم، فأهلك قوم نوح، وأهلك عادًا الأولى، وثمود فما أبقى، وأهلك قوم فرعون، وأهلك قوم لوط، ومع ذلك فإن غضبه يَوْمَ القِيَامَةِ أشد؛ لأنه ادخر العذاب الشديد، وأجله إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وأما من كَانَ من المؤمنين ولكنه عصى الله وبارزه وحاربه بالمعاصي، فإنه أيضًا حذَّر وأنذَّر في الدنيا، فيأتيه
[ ١٩١٤ ]
يَوْمَ القِيَامَةِ فيكون الغضب الشديد في ذلك الموقف الذي يخرسون ولا ينطقون، ولا يؤذن لهم فيعتذرون.
ثُمَّ يبين آدم ﵇ عذره بقوله: [وإن ربي نهاني عن أكل الشجرة فعصيته] وهذه المعصية قد غفرت له ﵇ قبل أن ينزل إِلَى هذه الدنيا، ولكن هذا الموقف لا يتقدم له إلا عبد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وآدم ﵇ غُفِرَ له لكنه يقول: إني حينما أتذكر هذه المعصية لا أستطيع أن أشفع لكم [نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذَهبُوا إِلَى نُوحٍ] وهذا الترتيب حكمة من الله ﷾.
فيتقدم نوح وهو أول الرسل من أولو العزم [فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يا نُوح أَنْتَ أولُّ الرسل إِلَى أهل الأرض] وهذا دليل عَلَى أن نوح ﵇ هو أول الرسل لأن بني آدم كانوا عَلَى التوحيد عشرة قرون؛ حتى وقع الشرك في قوم نوح، وذلك بعبادة الصالحين، فانحرفوا فأرسل الله إليهم أول الرسل نوح ﵇ كما أخبر بذلك حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس قَالَ: [وسماك الله عبدًا شكورًا] إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء:٣] [فاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فيقول نوح: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًَا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ] يعيد ما قاله آدم ﵇، ثُمَّ يقول: [وإنه كانت لي دعوة دعوت بها عَلَى قومي] كما قال النبي ﷺ: (إن لكل نبي دعوة) فدعوة نوح ﵇ دعا بها عَلَى قومه فقَالَ: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [نوح:٢٦] .
[ ١٩١٥ ]
وأمَّا رَسُول الله ﷺ فإنه اختبأ وادخر دعوته إِلَى هذا الموقف، وهذا من فضله ﷺ عَلَى أمته، ثُمَّ يقول: [نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذَهبُوا إِلَى إبراهيم] فدلهم عَلَى أفضل الأَنْبِيَاء بعده في الزمن وهو إبراهيم أبو الأَنْبِيَاء وإمام الموحدين عليه وعلى نبينا وعلى جميع الأَنْبِيَاء أفضل الصلاة والسلام، [فيأتون إبْرَاهِيْمَ، فَيَقُولُونَ: يا إبْرَاهِيْمُ، أَنْتَ نبي الله وخليله مِنْ أَهْلِ الأرضِ] اشفع لنا إِلَى ربك يا خليل الرحمان اشفع لنا إِلَى العزيز الجبار المتكبر، [أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فيقول -كما قال الأَنْبِيَاء من قبله-: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًَا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ] نعوذ بالله من غضب الله ﷿، [وذَكَرَ كَذِباته] وهي لما قَالَ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الأنبياء:٦٣] وأشار إِلَى الصنم، وأنه هو الذي كسَّر الأصنام، ولما قال هذه أختي وهي زوجته، وهذه ليست في الواقع كذبًا بالمعنى المعروف، وإنما هي تعريض وتلميح يفهم منه السامع غير الحقيقة وغير الواقع، فأتى إبراهيم الخليل ﵇ بما يبرر عندهم أنه ليس أهلًا لذلك الأمر.
[ ١٩١٦ ]
ثُمَّ قَالَ: [نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذَهبُوا، إِلَى موسى، فيقولون: يا موسى أنت رَسُول الله اصطفاك الله برسالاته وبتكليمه عَلَى النَّاس اشفع لنا إِلَى ربك ألا ترى ما نَحْنُ فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟] فيعيد موسى ﵇ نفس المقالة: [إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًَا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإني قَتلتُ نَفْسًَا لم أُؤمر بِقتلِهَا] كما قال تعالى: فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ [القصص:١٥] ثُمَّ يقول: [نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي] كما قال غيره من الأنبياء.
ثُمَّ يقول: [اذهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذَهبُوا إِلَى عيسى، فيأتون عيسى ﵇ فيقولون: يا عيسى أنت رَسُول الله وكلمته ألقاها إِلَى مريم وروح منه فاشفع لنا إِلَى ربك أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فيقول لهم عيسى ﵇: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًَا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ولم يذكر -عيسى ﵇ في هذه الرواية- ذنبًا] ولكن في بعض الروايات يقول: (إني قد عُبدت من دون الله ﷿) فكأن ذلك يمنعني، وما ذلك إلا لكي يتأخر.
ويتقدم الشفيع ﷺ، ثُمَّ يقول: [اذَهبُوا إِلَى مُحَمَّد ﷺ.
[ ١٩١٧ ]
فَيَأْتُونِي فَيَقُولُونَ: يا مُحَمَّد أَنْتَ رَسُول الله وخاتم الأنبياء، غَفَرَ اللهُ لكَ مَا تَقدمَ من ذَنْبِكَ وما تَأخر، فاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟] يقول ﷺ: [فأَقُومُ فآتي تحت العَرْشِ] وفي الرواية الأخرى يقول: (أنا لها أنا لها) حينما يتخلى ويتأخر الجميع يقول ﷺ: (أنا لها أنا لها) هذا هو المقام المحمود العظيم الذي يختص به ﷺ دون غيره من الناس، ثُمَّ يقول: [فأَقُومُ فآتي تحت العَرْشِ فَأَقَعُ ساجدًا لربي ﷿] فالرَّسُول ﷺ يستشفع إِلَى ربه بهذا العمل فإن (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) فيسجد ﷺ لربه ﷿، يقول: [ثُمَّ يفتح الله علي ويُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ، وَحُسنِ الثناءِ عليه ما لم يفتحه عَلَى أحد قبلي] فثناء العبد عَلَى الله موجب أو سبب لحصول الخير والفضل.
فعند ذلك يقول الله ﵎: [يا محمد، ارفع رأسك، سَلْ تُعْطَه، اشْفَعْ تُشفَّعْ] وهذا فضل من الله ﷾ وإكرام، حتى إن الخلق جميعًا يفرحون أنَّ الله تَعَالَى قد شفَّع فيهم مُحَمَّد ﷺ فيقول ﷺ: [يا رَبِّ أُمتي أُمتي] كل الأَنْبِيَاء يقولون: نفسي نفسي إلا مُحَمَّد ﷺ فإنه يقول: [يا رَبِّ أُمتي أُمتي، يا رَبِّ أُمتي أُمتي، يا رَبِّ أُمتي أُمتي، فيقول الله ﷾: أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء النَّاس فيما سواه من الأبواب] .
[ ١٩١٨ ]
وقد جَاءَ في الحديث المتفق عليه أنهم سبعون ألفًا، وصح في الحديث الأخر: أن مع كل واحد سبعون ألفًا من أمة مُحَمَّد ﷺ، فهَؤُلاءِ يدخلون الجنة من باب خاص من المصراع الأيمن يكرم الله محمدًا ﷺ بذلك ويرى النَّاس ذلك.
وهذه الطائفة من أمة مُحَمَّد ﷺ التي هي آخر الأمم فيدخلون الجنة قبل الحساب، وقبل أن تنصب الموازين، وقبل أن يفصل الله ﷾ بين العباد.
ثُمَّ يقول: [وهم شركاء النَّاس فيما عداه من الأبواب، والذي نفسي بيده، لما بين مصراعين من مَصَارِيعَ الجنَّة كما بين مَكَّةَ وهَجَرَ أو كما بين مَكَّةَ وبُصْرَى] وهذا من سعة الجنة وسعة مصارعيها، وفي الحديث أن الكلام عَلَى الأكل سُنَّة، وليس كما يزعم النَّاس من أن الكلام عَلَى الطعام من قلة الأدب، ويقولون: لا كلام عَلَى طعام.
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
[والعجبُ كُلُّ العجبِ من إيرادِ الأئمةِ لهذا الحديث من أكثر طرقه، لا يذكرون أمر الشَّفَاعَة الأولى في أن يأتي الرب تَعَالَى لفصل القضاء كما ورد هذا في حديث الصور، فإنه المقصود في هذا المقام، ومقتضى سياق أول الحديث، فإن النَّاس إنما يستشفعون إِلَى آدم فمن بعده من الأَنْبِيَاء في أن يفصل بين النَّاس ويستريحوا من مقامهم، كما دلت عليه سياقاته من سائر طرقه، فإذا وصلوا إِلَى المحز إنما يذكرون الشَّفَاعَة في عصاة الأمة، وإخراجهم من النار.
وكأن مقصود السلف في الاقتصار عَلَى هذا المقدار من الحديث هو الرد عَلَى الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة الذين أنكروا خروج أحد من النَّار بعد دخولها، فيذكرون هذا القدر من الحديث الذي فيه النص الصريح في الرد عليهم فيما ذهبوا إليه من البدعة المخالفة للأحاديث.
[ ١٩١٩ ]
وقد جَاءَ التصريح بذلك في حديث الصور، ولولا خوف الإطالة لسقته بطوله، لكن من مضمونه: (أنهم يأتون آدم ثُمَّ نوحًا ثُمَّ إبراهيم ثُمَّ موسى ثُمَّ عيسى ثُمَّ يأتون رَسُول الله محمدًا ﷺ فيذهب فيسجد تحت العرش في مكان يقال له: الفَحْصُ، فيقول الله: ما شأنك؟ وهو أعلم، قال رَسُول الله ﷺ فأقول: يارب، وعدتني الشَّفَاعَة فشفعني في خلقك، فاقض بينهم فيقول ﷾: شفَّعْتُكَ أنا آتيكم فأقضي بينهم، قَالَ: فأرجع فأقف مع الناس.
ثُمَّ ذكر انشقاق السموات وتنزل الملائكة في الغمام ثُمَّ يجيء الرب ﷾ لفصل القضاء، والكروبيون والملائكة المقربون يسبحونه بأنواع التسبيح، قَالَ: فيضع الله كرسيه حيث شاء من أرضه، ثُمَّ يقول: إني أنصت لكم منذ خلقتكم إِلَى يومكم هذا، أسمع أقوالكم وأرى أعمالكم، فأنصتوا إلي فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، إِلَى أن قَالَ:
فإذا أفضى أهل الجنة إِلَى الجنة قالوا: من يشفع لنا إِلَى ربنا فندخل الجنة؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم إنه خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه وكلمه قُبلًا، فيأتون آدم فيطلبون ذلك إليه، وذكر نوحًا ثُمَّ إبراهيم ثُمَّ موسى ثُمَّ عيسى ثُمَّ مُحَمَّد ﷺ إِلَى أن قَالَ:
قال رَسُول الله ﷺ، فآتي الجنة فآخذ بحلقة الباب، ثُمَّ استفتح فيفتح لي، فأحيى ويرحب بي، فإذا دخلت الجنة، فنظرت إِلَى ربي ﷿ خررت له ساجدًا، فيأذن لي من حمده وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه، ثُمَّ يقول الله لي: ارفع يا مُحَمَّد واشفع تشفع وسل تعطه، فإذا رفعت رأسي قال الله -وهو أعلم-: ما شأنك؟
[ ١٩٢٠ ]
فأقول يارب وعدتني الشَّفَاعَة فشفعني في أهل الجنة يدخلون الجنة، فيقول الله ﷿: قد شفعتك وأذنت لهم في دخول الجنة)
الحديث رواه الأئمة: ابن جرير في تفسيره والطبراني وأبو يعلى الموصلي والبيهقي وغيرهم] اهـ.
الشرح:
لم أرَ وجهًا لتعجب المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- من الحديث الذي رواه البُخَارِيّ ومسلم وأَحْمَد، وهو قوله: (يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، ثُمَّ يقول بعض النَّاس لبعض: ألا ترون إِلَى ما أنتم فيه؟ ألا ترون إِلَى ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إِلَى ربكم؟ فيقول بعض النَّاس لبعض: أبوكم آدم، فيأتون آدم ثُمَّ نوحًا ثُمَّ إبراهيم ثُمَّ موسى ثُمَّ عيسى ثُمَّ محمدًا ﷺ)، وفي الرواية الأخرى (عندما يسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ النَّاس من الغم والكرب والضيق ما لا يحتملون) .
ومن هذا الموقف العظيم تجأر الخلائق إِلَى الأَنْبِيَاء وتفزع لتطلب منهم أن يشفعوا إِلَى الله ﷾، فهذه هي الشَّفَاعَة الأولى في هذا الموقف للفصل بين النَّاس في أمر الحساب، سواء منهم من يستحق الجنة فيدخلها، أو من يستحق النَّار فيدخلها، فالقضية ليست شفاعة خاصة بأهل الجنة ولا شفاعة خاصة لإخراج العصاة من النَّار وإدخالهم الجنة، كما هو ملاحظ من السياق.
فقول المصنف: [لا يذكرون أمر الشَّفَاعَة الأولى في أن يأتي الرب ﷾ لفصل القضاء كما ورد في حديث الصور] هذا الكلام صحيح، فهم لم يذكروا أول الحديث أنه ﷾ يبدأ الحشر بالنفخ في الصور، ثُمَّ يأتي الكروبيون والملائكة، وليس في هذا مطعن في أنهم لم يذكروا الشَّفَاعَة الأولى، وإنما لم يأتوا بأول المحشر.
[ ١٩٢١ ]
والواقع أنه لم يرد في وصف المحشر حديثًا صحيحًا كاملًا من أوله إِلَى آخره، وإنما الذي حصل أن بعض الوعاظ جمعوا كل ما ورد في الأحاديث وركبوا منها قصة واحدة وجعلوها كأنها حديث واحد.
وسوف يأتي إن شاء الله تَعَالَى أحاديث عن أنس بن مالك وأبي سعيد ﵄ وغيرهما تدل عَلَى إخراج عصاة المؤمنين أهل التوحيد من النَّار وإدخالهم الجنة، وهي أحاديث صحيحة رواها الشيخان وقد روى الإمام أَحْمَد ﵀ كثيرًا من هذه الأحاديث وكذلك رواها غيره من الأئمة الحفاظ، والسبب في عدم ورود حديثًا كاملًا صحيحًا من أوله إِلَى آخره -والله أعلم- أن النبي ﷺ لم يحدث أصحابه حديثًا واحدًا في المحشر بأكمله، وإنما كَانَ يحدثهم ببعض ما سيحصل في المحشر كما في هذا الحديث، الذي أوله: (أتي بلحم فدفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة) وذكر فيه أمر شفاعته (وأنه سيد ولد آدم يَوْمَ القِيَامَةِ)، وفي حديث آخر ذكر ﷺ حوضه، وفي حديث ثالث ذكر الميزان، وفي حديث رابع ذكر دخول أهل الجنة الجنة وفي حديث خامس ذكر شفاعته لأبي طالب، وهكذا.
فأحاديث يَوْمَ القِيَامَةِ كآيات يَوْمَ القِيَامَةِ، فهي متفرقة في سور متعددة وفي كل سورة نجد مشهدًا وموقفًا وحدثًا قد يرى أنه يختلف عن الآخر، وما ذلك إلا لعظمة هذا اليوم وسعته وكثرة ما فيه من الحوادث والوقائع والأهوال، وكذلك تأتي في السنة أحاديث متفرقة كل حديث فيه مشهد من مشاهد يَوْمَ القِيَامَةِ، فالأحاديث الصحيحة التي وردت ليس فيها حديثًا كاملًا من أوله إِلَى آخره يصف اليوم من أول النفخ في الصور إِلَى آخر شيء من أمور الشَّفَاعَة.
[ ١٩٢٢ ]
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ هو من أكمل الأحاديث وأطولها، وأما هذا التعليق فلعل المُصنِّفُ ﵀ نقله عن إمام آخر، وكأنه من كلام ابن القيم ولم أتمكن من التحقق من ذلك، أو لم ينقله ابن القيم تعقيبًا عَلَى هذا الحديث، وإنما تعقيبًا عَلَى اقتصار بعض العلماء عَلَى إثبات الشَّفَاعَة الأخيرة وعدم إتيانهم بأول الحديث، والله أعلم.
ثُمَّ يقول المصنف: [فإذا وصلوا إِلَى المحز إنما يذكرون الشَّفَاعَة في عصاة الأمة وإخراجهم من النار] وهذا ليس في هذا الحديث؛ بل هو في الشَّفَاعَة العظمى، ثُمَّ يقول: [وكان مقصود السلف في الاقتصار عَلَى هذا المقدار من الحديث هو الرد الخوارج، ومن تابعهم من المعتزلة] والواقع أن التعميم بالسلف لا ينبغي؛ لأنهم لم يقتصروا عَلَى هذا اللفظ، كما في روايات الصحيحين وغيرها، وإنما قد يكون بعض العلماء الذين أرادو الرد عَلَى الخوارج اقتصروا عَلَى ذلك؛ لكن التعميم لا ينبغي؛ فضلًا عن أن يتعجب من ذلك الفعل؛ لأنه إذا كَانَ المقصود بالسلف هنا علماء الحديث، فليس من عادتهم كلهم اختصار الحديث للرد عَلَى أهل البدع.
والبُخَارِيّ ﵀ يذكر الحديث مجزأً وقد يختصره بحسب الأبواب وهذه طريقته في صحيحه، لكن الإمام مسلم والإمامأَحْمَد وأبو داود الطيالسي وغيرهم من أصحاب السنن لا يختصرون الحديث بقصد الرد، وإنما يأتون في الغالب بالحديث كاملًا، فإن كَانَ قصده أئمة الحديث فليس بصحيح، وإن كَانَ قصده الأئمة الذين كتبوا في الرد عَلَى أهل البدع فاقتصارهم عليه أيضًا لا يطعن في أهل الحديث أو في عملهم أو ينتقدون من أجله.
[ ١٩٢٣ ]
فكان ينبغي للمصنف هنا أن يفصل ذلك فَيَقُولُ: وقد ورد في الصحيحين وغيرهما كاملًا، ولكن بعض الأئمة الرادين يقتصرون عليه، ولم يفعل المُصنِّفُ هذا، بل أتى برواية الصحيحين، ثُمَّ يأتي بعد ذلك بالحديث الذي يظن أنه حديثًا كاملًا، والحق أن الحديث الذي ذكره فيه ضعف، ففيه اضطراب في متنه، بل فيه أيضًا شذوذ كما سنبين ذلك إن شاء الله.
وأما الرد عَلَى الخوارج والمعتزلة ومن تابعهم من الذين أنكروا خروج أحد من النَّار بعد دخولها: فإنكارهم كاذب والرد عليهم حق وقد فعله السلف والأئمة رضوان الله تَعَالَى عليهم وممن فعل ذلك الإمام البُخَارِيّ ﵀ وكذلك الإمام مسلم كما تدل بذلك تراجم هذه الأحاديث، ثُمَّ قال ﵀: [وقد جَاءَ التصريح بذلك في حديث الصور ولولا خوف الإطالة لسقته بطوله ] .
تحقيق حديث الشفاعة
أخذ المُصْنِّف ﵀ يذكر الحديث، والحديث ضعيف كما قال الشيخ ناصر: "ضعيف أخرجه ابن جرير في تفسيره -كما ذكره المصنف- من حديثأَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعًا وإسناده ضعيف؛ لأنه من طريق إسماعيل بن رافع المدني عن يزيد بن أبي زياد وكلاهما ضعيف، بسندهما عن رجل من الأنصار وهو مجهول لم يسم.
وقول الحافظ ابن كثير في تفسيره (١/٢٤٨، ٤/٦٣): إنه حديث مشهور إلخ، لا يستلزم صحته كما لا يخفى عَلَى أهل العلم.
والمقصود أن هذا الحديث وأمثاله ليست ثابتة فيما روي في وصف المحشر كاملًا ولكنها مركبة، وقد تكون مركبة من أحاديث صحيحة، وأحاديث ضعيفة.
[ ١٩٢٤ ]
فقول المصنف: [لكن من مضمونه أنهم يأتون آدم ثُمَّ نوحًا ثُمَّ إبراهيم ثُمَّ موسى ثُمَّ عيسى، ثُمَّ يأتون رَسُول الله محمدًا ﷺ فيذهب -يعني رَسُول الله ﷺ - فيسجد تحت العرش في مكان يقال له: الفَحْصُ، فيقول الله تعالى: ما شأنك؟ -وهو أعلم- قال رَسُول الله ﷺ، فأقول: يارب! وعدتني بالشَّفَاعَة فشفعني في خلقك فأقض بينهم] هذا المضمون يتفق مع الحديث الأول، وليس إِلَى هنا أي تعارض، لكن بعد ذلك يأتي ما يدل عَلَى أن متن هذا الحديث يخالف متن الأحاديث الصحيحة.
يقول: [فيقول ﷾: شفعتك، أنا آتيكم فأقضي بينهم قَالَ: فأرجع فأقف مع الناس، ثُمَّ ذكر انشقاق السماوات، وتنزل الملائكة في الغمام، ثُمَّ يجيء الرب ﷾ لفصل القضاء، والكروبيون والملائكة المقربون يسبحون بأنواع التسبيح، قَالَ: فيضع الله كرسيه حيث يشاء من أرضه] .
ومعنى هذا: أن الله ﷾ لم يأت بعد لفصل القضاء عندما سجد الرَّسُول في أول مرة، فيكون عَلَى هذا: أن النَّاس ذهبوا إِلَى آدم، ثُمَّ إِلَى نوح، ثُمَّ إِلَى إبراهيم، ثُمَّ إِلَى موسى، ثُمَّ إِلَى عيسى، ثُمَّ إِلَى مُحَمَّد ﷺ، ثُمَّ ذهب إِلَى تحت العرش، فسجد وخاطبه ربه وقَالَ: أنا الآن سآتي لفصل القضاء، ثُمَّ تنشق فإذا كَانَ السجود تحت العرش قبل أن يأتي الله ﷾ لفصل القضاء.
إذًا: فأي مكانٍ يسجد فيه النبي ﷺ أو غيره، فهو ساجد تحت العرش ضرورة، لأن العرش فوق المخلوقات وهو أعظمها أو أكبرها، فلا اختصاص إذًا.
[ ١٩٢٥ ]
والروايات الصحيحة الثابتة تدل عَلَى أن ذلك إنما يكون بعد أن يأتي الله ﷾ للحساب ولكن لا يفصل بينهم؛ بل كما قال الأنبياء: (إن ربنا غضب في هذا اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله)، هذا هو الذي يتفق مع الأحاديث الصحيحة، والاضطراب والشذوذ يعرف في قوله: (فإذا أفضى أهل الجنة إِلَى الجنة قالوا: من يشفع لنا إِلَى ربنا فندخل الجنة، وهذه شفاعة أخرى فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم ﵇ إنه خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمة قبلًا، فيأتون آدم: فيطلبون ذلك إليه وذكر نوحًا ثُمَّ إبراهيم ثُمَّ موسى ثُمَّ عيسى ثُمَّ محمدًا ﷺ) .
وهذا اضطراب آخر، فالنَّاس بعد أن يطلبوا من آدم ﵇ أن يشفع لهم الشَّفَاعَة العظمى فيعتذر، ثُمَّ يعتذر نوح، ثُمَّ يعتذر إبراهيم، ثُمَّ يعتذر موسى، ثُمَّ يعتذر عيسى عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين، فلما يعتذروا كلهم يفض الموقف، ولم يبق إلا أن يدخل أهل الجنة الجنة، فكيف يأتون إِلَى آدم من جديد وقد اعتذر من الأصل؟
فالمقتضى -لو كَانَ بغير حديث- أنهم يأتون إِلَى النبي ﷺ وهذا هو الواقع لأنا نجد بعد ذلك أن المُصْنِّف نفسه يذكر أن من الشفاعات شفاعة النبي ﷺ لأهل الجنة أن يدخلوها، فذكر ذلك، والأدلة عليه، فهذا إذًا هو المختص به ﷺ، وهو الأليق: أن النَّاس بعد ذلك يأتون إِلَى النبي ﷺ.
[ ١٩٢٦ ]
أما من اعتذر في الأول فكيف يرجعون فيأتونه مرة أخرى، ثُمَّ بعد ذلك يستمر الحديث وكأنه قطعة من الحديث الصحيح الثابت أولًا، فبهذا يتبين لنا أن المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وغفر لنا وله- قد أخطأ فيما أورده من تعليق عَلَى هذا الحديث، وليس وجهة نظره فيما يبدو لنا بمكان من الصواب والله ﵎ أعلم.
قَالَ المُصنِّفُ ﵀:
[النوع الثاني والثالث من الشَّفَاعَة: شفاعته ﷺ في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة، وفي أقوام آخرين قد أمر بهم إِلَى النَّار أن لا يدخلوها.
النوع الرابع: شفاعته ﷺ في رفع درجات من يدخل الجنة فيها فوق ما كَانَ يقتضيه ثواب أعمالهم، وقد وافقت المعتزلة عَلَى هذه الشَّفَاعَة خاصة، وخالفوا فيما عداها من المقامات، مع تواتر الأحاديث فيها.
النوع الخامس: الشَّفَاعَة في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب ويحسن أن يستشهد لهذا النوع بحديث عكاشة بن محصن حين دعا لهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أن يجعله من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، والحديث مخرج في الصحيحين.
النوع السادس: الشَّفَاعَة في تخفيف العذاب عمن يستحقه، كشفاعته في عمه أبي طالب أن يخفف عنه عذابه، ثُمَّ قالالقرطبي: في التذكرة بعد ذكره هذا النوع: فإن قيل: فقد قال تعالى: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:٤٨] قيل له: لا تنفعه في الخروج من النَّار كما تنفع عصاة الموحدين، الذين يخرجون منها ويدخلون الجنة.
النوع السابع: شفاعته أن يؤذن لجميع المؤمنين في دخول الجنة كما تقدم، وفي صحيح مسلم عنأنس ﵁ أن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (أنا أول شفيع في الجنة) .
[ ١٩٢٧ ]
النوع الثامن: شفاعته في أهل الكبائر من أمته ممن دخل النَّار فيخرجون منها، وقد تواترت بهذا النوع الأحاديث، وقد خفي علم ذلك عَلَى الخوارج والمعتزلة فخالفوا في ذلك جهلًا منهم بصحة الأحاديث وعنادًا ممن علم ذلك واستمر عَلَى بدعته، وهذه الشَّفَاعَة تشاركه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون أيضًا، وهذه الشَّفَاعَة تتكرر منه ﷺ أربع مرات] اهـ.
الشرح:
بعد أن ذكر المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى الشَّفَاعَة الأولى، وهي الشَّفَاعَة العظمى في أن يأتي الرب لفصل القضاء بين الناس، ذكر بعد ذلك بقية الشفاعات.
وأهم ما ينبغي أن نعلمه هنا أن المُصنِّفُ ﵀ ذكر هذه الأنواع للنبي ﷺ، فأصل الكلام هو في حقه ﷺ، لأنه ذكر قول الإمام الطّحاويّ [والحوض الذي أكرمه الله تَعَالَى به غياثًا لأمته حق] أي: للنبي ﷺ، ثُمَّ قال بعد ذلك: [والشَّفَاعَة التي ادخرها لهم حق كما روي في الأخبار] فكلام الإمام الطّحاويّ ﵀ هو عن النبي ﷺ فقط.
والمصنف هنا تبعه في ذلك وذكر هذه الشفاعات الثمان منسوبة إِلَى النبي ﷺ، إلا أنه قال في الشَّفَاعَة الثامنة: [وهذه الشَّفَاعَة يشاركه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون أيضًا] أي: إخراج العصاة من النَّار وإدخالهم الجنة، وهذا الكلام ثابت وصحيح والأدلة عليه ستأتي إن شاء الله ومنه حديث الجهنميين، ولكن قد يفهم من كلام المُصنِّفُ أن هذه الشفاعات خاصة بالنبي ﷺ إلا الشَّفَاعَة الثامنة. فهل هذا صحيح؟
هل الشفاعات: الثانية والثالثة والرابعة خاصة بالنبي ﷺ أم يشاركه فيها غيره
[ ١٩٢٨ ]
الواقع أن النوع الأول: -الشَّفَاعَة العظمى- خاصة بالنبي ﷺ ولا مراء في ذلك ولا نزاع فيها بين الأمة؛ لأن الرسل الكرام يتخلون عنها ابتداءً بآدم، وانتهاءً بعيسى عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين.
أما الشَّفَاعَة الثانية: وهي شفاعته ﷺ في أقوام تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فيشفع لهم فيدخلون الجنة.
والشَّفَاعَة الثالثة: وهي في أقوامٍ رجحت سيئاتهم عَلَى حسناتهم فاستحقوا بذلك دخول النَّار فيشفع رَسُول الله ﷺ فيهم ليدخلوا الجنة ويعاملون كما لو كانت حسناتهم هي الراجحة.
والشَّفَاعَة الرابعة: وهي شفاعته ﷺ في قوم من أهل الجنة في درجة دنيا من الجنة أن يرفعهم الله ﵎ إِلَى درجة عليا لا تبلغها أعمالهم، ولكن يبلغونها برحمة الله ثُمَّ بشفاعته ﷺ لهم، هذه ثلاثة أنواع.
وإذا تأملنا في هذه الأنواع لا نجد وجهًا يدل عَلَى أن النبي ﷺ يختص بها دون غيره، وإن كَانَ بعض العلماء ينصون عَلَى ذلك -يعني عند شفاعته ﷺ في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم أن يدخلوا الجنة- الحقيقة أنه لا يوجد دليل ثابت عَلَى خصوصية النبي ﷺ بذلك، فلا يمنع أن يشفع الشهداء والملائكة والصالحون في هَؤُلاءِ النَّاس من باب الأولى، وذلك إذا كَانَ الأَنْبِيَاء والملائكة والصالحون من المؤمنين، يشفعون فيمن دخل النَّار أن يخرج منها، فأيهما أحق بالشَّفَاعَة؟
[ ١٩٢٩ ]
أليس الذي لم يدخل النَّار أولى أن يشفع فيه غير النبي ﷺ؟! ومع هذا فإنه لم يثبت دليلٌ في اختصاص النبي ﷺ وحده بذلك، وقد حصل خلاف بين العلماء الذين نقلوا أو تكلموا في الخصائص، فبعضهم يجعلها من خصائصه ﷺ وبعضهم لا يجعلها.
والذي يتبين لنا من عموم الأحاديث أن ذلك ليس خاصًا به ﷺ.
النوع الخامس: اختصاص النبي ﷺ بها دون غيره
بعد أن يقول الله ﷾ لمُحَمَّد ﷺ: (يا محمد، ارفع رأسك، سَلْ تُعْطَه، اشْفَعْ تُشفَّعْ، فَأَقُولُ: يا رَبِّ أُمتي أُمتي، يا رَبِّ أُمتي أُمتي، يا رَبِّ أُمتي أُمتي، فيُقَالَ: أَدْخِلْ من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء النَّاس فيما سواه من الأبواب)، وبهذا يتبين أن هذه الشَّفَاعَة خاصة بالنبي ﷺ؛ لأنها تعد وكأنها جزء من الشَّفَاعَة العظمى، فهذه تختص به ﷺ عَلَى ما يترجح، وذكر المُصْنِّف استشهادًا لها بحديث عكاشة بن محصن ﵁.
النوع السادس: شفاعته في عمه أبو طالب
وأما النوع السادس: فشفاعته ﷺ في تخفيف العذاب عمن يستحقه، كشفاعته في عمه أبي طالب أن يخفف عنه عذابه فهذه الشَّفَاعَة خاصة له من جهتين: الأولى: أنه ﷺ هو الذي يشفع، ولا يشفع أحد من النَّاس في قريبه المشرك.
[ ١٩٣٠ ]
والجهة الثانية: أنه ليس هناك مشرك يخرج من النَّار بإطلاق ولا يخفف عنه لا بشفاعة شافع ولا برحمة من الله ﵎؛ لأن رحمته تَعَالَى أعظم وأشمل من شفاعة الشافعين كما في حديث الجهنميين، حتى أن إبراهيم الخليل ﵊، يحاول ويريد يَوْمَ القِيَامَةِ أن يدخل أباه الجنة، ولا يدخل النار، فيقول الله ﷾: انظر إِلَى موضع قدمك، فينظر إبراهيم ﵇ إِلَى موضع قدمه، فإذا هو ملطخ بالدماء فعندما ينظر في هذا الدم يقذف بأبيه في النَّار نسأل الله العفو والعافية.
فلم تقبل شفاعة الخليل إبراهيم ﵇ وهو خليل الرحمن في أبيه، ولا يكون ذلك إلا للنبي ﷺ، وهذه الشَّفَاعَة شبيهة بالشَّفَاعَة العظمى في أنها واضحة الاختصاص به ﷺ وحديثأبي طالب هذا رواه الشيخان، ولفظ مسلم: أن العباس بن عبد المطلب أخا أبي طالب سأل النبي ﷺ فقَالَ: يا رَسُول الله! هل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كَانَ يحوطك ويحميك؟ يعني: هل من مقابل لتلك الحماية والنصرة للدعوة، بل إن أبا طالب حوصر في الشعب وجعل نفسه مع النبي ﷺ مثل بقية المؤمنين وهو ليس منهم فقَالَ: رَسُول الله ﷺ: (نعم هو في ضحضاح من النَّار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النَّار) .
[ ١٩٣١ ]
وفي الرواية الأخرى قَالَ: (له شراكان من النَّار يغلي منهما دماغه وهو يظن أنه أكثر أهل النَّار عذابًا) -نسأل الله العفو والعافية- فهو مخفف عنه بالنسبة إِلَى حال جميع الْمُشْرِكِينَ، ومع ذلك يظن من شدة حر النَّار -عافانا الله من حرها- أنه أعظم أهلها عذابًا، فهذه خاصة مستثناة إكرامًا للنبي ﷺ، وخصوصية لأبي طالب لما قام به من حماية الدعوة وهذه الشَّفَاعَة مستثناة من قوله تعالى: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ [المؤمنون:١٠١] .
وبما ورد من النهي عن الاستغفار للمشركين كما قال تعالى: مَا كَانَ َ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى [التوبة:١١٣] فالاستغفار للمشركين، لا يجوز وإنما الذي جاز وورد فقط هو هذه الشَّفَاعَة وَمَا كَانَ َ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْه [التوبة:١١٤] وهذا هو الذي حصل، لكن في يَوْمِ القِيَامَةِ يأخذ الحزن والأسى قلب الخليل ﵇ ويحاول أن يخاطب ربه ﷿ في أبيه.
والنبي ﷺ يخاطب ربه في عمه أبي طالب فتكون من الخصوصية له ﷺ ولعمه الذي حمى الدعوة ونصرها وأيدها، إلا أن الله ﷾ لم يوفقه لأن يشهد شهادة الحق عند الموت وفي ذلك حكمة عظيمة وآية بالغة لمن أراد أن يتذكر ولمن أراد أن يتفكر في هذه العبرة، والقصد أن هذه الشَّفَاعَة واضحة أنها من خصوصياته.
[ ١٩٣٢ ]
وأما القوم الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم فهَؤُلاءِ هم -كما فسرهم حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵄- أهل الأعراف، فقد قال -﵁-: "أما السابقون بالخيرات فيدخلون الجنة برحمة الله ﵎"، وهم الذين قال الله تَعَالَى فيهم لمُحَمَّد ﷺ بعد أن قَالَ: أمتي أمتي: (أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من الجنة) ثُمَّ قَالَ: (وأما المقتصدون -أو أهل الأعراف- من تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيدخلون الجنة بشفاعة مُحَمَّد ﷺ) وهَؤُلاءِ أهل الأعراف يمكثون عَلَى مكان بين الجنة والنَّار فيها أشجار وماء فيشفع فيهم النبي ﷺ فيدخلون الجنة، وكما أسلفنا سابقًا: أنه لا يمتنع أن يشفع فيهم غير النبي ﷺ.
ثُمَّ قال المصنف: [وفي أقوام آخرين قد أمر بهم إِلَى النَّار ألاَّ يدخلوها] وهذا أيضًا كما سيأتي في حديث الجهنميين ثابت، وحق لمن دخل النَّار أن يخرج منها، فأولى منه ذلك الذي لم يدخلها بعد.
موافقة المعتزلة في الشفاعة في رفع درجات المؤمنين!!
قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: [وقد وافقت المعتزلة على هذه الشَّفَاعَة خاصة، وخالفوا فيما عداها من المقامات] إن كَانَ يقصد المُصْنِّف رحمه ما عدا الأولى فلا بأس، وإن كَانَ يريد أن هذا عَلَى الإطلاق فنستدرك عليه ونقول: بل وافقوا أيضًا عَلَى الشَّفَاعَة الأولى فيكون الذي وافقت عليه المعتزلة: الشَّفَاعَة الأولى والرابعة
والسبب في ذلك: أنهم لا يريدون أن يخالفوا ما أصلوه وقرروه في حق أهل الكبائر والمعاصي، وأنه يجب -والعياذ بالله- عَلَى الله أن يعاقبهم -تعالى الله عن ذلك- فهاتان هما الشفاعتان اللتان وافقت المعتزلة فيها أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ.
[ ١٩٣٣ ]
ثُمَّ قال ﵀: [النوع الخامس: وهي الشَّفَاعَة في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب، ويحسن أن يستشهد لهذا النوع بحديث عكاشة بن محصن حين دعا له رَسُول الله أن يجعله الله من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب] .
وصفة هَؤُلاءِ السبعين ألفًا: أنهم لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون، وهل هم فقط سبعون ألفًا؟ صح أن مع كل واحد منهم سبعون ألفًا وهذا من فضل الله ومن رحمته وكرمه ﷾.
والنوع السادس: هو ما أشرنا إليه في الشَّفَاعَة الخاصة لأبي طالب، ثُمَّ يقول: قال القرطبي في التذكرة -بعد ذكر هذا النوع- "فإن قيل: فقد قال تعالى: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:٤٨] أي: لا تنفع الْمُشْرِكِينَ والكفار، كما في أول الآيات: فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ [المدثر:٤٠-٤٧] ما حكمهم؟
قَالَ: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:٤٨] فيقول القرطبي ﵀: فإن قيل: فقد قال الله تعالى: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ قيل له: لا تنفعهم في الخروج من النار، كما تنفع عصاة الموحدين" فالكفار لا تنفعهم الشَّفَاعَة في أن يخرجوا من النار، وكذلكأبو طالب، لا يخرج من النار، وإنما الشَّفَاعَة في حقه هي في تخفيف العذاب عنه فقط، فالآية إذًا عَلَى عمومها ثُمَّ قَالَ: "لا تنفعه في الخروج من النَّار كما تنفع عصاة الموحدين الذين يخرجون منها ويدخلون الجنة".
النوع السابع: الشفاعة في دخول المؤمنين الجنة
[ ١٩٣٤ ]
هذا النوع السابع من أنواع الشَّفَاعَة وهو: [شفاعته ﷺ أن يؤذن لجميع المؤمنين في دخول الجنة كما تقدم، وفي صحيح مسلم عن أنس ﵁ أن رَسُول الله ﷺ قَالَ: أنا أول شفيع في الجنة] .
ويقول النبي ﷺ: (أنا أول شفيع وأول مشفع) .
هل جبريل أول من يشفع؟
وهذا الحديث فيه رد عَلَى ما يذكره بعض النَّاس من أن أول الشافعين هو جبريل ﵇، ويستدلون عَلَى ذلك بحديث ضعيف (إن أول من يشفع جبريل)، لكن هذا الحديث مردود بالأحاديث الصحيحة: (أنا أول شافع وأول مشفع) أو: (أنا أول شفيع في الجنة)، فأول شفيع وأول مشفع هو النبي ﷺ لا يتقدمه عَلَى ذلك، لا جبريل ولا أحد من الخلق إطلاقًا.
النوع الثامن: وهو معترك الخلاف
الأنواع السابقة من أنواع الشَّفَاعَة ليست هي التي جرى فيها الخلاف بين الأمة، وإنما أكثر ما وقع الخلاف والإشكال والتنازع فيه هو في النوع الثامن، وهذا هو المحل الذي ذكر العلماء لأجله موضوع الشَّفَاعَة في كتب العقيدة وكرروا ذلك لأهميته بالنسبة للرد عَلَى أهل البدع، ولا يزال أهل البدع إِلَى اليوم ينكرون هذا النوع، وهو شفاعته ﷺ في أهل الكبائر من أمته ممن دخل النَّار أن يخرجوا منها.
فالشيعة بجميع أصنافها: الإمامية والجعفرية، والزيدية هم عَلَى منهج المعتزلة واتفقوا في ذلك مع الخوارج على ما بينهم من خلاف، كل هَؤُلاءِ متقدموهم ومعاصروهم إِلَى اليوم ينكرون الشَّفَاعَة لأهل الكبائر وأن الله ﷾ لا يأذن لأحد أن يشفع في أهل الكبائر فيخرجون من النَّار،، قال المصنف: [وقد تواترت بهذا النوع الأحاديث] .
سبب رد هذا النوع من الشفاعة
وقد خفي علم ذلك عَلَى الخوارج والمعتزلة فخالفوا في ذلك وعلل المُصْنِّف ذلك بأمرين:
[ ١٩٣٥ ]
الأول: جهلًا منهم بصحة الأحاديث، وهذا ينطبق عَلَى بعض من خالف في ذلك حتى بعض السلف من التابعين وغيرهم، قبل أن يتبين لهم وجه الصواب ووجه الحق.
والوجه الآخر: هو العناد والمكابرة، وقد دار النزاع والنقاش بين المعتزلة وبين أهل السنة منذ القرن الثاني، وتكلم السلف في أمر الشَّفَاعَة ثُمَّ صنفوا فيما بعد مصنفات في إثبات ذلك والرد عليهم، فما بقي للمعتزلة ومن حذا حذوهم إلا العناد نسأل الله العفو والعافية.
فقالوا: هذا يخالف مقتضى العقل؛ لأن العقل يقتضي ويوجب معاقبة من فعل المعصية، كما يوجب أيضًا إثابة من فعل الطاعة، ومن المعلوم من عموم الآيات والأحاديث أن إدخال المؤمنين الجنة فضل من الله ﷾، فمعاملة الله ﷾ للمؤمنين معاملة الفضل ومعاملة الله ﷾ للمجرمين وللعصاة هي معاملة العدل، وكرم الله ﷾ ورحمته سبقت غضبه، كما ذُكِرَ ذلك في الحديث الصحيح.
فلهذا لا أحد يحجر عَلَى رحمته ﷾ في أن يخرج العصاة الموحدين وأن يقبل فيهم شفاعة الشافعين، وأما أهل النَّار الذين هم أهلها، أي: الكفار والمُشْرِكُونَ، فهَؤُلاءِ دلت الآيات من كتاب الله ﷿ عَلَى أنهم لا يخرجون منها أبدًا ويناسب هذا المقام أن نتعرض للحديث الذي ذكره المُصْنِّف وهو قوله: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) .
تحقيق حديث: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)
[ ١٩٣٦ ]
حديث (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) سبق أن قلنا: إن هذا الحديث كل طرقه تقريبًا ضعيفة، ولكن بعض العلماء قَالَ: هو بمجموع طرقه يتقوى ويصح، وبعضهم يقول: هو ضعيف، ومن قَالَ: إنه ضعيف، فهو إما أنه لم يجمع طرقه، أو رأى أن طرقه ولو اجتمعت فهي كلها ضعيفة؛ لكن معناه صحيح وحق وهو أنه يشفع لأهل الكبائر من أمته، كما سيذكر المُصْنِّف ﵀ الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البُخَارِيّ والذي سوف نتعرض له بإذن الله في ما سيأتي..
قال المصنف رحمه الله تعالى:
[ومن أحاديث هذا النوع حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) رواه الإمام أحمد ﵀. وروى البخاري ﵀ في كتاب التوحيد: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد حدثنامعبد بن هلال العنزي قال: اجتمعنا ناس من أهل البصرة فذهبنا إلى أنس بن مالك وذهبنا معنا بثابت البناني يسأله لنا عن حديث الشفاعة فإذا هو في قصره فوافيناه يصلي الضحى فاستأذنا فأذن لنا وهو قاعد على فراشه فقلنا لثابت: لا تسأله عن شي أول من حديث الشفاعة فقال: يا أبا حمزة هؤلاء إخوانك من أهل البصرة جاؤوك يسألونك عن حديث الشفاعة، فقال: حدثنا محمد ﷺ قال: إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض فيأتون آدم فيقولون اشفع لنا إلى ربك، فيقول: لست لها ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن.
فيأتون إبراهيم فيقول: لستُ لها؛ ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله فيأتون موسى فيقول: لست لها ولكن عليكم بعيسى، فإنه روح الله وكلمته.
فيأتون عيسى، فيقول: لستُ لها، ولكن عليكم بمحمدز
فيأتوني فأقول: أنا لها فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد، وأخر له ساجدًا، فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، واشفع تشفع، وسل تعط.
فأقول: يارب أمتي أمتي.
[ ١٩٣٧ ]
فيقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان فأنطلق فأفعل.
ثم أعود فأحمدُه بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدًا.
فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، واشفع تشفع، وسل تعط.
فأقول: يارب أمتي أمتي.
فيقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان فأنطلق فأفعل.
ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدًا.
فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع.
فأقول: يارب أمتي أمتي.
فيقول: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان، فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل.
قال: فلما خرجنا من عند أنس قلت: لو مررنا بالحسن وهو متوارٍ في منزل أبي خليفة وهو جميع فحدثناه بما حدثنا أنس بن مالك فأتيناه فسلمنا عليه فأذن لنا فقلنا له: يا أبا سعيد جئناك من عند أخيك أنس بن مالك فلم نر مثل ما حدثنا في الشفاعة.
فقال: هيه؟
فحدثناه بالحديث فأتينا إلى هذا الموضع.
فقال: هيه؟
فقلنا: لم يزد لنا على هذا.
فقال: لقد حدثني وهو جميع منذ عشرين سنة، فما أدري أنسي أم كره أن تتكلوا؟
فقلنا: يا أبا سعيد فحدثنا.
فضحك وقال: خلق الإنسان عجولًا، ما ذكرته إلا وأنا أريد أن أحدثكم حديثي كما حدثكم.
قال: ثم أعود الرابعة، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدًا، فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع، فأقول: يارب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله؟
فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله﴾ .
وهكذا رواه مسلم.
وروى الحافظ أبو يعلى عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء) .
[ ١٩٣٨ ]
وفي الصحيح من حديث أبي سعيد ﵁ مرفوعًاقال: فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضةً من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط الحديث] اهـ.
الشرح:
هذا النوع من أنواع الشفاعة هو الذي وقع فيه الخلاف بين أهل السنة وبين أهل الضلال والبدعة، واشتد النزاع بينهم، ولا يزال أهل البدع إلى اليوم ينكرون هذه الشفاعة، ويمارون ويجادلون فيها، رغم ثبوتها بالأحاديث الصحيحة المتواترة، ورغم أن دلالتها على كرم الله تعالى وفضله أعظم مما يُخيل إليهم أن فيها ما ينقص وما يغض من قدر الإلهية، لأن الله ﷾ لا يحسن به -كما يقولون-: إلا أن يعاقب المذنب؛ بل قالوا: يجب عليه ذلك، كما تجرأ على ذلك من تجرأ.
هذه الشفاعة ليست خاصة بالنبي ﷺ
هذا النوع من الشَّفَاعَةِ وهو: إخراج أهل الكبائر من النَّار بعد أن دخلوها، ليست خاصة بالنبي ﷺ؛ بل هي أيضًا للملائكة ولعباد الله الصالحين، وفي هذا دليل عَلَى فداحة الخطأ الذي ذهب إليه من أنكرها، وقد سبق أن ذكرنا أن المُصْنِّف ﵀ استدل عَلَى هذا النوع بقوله ﷺ: (شَفَاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِنْ أُمَّتي)، والحديث بهذا اللفظ من جهة المعنى لا شك أنه صحيح، لأن الأحاديث في أن الشَّفَاعَة ثابتة لأهل الكبائر كثيرة جدًا.
لكن هذه اللفظة قد تشعر بالاختصاص كأنه يقول: (شَفَاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِنْ أُمَّتي) وهي ليست كذلك وإن كانت قد تشعر بذلك، فالشَّفَاعَة ليست خاصة بأهل الكبائر بل هي أنواع -كما سبق- وهذا الحديث بهذا اللفظ ضعفه بعض العلماء، وبعضهم مال إِلَى تصحيحه أو تحسينه لكثرة شواهده وطرقه، ومن قال بصحته فهو مصيب لتعدد طرقه من جهة ولصحة معناه وثبوته في الأحاديث الصحيحة المتفق عَلَى صحتها من جهة أخرى.
[ ١٩٣٩ ]
قول المُصْنِّف ﵀ هنا: [وهذه الشَّفَاعَةُ تُشاركُه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون أيضًا]، فلو أخر المُصْنِّف هذه الجملة إِلَى آخر حديث أنس عندما يقول: وروى الحافظ أبو يعلى عن عثمان رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، ثُمَّ يأتي بالأحاديث الأخرى حتى يكون الكلام متصلًا، وقال بعد ذلك: وهذه الشَّفَاعَة تتكرر منه ﷺ أربع مرات.
كان ينبغي بعد ذلك، أن يذكر رأس حديث أنس الذي وقعت فيه الشَّفَاعَة أربع مرات حتى تُفهم وتكون أحسن في التنسيق والترتيب، أي: بعد أن يقول: (استمر عَلَى بدعته) يقول: [وهذه الشَّفَاعَة تتكرر منه ﷺ أربع مرات] ثُمَّ ينتقل إِلَى حديث البُخَارِيّ، أو نأتي من أحاديث هذا النوع حديث (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) وإن كَانَ تقديم الصحيح المتفق عَلَى صحته أولى، ثُمَّ بعد ذلك يذكر ما فيه احتمال، وبعد أن ينتهي من الحديث يقول: [وهذه الشَّفَاعَةُ يشاركه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون] .
هذه الشفاعة تتكرر منه ﷺ أربع مرات
وقوله: [وهذه الشَّفَاعَةُ تتكرر منه ﷺ أربع مرات] أي: أن النبي ﷺ يشفع في أهل الكبائر الذين استحقوا دخول النَّار ودخلوها حقيقة أربع مرات فيذهب ويأتي أربع مرات، كما جَاءَ في هذا الحديث، بخلاف الشَّفَاعَة العظمى فإنها مرة واحدة، وكذلك شفاعته عند دخول أهل الجنة الجنة مرة واحدة.
[ ١٩٤٠ ]
فهذا الحديث وبهذه الصفة من أعظم الأدلة الدالة عَلَى أن الإيمان يزيد وينقص، وأن النَّاس متفاوتون في الإيمان، ولهذا يذهب النبي ﷺ في المرة الأولى ويأذن له ربه في أن يشفع فيمن في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، ثُمَّ ما هو أقل إِلَى الرابعة، فهذه أربع مرات تتكرر منه ﷺ بحسب تفاوت أهل النَّار في أعمالهم، حتى أن آخر من يخرج منها الذي ليس عنده إلا مجرد التوحيد والإقرار لله ﷾ بالوحدانية وللنبي ﷺ بالشهادة، وغلبته الذنوب والمعاصي فيما دون ذلك.
هذا الحديث الذي رواه الإمام البخاري بسنده إلى معبد بن هلال العنزي قال: [اجتمعنا ناس من أهل البصرة فذهبنا إلى أنس بن مالك وذهبنا معنا بثابت البناني] وهذا من خاصة تلاميذأنس.
وأنس خادم رسول الله ﷺ شرفه الله ﷾ بهذه المهنة العظيمة وهذه المنقبة الجليلة التي يتمناها كل مؤمن يحب رسول الله ﷺ فتشرف بخدمة الرسول ﷺ وقد روى عنه روايات كثيرة، فهو من المكثرين من أصحاب النبي ﷺ رغم صغر سنه، ولكن الله ﷿ أعطاه الفقه وأعطاه الذكاء والفهم واستجاب الله دعوة نبيه عندما دعا له في أن يطيل عمره فأطال عمره، فكان في ذلك منقبة عظيمة وخير عظيم للأمة الإسلامية، النبي ﷺ تزوج أم المؤمنين عائشة وكانت لا تزال فتاة في ريعان الصبا فتوفي عنها ﷺ وهي كذلك فبقيت تحدث الناس عما كان يفعل في حياته ﷺ نحوًا من خمسين سنة بعد وفاته عما كان يفعل ﷺ.
[ ١٩٤١ ]
وهذا أنس خادم النبي عاش بعدعائشة ما يقارب الأربعين سنة أو يزيد فكان يحدث الناس عن النبي ﷺ، وكان السلف الصالح حريصين على طلب العلم، فاخذوا ثابت لمكانته من أنس وقالوا: نذهب نزور خادم رسول الله ﷺ وصاحبه ونسأله عن حديث الشفاعة، [فذهبوا إليه، فإذا هو في قصره] أي: في بيته، وكانت تعد لما هم عليه من شظف العيش قصورًا، ولكنها بالنسبة لما كانت عليه قصور كسرى وقيصر وملوك الدنيا لا تساوي شيئًا من ذلك، فكان في منزلة ﵁ [فوافيناه يصلى الضحى فاستأذنا] وفي ذلك دليل على مشروعية صلاة الضحى.
قال: [فأذن لنا وهو قاعد على فراشه، فقلنا لثابت: لا تسأله عن شيء أول من حديث الشفاعة] أي لا تقدم على حديث الشفاعة شيئًا آخر؛ لأن ذلك كان في آخر عُمْرِ أنس، وفي أيام الحجاج، وكانت الخوارج قد ظهر أمرها وكانت تحارب الحجاج حتى كان لهم دول في جهة فارس وعمان، وكانوا ينكرون الشفاعة، ولهذا ذهبوا يسألوا عن هذه القضية المهمة فيخشون أن يسألثابت عن شيء من الأحكام الأخرى، والباقون ساكتون وهذا من الأدب.
فتقدم ثابت فقال: [يا أبا حمزة هؤلاء إخوانك من أهل البصرة جاؤوك يسألونك عن حديث الشفاعة] بدأ يقدم لهذه الزيارة في هذا الوقت، وأن المقصود بها العلم، وأن هؤلاء ما قصدهم إلا ذلك وكما مر معنا من أن طلق بن حبيب ويزيد الفقبر وهما من مشاهير التابعين يقولطلق: " كنت أرى رأي الخوارج وكنت أنكر حديث الشفاعة حتى ذهبت إلى جابر "، وبعضهم ذهب إلى أنس وبعضهم ذهب إلى غيره من أصحاب النبي ﷺ.
[ ١٩٤٢ ]
فهذه القضية كانت رائجة، خاصة في البصرة والكوفة لأنها موطن الخوارج. وكانوا يقولون: كيف يفعل الكبيرة، ثم يغفر له، أو يُشفع فيه، فهذه شبهة روجها الخوارج، فلاقت آذانا عند بعض الناس ولكن شفاء العي السؤال، وشفاء الجهل العلم، فإذا سمع الإنسان بأمر وأشكل عليه، فلا يجتهد بآرائه الشخصية، ويقول: هذا حلال وهذا حرام وهذه بدعة وهذه سنة ولكن الله يقول: فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:٤٣] فذهبوا ليأخذوا العلم من أهله، فقال أنس ﵁ حدثنا محمد ﷺ قال: [إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض] من الهول والكرب [فيأتون آدم فيقولون: اشفع لنا إلى ربك، فيقول: لستُ لها ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن] ولم يذكر نوح لكن في الأحاديث الأخرى ذكر نوحًا ﵇ وهذا هو الراجح، فهو إما سقط، وإما خطأ من الحفاظ [فيأتون إبراهيم فيقول: لستُ لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله، فيأتون موسى فيقول: لست لها، ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته]
فنحن نشهد أن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، كما أخبر بذلك النبي ﷺ في حديث عبادة بن الصامت ﵁ المتفق عليه (فمن شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبد الله ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح، منه وأن الجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) .
معنى قوله: (روح الله وكلمته)
قوله: [فإنه رُوحُ الله وكَلِمَتُهُ] إضافة الروح إِلَى الله ﷾ هنا لأنها متفردة ومتميزة عن غيرها، والإضافة إِلَى الله ﷾ عَلَى نوعين:
إما أن يُضاف إِلَى الله تَعَالَى معنىً من المعاني.
[ ١٩٤٣ ]
وإما أن يُضاف إليه ذوات وأعيان، فإذا أضيف إِلَى الله تَعَالَى معاني، مثل: "علم الله، وعزة الله، وحكمة الله، ورحمة الله" فهذه المعاني لا تقوم بذاتها وليست أعيانًا وذواتًا مستقلة، فإذا أضيفت إِلَى الله تعالى، فإنها تكون صفاتًا لله ﷿.
فإذا أضفنا إِلَى الله ﵎ ذوات وأعيان مخلوقة، فإنها تكون عَلَى نوعين: نوع منها خاص، ونوع آخر عام يشترك فيه كل من أضيف إِلَى الله ﷾.
فمثال العام: السماء والجبال والأرض تكون سماء الله، وأرض الله، وجبل الله وغيرها كثير؛ لأن الله -﷾- هو الذي خلقها.
وأما إذا أضيف إِلَى الله ﵎ الذات أو العين بالمعنى الخاص، مثل الناقة: إذا لقيتُ أنا ناقةً في الصحراء قلتُ: هذه ناقة الله. هذا المعنى العام ناقة الله، بمعنى: مخلوقه، خلقها الله، لكن نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا التي قالها الله ﷾ عَلَى لسان نبيه صالح هذه ناقة خاصة، لأن فيه اختصاص، فمن العبادة ما لا تفعل عند غيره فهي تطلق بالمعنيين وروح كل إنسان يُقال لها: روح الله، أي: المخلوقة لله، لكن: عيسى ﵇ روح الله فيه اختصاص.
ووجه الاختصاص: أن عيسى خلق من أم بلا أب فهذه ميزة يختلف بها عن جميع الأرواح، حيث أوكل بها الروح الأمين فنفخها إِلَى الموضع الذي يخلق الله ﷾ فيه الأجنة، ثُمَّ وضعته أمه مريم ﵍. وقوله: [وكَلِمَتُهُ]: أي أنه وجد بكلمة "كن"، وهذه أيضًا فيها اختصاص؛ لأن عيسى كَانَ بهذه الكلمة من غير أبٍّ، كما قال تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:٥٩] وقوله: [فَيَأْتُونَ عيسى فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، ولَكِنْ عَلَيْكُم بمحمد.
[ ١٩٤٤ ]
فَيَأْتُونِي فأقول: أَنَا لَهَا، فَأَستأذِنُ عَلَى ربِّي، فَيُؤذَن لِي، ويُلهِمُني مَحَامِد أَحْمَدُهُ بها لا تَحْضُرُنِي الآنَ]، فالإِنسَان إذا أخلص وتضرع إِلَى الله وأثنى عليه، فإن ذلك أرجى بقبول الدعاء.
سجود النبي ﷺ لربه تحت العرش
ثُمَّ يقول: [فَأَحْمدُهُ بِتَلْكَ المَحَامِدِ وأَخِرُّ له ساجدًا، فيُقَالُ: يا مُحَمَّدُ، ارفَعْ رَأَسْكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ واشفَعْ تُشْفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فيُقَالُ: انطلِقْ فَأَخرِجْ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرةٍ مِنْ إيمانٍ، فَأنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ] هَؤُلاءِ أصحاب الصنف الأول، وهذا بعد أن يدخل الله ﷾ أهلُ النَّارِ النارَ ويَدخلُ مَعَ أهلِ النَّارِ العصاة من الموحدين.
فيقول الله ﷾: [انطلِقْ فَأَخرِجْ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرةٍ مِنْ إيمانٍ، فَأنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ] أي: ما كَانَ فوق مثقال الشعيرة هذا أولى أن يخرج، فهذا هو الحد الأدنى، [فَأنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمدُهُ بِتَلْكَ المَحَامِدِ] يعود فيحمد ربه، هذه المرة الثانية [ثُمَّ أَخِرُّ له ساجدًا، فيُقَالُ: يا مُحَمَّدُ، ارفَعْ رَأَسْكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ واشفَعْ تُشْفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي]، هذا دليل شفقته ﷺ ورحمته بأمته وهذه هي التي ادخرها واختبأها كما ورد ذلك في حديث حسن له طرق أن النبي ﷺ قَالَ: (لكل نبي دعوة مستجابة)
[ ١٩٤٥ ]
قَالَ: [فَأنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمدُهُ بِتَلْكَ المَحَامِدِ]، وهو لا يزال يأمل من ربه الخير والكرم وهو أعلم وأعرف النَّاس بربه -عزوجل- وبكرمه وبسعة رحمته -﷾- فيعود للمرة الثالثة فَيَقُولُ: [ثُمَّ أَخِرُّ له ساجدًا، فيُقَالُ: يا مُحَمَّدُ، ارفَعْ رَأَسْكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ واشفَعْ تُشْفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فيُقَالُ: مِثْقَالُ أدنى أدنى أدنى مِثْقَالِ حَبَّة خَرْدَلٍ مِنْ إيمانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنْ النَّارِ، فَأنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ]، وفي رواية أخرى أيضًا في الصحيح (أدنى أدنى مثقال حبة من خردل، فأنطلق فأفعل) فيخرجهم النبي ﷺ فيكون قد فعل ذلك ثلاث مرات.
فهنا توقف أنس في حديثه لمعبد وزملائه، قال معبد: فلما خرجنا من عند أنس قلتُ لبعض أصحابنا: لو مررنا بالحسن وهو متوارٍ في منزل أبي خليفة، أي: متوارٍ من أصل الفتنة التي كانت في أيامالحجاج وكان يقبض عَلَى العلماء ويعذبهم ويقتلهم كما قتلسعيد بن جبير وغيره.
[ ١٩٤٦ ]
فقَالَ: [لو مررنا عليه] كَانَ في قلب ثابت شيء لم يفصح عنه أمام إخوانه قَالَ: [فحدثناه بما حدثنا به أنس بن مالك فأتيناه فسلمنا عليه فأذن لنا فقلنا له: يا أبا سعيد جئناك من عند أخيك أنس بن مالك فلم نر مثلما حدثنا في الشَّفَاعَة، فقَالَ: هيه] أي: هاتوا وأعطوني [فحدثناه بالحديث فانتهى إِلَى هذا الموضع] إِلَى الثلاث الشفاعات التي انتهى إليها الحديث، [فقَالَ: هيه] أي: وماذا بعد ذلك، قالوا: [فقلنا: لم يزد لنا عَلَى هذا قَالَ: لقد حدثني وهو جميع، أي: وهو شاب منذ عشرين سنه، فلا أدري أنسي أم كره أن تتكلوا] وهذا من الأدب فلم يقل هذا غلط، وإنما قَالَ: [فلا أدري أنسي] وهذا يمكن أن يقع من البشر حتى من الصحابة الكرام. [فقلنا: يا أبا سعيد فحدثنا، فضحك] من هذه العجلة ومن هذه السرعة في الطلب [وقَالَ: خلق الإِنسَان عجولًا] وهذا هو حال الإِنسَان، قَالَ: [ما ذكرته إلا وأنا أريد أن أحدثكم، حدثني كما حدثكم به] أي: القدر الأول الذي رويتموه عنه في الثلاث الشفاعات الأولى حدثني إياه كما نقلتم.
قَالَ: [ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ] أي: يعود النبي ﷺ في المرة الرابعة إِلَى ربه عزوجل [فَأَحْمدُهُ بِتَلْكَ المَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ له ساجدًا، فيُقَالُ:: يا مُحَمَّدُ، ارفَعْ رَأَسْكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَه واشفَعْ تُشْفَّعْ، فأقول: يَارَبِّ ائْذَنْ لي فيمَنْ قَالَ: لا إله إلا اللهُ، فَيَقُولُ: وَعِزّتي وَجَلالي وَكِبْريائي وَعَظَمَتي لأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ:: لا إله إلا الله] وهذا يدل عَلَى عظمة وأهمية فضل التوحيد، فيأذن له الله ﷾ فيخرج جميع الموحدين الذين شهدوا لله ﷾ بالوحدانية ولنبيه ﷺ بالرسالة.
المحرومون من الشفاعة
[ ١٩٤٧ ]
وبعد أن يخرجوا من النَّار لا يبقى فيها بعد ذلك إلا من حبسه القرآن، وهم المُشْرِكُونَ، كما في الروايات الأخرى الصحيحة، وهم المُشْرِكُونَ، كما قال الله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:٧٢] .
فالشرك هنا هو المانع والحابس الذي يحبس والذي يمنع الإِنسَان من الخروج من النار، وكذلك المنافقون النفاق الأكبر قال الله: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء:١٤٥] وهَؤُلاءِ كذلك محرومون ومحجوبون عن شفاعة النبي ﷺ كما قال الله له في الدنيا إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة:٨٠] فما بالكم بيَوْمَ القِيَامَةِ، فهَؤُلاءِ الذين ارتكبوا الكفر الأكبر والنفاق الأكبر وسائر نواقض الإسلام المعروفة محرومون من الشَّفَاعَة، ولهذا فإن أول وأعظم ما يجب أن ندعو إليه النَّاس هو ما دعى النبي ﷺ والأنبياء قبله وهو: توحيد الله ﷾ هذا هو أساس النجاة في الدنيا والآخرة، وما بعد ذلك فهو تبعٌ وفرعٌ له وشعبٌة من شعبه، ثُمَّ نقول بعد ذلك: وهذه الشفاعة يشاركه فيه الملائكة والنبيون والمؤمنون، والدليل عَلَى ذلك.
[ ١٩٤٨ ]
قَالَ: [روى الحافظأبو يعلى عنعثمان ﵁ قَالَ: قال رَسُول الله ﷺ: (يَشْفَعُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَلاثَةٌ: الأنبِيَاءُ، ثُمَّ َ العُلَمَاءُ، ثُمَّ َ الشُّهَدَاءُ) وهذا الحديث استدل به المُصْنِّف وهو حديث ضعيف؛ بل في سنده وضّاع فهو مما لا يحتج به بهذا اللفظ، ولكن المعنى صحيح فلذلك كَانَ ينبغي للمصنف ﵀ أن يقدم الصحيح الذي بعده، وهو يغني عن ما ذكره الحافظ أبو يعلى وغيره، وقوله: [وفي الصحيح من حديثأبي سعيد ﵁ مرفوعًا قَالَ: فيقول الله تعالى: شَفَعَتِ الملائكة، وشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وشَفَعَ المُؤمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إلا أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًَا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًَا قَطُّ]، هذه رواية مسلم.
وفي رواية عند البُخَارِيّ في كتاب التوحيد يقول: (فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار: بقيت شفاعتي فيقبض قبضةً من النَّار) فهذا الحديث متفق عليه، فإذًا يشفع النبيون والملائكة والمؤمنون ثُمَّ بعد ذلك كما في مسلم قَالَ: (فيتحنن الله ﵎ عَلَى من يشاء فيخرج منها أقوامًا لم يعملوا خيرًا قط) .
معنى قوله: (لم يعملوا خيرًا قط)
قوله: [فيخرج منها أقوامًا لم يعلموا خيرًا قط] معنى وذلك: أنهم عملوا حسنات ولكن أكلتها السيئات، حتى لا يأتي أحد فَيَقُولُ: تارك الصلاة يدخل في الشَّفَاعَة ولم يعمل خيرًا قط، فالقضية ليست هكذا، لأن في رواية البُخَارِيّ: (الشفعاء يعرفون المشفوع لهم بآثار السجود) كما قال ﷺ: (كل ابن آدم تأكله النَّار إلا أثر السجود) .
[ ١٩٤٩ ]
فقد يأتي أناس ولا يرون فيه العلامة، وهو ليس بتارك للصلاة، لكن صلّى صلاه وجودها كعدمها، فالنبي ﷺ عندما قال للمسيئ صلاته: (ارجع فصل فإنك لم تصلِ)، فهذا ليس من أهل الصلاة في الحقيقة، ولأنه لا يُرى لها أثرًا في نفس الوقت، وهو ليس تاركًا للصلاة؛ لأنه أدى شيئًا وليس مثل الذي لم يؤدِها بالكلية، والله تَعَالَى لا يظلم أحدًا شيئًا كما قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا [النساء:٤٠] .
ومثل هذه الحالة، حال الذين في آخر الزمان إذا اندرس الإسلام، فلم يبق إلا اسمه ولم يبق من الدين إلا رسمه، فيأتي القوم الذين لا يدرون ما صلاة، ولا صيام ولا نسك، ولكن يقول الرجل منهم أو المرأة: أدركنا آباءنا يقولون: لا إله إلا الله فنحن نقولها -فهذا الزمان زمان شر- فهو لم يسمع إلا هذه الكلمة ففالها، أفيظلمهم الله عزوجل ويجعلهم مع الذين لم يقولوها؟! إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ.
ومثل هَؤُلاءِ: الرجل الذي قتل تسعًا وتسعين وكمّل المائة بالعابد، فلما اختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، قالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط -وهو كذلك لم يعمل؛ لكنه نوى أن يعمل الخير- فتقول ملائكة الرحمة: إنه جَاءَ تائبًا مقبلًا عَلَى الله عزوجل، فكلمة: [لم يعمل خيرًا قط] لانفهمها عَلَى أنه لم يعمل أي حسنة بإطلاق، وكان تاركًا للصلاة عَلَى علم، والقرآن موجود والمساجد يؤذَّن فيها، وهو لا يصلي ولا يقرأ القرآن، وهذا حتى لا يفهم بعض النَّاس أن ذلك يعارض ما ورد في تكفير تارك الصلاة.
أسبابُ استحقاقِ الشَّفَاعَةِ.
تحقيق التوحيد
[ ١٩٥٠ ]
يتحقيق توحيد العبد لله تَعَالَى بالإخلاص له وإفراده بالعبادة، هذا هو أول الأسباب التي يتوسل بها العبد إِلَى ربه ﷾ في أن يشفع فيه نبيه مُحَمَّد ﷺ فيدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهذا من فضل الله ﵎ عَلَى هذه الأمة، ومن عظيم منته عليها وعلى رسوله ﷺ.
فيختص الله من حقق التوحيد من هذه الأمة بهذه الأفضلية وبهذه الأسبقية وهم السبعون ألفًا الذين حققوا التوحيد، وهم: (الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون) وقد ورد بطرق حسنة: (إن مع كل ألف سبعون ألفًا) بل ورد أيضًا من طريق حسن (أن مع كل واحد من السبعين ألفًا سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب) فهَؤُلاءِ السبعون ألفًا هم الخلاصة، وهم أول من يدخل الجنة من هذه الأمة، وهم أفضلها، ثُمَّ يلحق الله ﷾ مع الواحد منهم سبعون ألفًا فضلًا وكرمًا من الله ﵎ ثُمَّ بعد ذلك يدخل النَّاس من هذه الأمة ومن غيرها فيشتركون في أبواب الجنة الباقية.
ولهذا تعرف جناية أعداء التوحيد الذين يريدون أن يبطلوا هذا الاستحقاق وذلك بدعوة النَّاس إِلَى فساد العقيدة بالأقوال الباطلة التي تدعو الْمُسْلِمِينَ إِلَى التعلق بذوات المخلوقين من الأَنْبِيَاء والصالحين، والتعلق بآثارهم والتوسل بها -كما يزعمون- وترك التوسل الحقيقي الذي أعظمه ورأسه توحيد الله ﷾.
[ ١٩٥١ ]
فهَؤُلاءِ الذين يربطون الْمُسْلِمِينَ بالأموات الغابرين الذين لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا هم أكبر الجناة عَلَى هذه الأمة؛ لأنهم يفسدون عليهم أعظم وأرجى ما عندها، وهو تحقيق التوحيد لله - ﷾- فمن حقق التوحيد نال هذه الشَّفَاعَة، ومن لم يحققه فإنه يهلك هلاكًا يحرمه من الشَّفَاعَة كما قال الله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:٧٢]، فهذا هو أول الأعمال وأعلاها وأفضلها وأرجاها، وهو الذي يجب علينا جميعًا أن نحققه قولًا وعملًا واعتقادًا، وأن ندعو إليه، وأن يكون هو أساس دعوتنا، كما كَانَ أساس دعوات الأَنْبِيَاء صلوات الله وسلامه عليهم فلا يعبد ولا يطاع إلا الله، ولا يقدم بين يدي الله ورسوله، ولا يرتفع صوت فوق صوت رَسُول الله ﷺ فهذا هو تحقيق التوحيد وتحقيق الإيمان.
قراءة القرآن
والعمل الثاني الذي ينال صاحبه به الشَّفَاعَة هو:
قراءة القُرْآن كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (اقرءوا القُرْآن فإنه يأتي يَوْمَ القِيَامَةِ شفيعًا لأصحابه)، ولو تأملنا حال هذه الأمة مع كتاب الله ﷾ ومع هذا الذكر الحكيم والنور المبين لرأينا الهجر الواضح الجلي لكتاب الله ﷾ كما قال تعالى: وَقَالَ الرَّسُول ولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا القُرْآن آنَ مَهْجُورًا [الفرقان:٣٠]، وكذلك هجرنا العمل به فنرى من يقرأ القرآن بدلًا من أن نراه محققًا لمقتضى ذلك من الخوف من الله ورجاء الدار الآخرة، والرغبة عن هذه الحياة الدنيا.
[ ١٩٥٢ ]
بل الواقع المشاهد هو الحرص والجشع والتنافس والتكاثر في هذه الحياة الدنيا، فهذا من أعظم ما هجر من القرآن، وكذلك هجرنا أحكامه فلم نُحل حلاله ولم نُحرم حرامه إلا من ﵀.
فأصبحنا نرى أن الأحكام التي تحكم حياة الْمُسْلِمِينَ في الغالب هي الأحكام الوضعية، وكذلك الذي يحكم أعرافهم وآدابهم الاجتماعية هو ما نقل عن الغرب من آداب وعادات وتقاليد وليست هي أحكام القُرْآن وآدابه، وهذا من الهجر الذي فعلته الأمة، ولهذا استحقت هذه الأمة ما نزل بها من الذل والهوان.
فكيف نتوقع لمن يأتي يَوْمَ القِيَامَةِ ورَسُول الله ﷺ يشكوه إِلَى ربه ويقول: وَقَالَ الرَّسُول ولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا القُرْآن آنَ مَهْجُورًا كيف ينال الشَّفَاعَة من هذه حالته؟ ولو نظرنا إِلَى حياتنا اليوم، أين نَحْنُ من هذا العمل؟ وأين من يتلو كتاب الله ﷿ أناء الليل وأناء النهار في البيوت؟! لقد استبدلت بما يسمع من قرآن الشيطان وهو هذه المعازف والمزامير واللهو واللعب في كل بيت وفي كل سيارة وفي كل وقت من أناء الليل وأناء النهار إلا ما شاء الله، أما القُرْآن فلا يتلوه ولا يقرءوه -ولا سيما في البيوت- إلا القلة الذين وفقهم الله ﷾ لذلك.
[ ١٩٥٣ ]
أما أكثر الْمُسْلِمِينَ فهم عنه غافلون وكثير من الْمُسْلِمِينَ لا يهمه أنه قرأ القُرْآن أو لم يقرأه، فحال الشيطان بينه وبين مصدر النور والهدى والحق والطمأنينة والتقوى واليقين والإيمان، ولهذا أصبحنا أمة ضائعة لا مكان لها في الدنيا بين الأمم ونخشى أن لا يكون لها عند الله تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ مكان أيضًا بين المرحومين وبين المشفوعين لهم، ولو قارنا بين الأشرطة الخبيثة من أفلام الفيديو وما أشبهها في البيوت أو في محلات البيع بالمصاحف من حيث الكم والعدد، ومن حيث إقبال النَّاس عَلَى هذا وعلى تلك، فسنجد الفرق واضحًا.
والنبي ﷺ يقول في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أَحْمَد ومسلم رحمهما الله تعالى: (اقرءوا القُرْآن فإنه يأتي يَوْمَ القِيَامَةِ شفيعًا لأصحابه)، ثُمَّ خص من القُرْآن تلك السورتين العظيمتين البقرة وآل عمران، ثُمَّ خص سورة البقرة بالذات وهي مشتملة عَلَى آية الكرسي التي هي أعظم آية في كتاب الله وأواخرها أيضًا من أعظم ما نزل في كتاب الله ﷿.
وكان النبي ﷺ يفاضل بين الصحابة بالقرآن، وكان معيار المفاضلة بين النَّاس هو القُرْآن فأكثر النَّاس حفظًا للقرآن هو أجدر بأن يولى قيادة الجيش، وهو أجدر بأن يقدم حتى عند الدفن، هذه هي الأمة القرآنية حقًا، ولهذا فضلها الله ﷾ عَلَى العالمين وأثنى عليها في الذكر المبين ونصرها وأورثها الدنيا شرقًا وغربًا لما كَانَ معيار التفاضل فيها هو القُرْآن وكان مرجعها في كل أمرها هو القُرْآن مع السنة التي هي شارحة ومبينة ومفسرة.
الصلاة على النبي ﷺ
[ ١٩٥٤ ]
الصلاة عَلَى النبي ﷺ فيقول النبي ﷺ: من قال حين يسمع النداء (اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته حلت له شفاعتي يَوْمَ القِيَامَةِ) فما أيسر وما أسهل هذا العمل وما أعظم بركته وثمرته عند الله.
الإِنسَان يسمع النداء، الذي يهز الأعماق، ويهز الأسماع ويدقها، في كل يوم خمس مرات الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلاّ الله، أشهد أن لا إله إلا الله هذه الشهادة العظيمة الركن الأول من أركان الإسلام.
أشهد أن محمدًا رَسُول الله، أشهد أن محمدًا رَسُول الله، ثُمَّ الدعوة إِلَى الصلاة وإلى الفلاح، ثُمَّ إعادة تكبير الله ﷿ وتعظيمه فوق كل عظيم، والشهادة له أيضًا بالوحدانية لا إله إلا الله، يقول العبد المسلم مثل ما يقول المؤذن، وإنما استثنى أن نقول إذا قَالَ: حي عَلَى الصلاة حي عَلَى الفلاح: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
ثُمَّ بعد ذلك نصلي عَلَى النبي ﷺ ونسأل الله له الوسيلة والدرجة العظيمة التي ليست إلا لرجل واحد هو مُحَمَّد ﷺ فمن قال ذلك حلت له شفاعته ﷺ، فليس في هذا العمل مشقة ولا صعوبة؛ ولكن الشيطان يحرص عَلَى أن يشغلنا عن هذا الذكر العظيم، ليحرمنا من الشَّفَاعَة.
[ ١٩٥٥ ]
وكم يحرص قطاع الطريق إِلَى الله ﷾ من دعاة الشرك والضلال عَلَى حرماننا منه قيقولون: إن كنتم تريدون شفاعة النبي ﷺ ومحبته فهاكم هذه الصلوات، وكم من الأيام تقرأ أنواعًا وألوانًا من الصلوات البدعية التي يفتعلها أصحابها ويكتبونها من عند أنفسهم ظانين أنها تقربهم إِلَى الله، وأن هذا دليل وعلامة محبتهم لرَسُول الله ﷺ.
وهذا من تلبيس الشيطان عليهم ليصرفهم من الدعاء الوارد الذي يستحق صاحبه هذا الفضل العظيم إِلَى تلك البدع التي قال فيها النبي ﷺ: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) فالبدعة مردودة غير مقبولة وصاحبها مأزور غير مأجور فهذا مما يوجب علينا مزيدًا من الحرص عَلَى الاتباع وعدم الابتداع، وأن نعرف خطر هَؤُلاءِ قطاع الطريق إِلَى الله ﷾.
سكنى المدينة
من الأعمال التي صحت الأحاديث في أن صاحبها ينال بها شفاعته ﷺ هي:
سكنى المدينة والموت فيها، هذا البلد العظيم مهاجر رَسُول الله ﷺ الذي انبثقت منه أنوار التوحيد والهدى، وأسست فيه دولة الإسلام الأولى.
وما زالت المدينة المنورة ولله الحمد تشع بالنور والخير في سائر العصور، ولم ينقطع منها الخير ولن ينقطع بإذن الله ﵎ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وهذا كما روى الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري وابن عمر وأَبِي هُرَيْرَةَ يقول النبي ﷺ: (لا يصبر أحد عَلَى لأواء المدينة فيموت إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يَوْمَ القِيَامَةِ) .
[ ١٩٥٦ ]
واللأواء هي: الشدة والمرض والنصب الذي قد يصيب ساكن المدينة، وقد أصيب الصحابة الكرام بها، ومنهم: أبُو بَكْرٍ وبلال وغيرهم بهذه اللأواء أول ما سكنوها، ودعا النبي ﷺ بأن يبارك الله في المدينة وأن يبارك في مدها وصاعها وأن تنقل حماها إِلَى الجحفة، وأيضًا أصيب عدد من الناس، وكذلك الأعرابي الذي جاءه النبي ﷺ وزاره وقال له: طهور، فقَالَ: بل حمَّى تفور إلى آخر ما صدع به، فَقَالَ له النبي ﷺ: فكذلك إذًا، وهذا كَانَ مما يعيق هجرة المهاجرين إلا من كَانَ فيهم قوي الإيمان ثابت العزيمة.
أن يصلى عليه جمع من المسلمين
ومن الأعمال التي تكون سببًا لحصول الشفاعة لصاحبها يوم القيامة:
أن يصلي عليه جمع من الْمُسْلِمِينَ، وقد ثبت ذلك عن النبي ﷺ كما في صحيح مسلم عن عَائِِشَةَ وأنس وابن عباس أنه قال: (ما من ميت يصلى عليه أمة من الْمُسْلِمِينَ يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه) هذه الرواية "مائة" وفي رواية ابن عباس وحده "أربعون".
ولو أخذنا بالرواية الأكثر فنقول: إن من صلى عليه مائة من الْمُسْلِمِينَ المؤمنين الموحدين فإنهم يشفعون فيه فيغفر الله ﵎ له بشفاعتهم، وهذا يدلنا عَلَى فضل صلاة الجنازة وعلى أن العبد المسلم -ينتفع بإذن الله- بدعاء إخوانه له وبصلاتهم عليه، كما قال النبي ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، فلهذا كَانَ من أفضل الأعمال ومن خيرها، ومن حق المسلم عَلَى المسلم أن يشيع جنازته وأن يصلى عليه.
[ ١٩٥٧ ]
وهذا من فضل التعاون عَلَى البر والتقوى، ومن فضل قيام الْمُسْلِمِينَ كل منهم بحق أخيه عليه، وما أكثر ما ضيعت حقوق الْمُسْلِمِينَ بعضهم عَلَى بعض، فالجار لا يقوم بحق جاره، والزوج لا يقوم بحق زوجته، والأخ لا يقوم بحق أخيه، والابن لا يقوم بحق أبيه، وهكذا إلا ما رحم الله ﷾ وقليل ما هم.
هذه الأعمال تشمل جميع الأعمال
لو تأملنا الأعمال السابقة لوجدنا أنه قد نبه عليها لعظمها، ولأنها تشمل جميع الأعمال في الحقيقة؛ فتحقيق التوحيد يشمل كل الأعمال لأنه لا يحقق التوحيد تحقيقًا كاملًا إلا من اجتنب الكبائر، ولهذا كَانَ بعض السلف يسمي الذنوب جميعًا شركًا، ويقول: ما عصى الله ﷾ أحدٌ إلا وقد اتبع هواه، وهذا نوع دقيق من الشرك، فهو عبودية القلب لغير الله ﷾ باتباع الهوى، فهذا وإن كَانَ لا يسمى شركًا في الاصطلاح ولا يترتب عليه أحكام الشرك لكنه نوع دقيق من الشرك.
ومن حقق التوحيد، أي: من كَانَ قلبه متمسكًا بالتوحيد، والإخلاص لله ﷾ رجاءً وخوفًا وإنابةً ورغبةً ورهبةً وتوكلًا وإجلالًا وتعظيمًا؛ فإنه لا يرتكب هذه الكبائر والموبقات، وإن ارتكب شيئًا منها، فإنه سرعان ما يعود، ويستغفر ربه ﷾، ويتوب إليه، ويمحو تلك السيئات بهذه الحسنات.
وكذلك قراءة القرآن: فالذي يقرأ القُرْآن سوف يقرأ التوحيد، والوعد والوعيد والحلال والحرام، والآداب والعبر، وقصص الأَنْبِيَاء ويقرأ الحكمة التي أنزلها الله ﷾ في هذا الذكر الحكيم، ويقرأ كل ما من شأنه أن يجعله مطيعًا لله ﷾ في جميع أموره، فيقرأه قراءة المتفقه المتدبر العامل به فيكون يَوْمَ القِيَامَةِ شفيعًا له، فالقرآن يرجع الخير كله إليه.
[ ١٩٥٨ ]
وكذلك الصلاة عَلَى النبي ﷺ وخاصة في هذا المقام بعد الأذان، وعندما يقولها الإِنسَان بعد سماع هذا النداء وهذا الذكر، ولما أن تعودنا عليه أصبحنا لا نستغربه، وإلا فهو أمر عجيب لمن تأمله، فكلمة "الله أكبر" تتردد في هذه البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، تتردد في أرجاء الفضاء في كل يوم خمس مرات، هذا الذكر بهذه القوة وبهذا الارتفاع وبهذا العلو حدث عجيب.
والذين لم يعرفوا هذا الذكر ولا قيمته كمن كَانَ في الجاهلية قبل أن يشرع الله ﷾ هذا الآذان أو في الجاهلية الحديثة إذا ذهب الإِنسَان إِلَى بلاد الكفر وافتقد الأذان عندما يعود إِلَى بلاد الإسلام ويسمع الأذان يشعر برهبة هذا الصوت ويتمنى أن يرتفع اسم الله وذكر الله في أجواء الدنيا ويسمعه النَّاس جميعًا.
ولهذا بعده يقول المؤمن هذه الصلاة عَلَى النبي ﷺ الذي جاءنا بهذا النور وبهذا الذكر والذي رفع الله ﷾ اسمه وقرن اسمه به في هذا النداء العظيم، فالصلاة عَلَى النبي ﷺ في هذا الموضع العظيم موضع حث للنفس عَلَى أن تجيب نداء الله وتجيب داعي الله، وتذهب إِلَى بيت الله وتأتي بهذا الركن العظيم الذي هو عمود الإسلام كما قال تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:٤٥] فهذه الصلاة من أداها حق الأداء وحافظ عليها، فإنها تكون له حصنًا من الوقوع في الفواحش ما ظهر منها وما بطن، إذًا فلها علاقة بمعظم الأعمال الصالحة.
[ ١٩٥٩ ]
وكذلك من سكن المدينة أيضًا وهذه فضيلة لهذه البلدة الطاهرة، وبالأخص للجيل الأول الذي كَانَ يهاجر إِلَى المدينة ويصبر عَلَى لأوائها فإنه بطبيعة الحال يعبد الله ﷾ ويطلب العلم من هذا البلد الذي لم ينقطع منه العلم ولن ينقطع بإذن الله، فيكون أقرب إِلَى الله ﷾ وإلى العمل بالكتاب والسنة منه في أي بلد آخر، عندما يكون في هذه البلدة التي شهدت قيام المجتمع الإسلامي الأول، وشهدت دعوة النبي ﷺ وحياته من المهاجرين والأنصار، ولا تزال فيها تلك الأماكن التي أمر النبي ﷺ بأن تزار فضلًا عن المسجد النبوي، وكذلك هناك قباء وهناك البقيع وهناك شهداء أحد وأمثال ذلك، وهذا يستدعي منه المداومة عَلَى الأعمال الصالحة والقربات التي فعلها أُولَئِكَ الجيل الفاضل.
وكذلك الصلاة عَلَى جنازة المؤمن: هذا الجمع من المؤمنين -الذين يصلون عَلَى أخيهم الميت- إذا صلوا عليه، وهم بقلوب خالصة لله ﷾ وبدعاء وتضرع إليه؛ فإن هذا لا يكون أيضًا إلا ممن حقق الإيمان وممن حقق التوحيد، فهذا يقتضي أن يكون هَؤُلاءِ الداعون عَلَى هذه الدرجة من الفضيلة، وليس أي داعٍ أو مصل كمن صلّى ودعا وهو من أهل الدرجة الفضلى في التقوى والإحسان والإيمان.
ما يمنع من الشفاعة يوم القيامة
[ ١٩٦٠ ]
بقي أمر نُص عليه في الأحاديث يمنع صاحبه من أن يكون شفيعًا، فقد روى الإمام مسلم عنأبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ أنه قَالَ: (إن اللعانين لا يكونوا شهداء ولا شفعاء يَوْمَ القِيَامَةِ) واللعانون بصيغة المبالغة أي: الكثير اللعن؛ لأن اللعن لا يكون إلا من التشكي والغضب ومن ضيق النفس فيكثر الإِنسَان من اللعن، حتى يلعن الرجل زوجته، ويلعن ابنه، ويلعن ثوبه والعياذ بالله، فهذا اللاعن المتسخط الغضوب، الذي يأتي الشيطان عَلَى لسانه بهذه الكلمة، لا يكون يَوْمَ القِيَامَةِ شهيدًا ولا شفيعًا.
ومن هذا أيضًا نستنتج كما استنتجنا في الأول أنه ليس هذا هو العمل الوحيد الذي إذا فعله صاحبه أنه لا يشفع، فجدير بمن ارتكب الكبائر أن لا يكون شهيدًا ولا شفيعًا؛ لأن من أتى بالموبقات والكبائر، فإنه يستحق دخول النَّار، إلا أن تشمله رحمة الله ﵎ إذا دخل النَّار، فهذا غاية ما يرجى له أن ينال الشَّفَاعَةَ.
أما أن يشفع فذلك لا يكون، فمن ارتكب هذه الموبقات، فقد وضع نفسه في منزلة المحروم من أن يكون شفيعًا عند الله ﷾، وهذه الخصلة التي نبه عليها هذا الحديث تدلنا عَلَى ما ورائها، وأن العبد لا يكون شفيعًا إلا بمقدار قربه من الله، ولهذا أعظم الشفعاء هو النبي ﷺ، لأنه أكثر الخلق عبادةً وتقوى ومعرفة بالله ﷾، ثُمَّ من بعده الأمثل فالأمثل من الأَنْبِيَاء والصالحين، نسأل الله ﵎ أن يجعلنا من المقربين إليه ومن عباده الصالحين إنه سميع مجيب.
يقول المصنف ﵀:
[ ١٩٦١ ]
[ثم إن الناس في الشفاعة على ثلاثة أقوال: فالمشركون والنصارىوالمبتدعون من الغلاة في المشايخ وغيرهم يجعلون شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا، والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا محمد ﷺ وغيره في أهل الكبائر.
وأما أهل السنة والجماعة فيقرون بشفاعة نبينا ﷺ في أهل الكبائر وشفاعة غيره، لكن لا يشفع أحد حتى يأذن الله له ويحد له حدًا، كما في الحديث الصحيح، حديث الشفاعة ﴿إنهم يأتون آدم، ثم نوحًا ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، فيقول لهم عيسى ﵇: اذهبوا إلى محمد، فإنه عبد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأذهب، فإذا رأيت ربي خررت له ساجدًا، فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن، فيقول: أي محمد ارفع رأسك، وقل يُسمع، واشفع تشفع، فأقول: ربي أمتي فيحدُّ لي حدًا، فأدخلهم الجنة، ثم أنطلق فأسجد فيحد لي حدًا) ذكرها ثلاث مرات] اهـ.
الشرح:
يقول ﵀: ثم إن الناس في الشفاعة على ثلاثة أقوال.
فذكر النوع الأول وهم: (المشركون والنصارى والمبتدعون من الغلاة في المشايخ وغيرهم، فهؤلاء يجعلون شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا) وهؤلاء هم الذين أثبتوا الشفاعة، ولكنهم غلوا فيها حتى جعلوها لغير أهلها وفي غير موضعها، فجعلوا شفاعة من يعظمونه من نبي أو عبد لله صالح كالحال مع من يشفعون في الدنيا إلى ملوك الدنيا، وهذه الشبهة التي يرددها الشيطان دائمًا على لسان عباد القبور أو عباد الأولياء، تجد الإنسان منهم إذا قلت له: يا فلان لا تدعو غير الله، يقول لك: أنا ضعيف وجاهل، وذنوبي كثيرة فأنا لا أجرؤ أن أدعو الله ﷾ مباشرة، ومن جهلي لا أستطيع أن أدعو الله بالدعاء الذي يليق بالله ﷾.
[ ١٩٦٢ ]
فيقول: فأنا أتوسل إلى الله بالشيخ فلان، فهو يوصل إلى الله ﷾ حالي، ويشرح له سؤالي، لما له من المنزلة العظيمة عند الله التي ليست لي، فيستجيب الله لي بواسطة فلان من الناس، حتى أنهم جعلوا الدعاء الصريح مجرد توسط كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله، فهو يدعو غير الله بـ"يا فلان" وهذا دعاء صريح كما يقول العبد المؤمن: يا رب! وهذا يقول: يا فلان! فإذا قلت له: لم تفعل ذلك؟
قال: أنا لم أدعه بذاته بل أنا أقصد التوسط والتوسل به إلى الله ﷾، فهؤلاء جعلوا أن شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا وهي أن الملوك أرباب السلطة ومن شابههم لا يعرفون حال الناس جميعًا بطبيعة الحال ولا يعرفون حاجة فلان أو غناه ولا يعرفون صدقه أو كذبه، فكيف يعطون أو يمنعون؟ فيأتيهم من يعرفوه ويعظموه ويثقوا فيه فيقول: أيها الملك! هذا فلان من الناس حاله كذا، وشأنه كذا، فأعطه فيعطيه، وقد تكون الشفاعة بالعكس فيطلب منعه فيمنعه فإما أن يعطي وإما أن يمنع بناءً على ما أخبره به ذلك الوسيط، الذي لولاه لما علم بحقيقة حال ذلك الرجل، فهذا لا يعلم الحال، بل هو محتاج بطبيعته إلى من يخبره عن حال هؤلاء السائلين، ولأنه لا يملك كل شيء فيعطي كل الناس فتقتصر عطاياه، على من يحبون لكن كيف الحال مع الله ﷾ والخلائق كلها تطلب الرزق وتسعى وتغدوا إليه؟
أولًا: رزقها جميعًا على الله، ويعلمها وهي أمم أمثالنا كما أخبر الله ﷾ فهو الذي يرعاها ويرزقها ويعلم أحوالها وكل ما تحتاج إليه وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه ولو كان فاجرًا كافرًا.
فمن دعاه دعاء اضطرار في ظلمات البر أو البحر استجاب له ونجاه من الكرب وكشف عنه الغم بفضله لأنه هو رب العالمين، فلو لم يرزقهم ولو لم يتفضل عليهم ولو لم يكشف كربهم وينجيهم، فمن الذي يفعل ذلك غيره هل من رب سواه يفعل ذلك؟!
[ ١٩٦٣ ]
لا؛ حتى وهم كفار فجار يحاربونه إذا صدقوا في أنه ملجأ منه إلا إليه، فإنه لا يردهم خائبين، فالتوحيد كما يقول ابن القيم ﵀ في كتاب الفوائد: مفزع أوليائه، ومفزع أعدائه، فإذا جاءت الشدة والكرب والغم والضنك لجأ إليه أولياؤه ولجأ إليه أعداؤه ويتوسلون إليه بالتوحيد ويدعونه وحده فيكشف عنهم ذلك الغم والكرب كما قال تعالى: فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ [الأنعام:٤١] .
ثانيًا: أن الله ﷾ عنده خزائن كل شيء لا تنفذ، فليس مثل ملوك وأغنياء الدنيا الذين لا بد أن يعطوا وأن يحرموا، وهذا في حق الله، فهو الذي لا تنتهي خزائنه وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ [الحجر:٢١] وقال في حديث أبي ذر: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا على صعيد واحد، ثم سألوني فأعطيت كل واحد منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئًا إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) سواء كانوا على هدى، وتقى، أو على ضلال وعصيان، فالله ﷾ يتفضل عليهم جميعًا كما قال: كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا [الإسراء:٢٠] فهو الغني ﷾ كل الغنى يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:١٥] فهو الذي غناه غنىً مطلقًا، وهو الذي لو سأله الخلق جميعًا فأعطى كل واحد مسألته ما نقص ذلك من ملكه شيئًا.
[ ١٩٦٤ ]
إذًا: كيف يشبه بملوك الدنيا بأن يطلب ما عنده من الرزق والفضل والخير عن طريق الوسطاء، وأعظم من ذلك: أنه جل شأنه قد أمر الناس أن يدعوه مباشرة كما قال: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:٦٠]، بل جعل دعاء غيره شركًا أكبر وجعله محبطًا للأعمال ومبطلًا لها، فمع هذا البيان في كتاب الله ﷿ بأن هذا شأنه وهذه صفته وأنه ﷾ يأمر عباده أن يدعوه كما قال تعالى:وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:١٨٦] فما حال من يذنب فلا يدعو ربه، بل يدعو غيره ﷾!
ولو زعم أنه يتوسط به إلى الله ﷾ فهذا من الضلال الذي قال الله تعالى فيه: وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ [الرعد:١٤] ولهذا يأتي هؤلاء المشركون يوم القيامة فيؤمرون بأن يدعو شفعاءهم ويدعو شركاءهم، ولكن أنَّى لهم ذلك: قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا [غافر:٧٤] أين هم؟
فيقولون: لم نكن ندعو أي مخلوق، ولم نكن نعبد شيئًا، فما هي إلا أسماء سموها، وأوهام توهموها لا حقيقة لها أبدًا، فهي ظنون وخيالات باطلة ليس لها من حقيقة وليس لها من واقع، فلا يجدون يوم القيامة من شفيع ولا ولي ولا حميم يطاع، ولكن أهل التوحيد يجدون ذلك الرب الرحيم الكريم ﷾ الذي يدخل من حقق التوحيد منهم وأخلص له وحده الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهنالك يندم المجرمون ويتحسر المشركون.
اعلم أن الشَّفَاعَة التي يثبتها النَّصارَى والمُشْرِكُونَ من الغلو في المشايخ وغيرهم لا تكون إلا ممن لم يقدر الله حق قدره، فهم يظنون أنه ﵎ كالمخلوق، ويشبهونه بذلك.
[ ١٩٦٥ ]
ويقولون: نطلب الشَّفَاعَة إليه بواسطة غيره ظنًا وتوهمًا منهم إما أنه لا يسمعهم ولا يعلم بحالهم، وإما أنه لا يقبل الضعفاء والمذنبين وأصحاب المعاصي والكبائر فيتشفعون ويتوسطون بالمقبولين لديه كما يزعمون.
الشبهة التي يستدلون بها والرد عليها
إن هذه الشبهة الشيطانية ألقاها الشيطان عَلَى أفواه كثير من الناس، فترى أحدهم إذا دعا غير الله أو توكل بذات من الذوات الصالحة إِلَى الله، وأنكرت عليه ذلك، يقول: أنا مسكين، وأنا مذنب، وأنا كثير الخطايا! كيف أدعو الله! وكيف أخاطبه وأصل إليه مباشرة وأنا في هذه الحالة وفي هذه المثابة، فلا بد أن أتوسل إليه أو أجعل بيني وبينه وساطة من أحد عباده الصالحين المقربين من الأَنْبِيَاء أو الأولياء.
فأصل هذه الشبهة أنهم ما قدروا الله حق قدره، وما عرفوه حق معرفته، وأعرضوا عما في كتابه وعما في سنة نبيه ﷺ من بيان حال الله ﷾ مع عبادة الصالحين، فإن الله ﵎ يقول: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:١٨٦] .
إجابة الله دعاء المضطر ولو كان كافرًا
إن الله -﷾- قريب ممن يدعوه أيًا كَانَ ذلك الداعي؛ حتى أن الكافر المضطر إذا دعا الله أجابه، وهو الذي يغيثه، فيكشف ما يدعون إليه إن شاء.
[ ١٩٦٦ ]
كما ورد ذلك في آيات كثيرة من القرآن حيث ألزم الله ﷾ الْمُشْرِكِينَ بضرورة إخلاص الدين له، وتوحيده وعبادته وحده، بأنهم إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، فإذا هاج بهم البحر وماج واضطرب وظنوا أن لا ملجأ لهم ولا منقذ من الله إلا أن يتوجهوا إليه وحده فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت:٦٥]، فهم في حال الشدة يوحدون ويخلصون، وفي حال الرخاء يُشركون.
فهذا إلزام ألزمهم الله ﷾ به، فإجابة المضطر من خصائص الله ﷾ لأنه ربهم، فهو الرزاق. فمن الذي يرزق الناس إلا ربهم ﷾، فمقتضى ربوبيته لهم أنه يرزقهم ويطعمهم كما قال تعالى: كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ َ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا [الإسراء:٢٠] نمد أهل اليمين المؤمنين، وأهل اليسار الكافرين، فلو لم يرزقهم الله فمن الذي يرزقهم؟
ولو لم يكشف الله ﷾ الضر عن المضطر ويكشف السوء عمن دعاه مؤمنًا كَانَ أو كافرًا فمن الذي يكشف ذلك؟! لا أحد، فهذا مقتضى ربوبيته ﷾ وخاصيته وألوهيته أنه يفعل ذلك جل شأنه وهذا الإله الكريم الذي بيده خزائن كل شيء والذي إليه المنتهى ﷾ والذي يملك كل شيء في هذه الدنيا، والذي يكشف السوء ويرفع البلاء ويجيب المضطر، قد فتح الباب عَلَى أوسع ما يمكن لقبول توبة التائبين والمستغفرين، وكيف يتوسط إليه بخلقه، وهو كما قال الشاعر:
الله يَغضبُ إنْ تَرَكتَ سُؤالهُ وبُنيَّ آدَمَ حِينَ يُسألُ يَغضبُ
غضب الله على من لم يدعه ويسأله
[ ١٩٦٧ ]
ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قَالَ: (من لم يدع الله يغضب عليه) فالإِنسَان لو كَانَ أبًا حنونًا رحيمًا ودودًا عطوفًا وكان له ابن مدلل لا يرد له أي طلب -يحبه غاية الحب- ولكن إذا كرر عليه الابن الطلب فالأب يغضب، ويزجر ولده من كثرة ما يطلبه ويلح عليه في الطلب.
فهذا هو حال المخلوق؛ لكن الله ﷾ كلما ندعوه يرضى عنا، وبقدر ما ندعوه يكون الرضى عنا، فأكثرنا عبودية لله ﷿ أكثرنا دعاءً له كما صح في الحديث أن النبي ﷺ قَالَ: (الدعاء هو العبادة) هذه هي حقيقة العبودية.
وأما المعتزلة والخوارج الذين أنكروا الشَّفَاعَة، فقد ذكر المُصنِّفُ أصل شبهتهم والرد عليها مع بيان مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ
ويعيد المُصنِّفُ ﵀ هذا المذهب فَيَقُولُ: [وأما أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ فيقرون بشفاعة نبينا ﷺ في أهل الكبائر وشفاعة غيره، لكن لا يشفع أحد حتى يأذن الله له ويحد له حدًا] .
الشفاعة لا تكون إلا لأهل التوحيد
تقدم أن ذكرنا أن شرطي الشَّفَاعَة هما: رضا الله عن المشفوع له، وإذنه للشافع، فلذلك لا تكون الشَّفَاعَة، إلا لأهل التوحيد؛ لأن الله تَعَالَى يرضى أن يشفع لأهل التوحيد، ولا يرضى أن يشفع لأهل الكفر والشرك، وإذن الله تَعَالَى للشافع بأن يأذن للملائكة أو الأَنْبِيَاء أو الصالحين من المؤمنين أن يشفعوا لمن شاء ﷾؛ ولذا قال: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:٢٥٥]، وقَالَ: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:٢٨] فلا يشفعون إلا لمن ارتضى، ولا يشفعون إلا بإذنه.
حد الله لنبيه ﷺ حدًا في الشفاعة لا يتجاوزه
[ ١٩٦٨ ]
قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [لكن لا يشفع أحد حتى يأذن الله له ويحد له حدًا] وهذا الشرط ليس زيادة عَلَى الشرطين السابقين، وهو: أن يحد له حدًا، لأن النبي ﷺ لا يملك من الأمر شيئًا، فالله ﷾ يحد له حدًا ليشفع في العصاة فيخرجهم من النار، ولا يستطيع أن يتجاوز ذلك الحد [كما بين ذلك في حديث الشَّفَاعَة (إنهم يأتون آدَمَ، ثُمَّ نُوحًا ثُمَّ إبراهيمَ، ثُمَّ مُوسَى، ثُمَّ عِيسَى، فيقول لهم عِيسَى ﵇: اذهبوا إِلَى مُحَمَّدٍ، فإنَّهُ عَبْدٌ غُفر له مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ومَا تَأَخَرَ، فَيأتُونِي، فَأَذهَبُ، فَإذَا رَأَيْتُ رَبِّي خَرَرْتُ لهُ سَاجِدًَا، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ يَفْتَحُها عَلَيَّ، لَا أُحْسِنُها الآنَ، فَيَقُولُ: أيْ مُحَمَّدُ، ارفَعْ رَأَسْكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، واشفَعْ تُشْفَّعْ، فأقول: رَبِّي أُمَّتِي، فَيَحُدُّ لي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُم الجنَّةَ، ثُمَّ َ أَنْطَلِقُ فَأَسْجُدُ، فَيَحُدُّ لي حَدًّا) ذكرها ثلاث مرات] .
وهذا الحديث مروي في باب قول الله تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ [صّ:٧٥] الجزء الثالث عشر من فتح الباري صـ٣٩٢، وقد ذكر الشيخ الأرناؤوط في تحقيقه أن هذه الزيادة لم ترد في صحيح البُخَارِيّ وهي ثابتة في الباب المذكور.
فالبُخَارِيّ ﵀ أورد الحديثين في بابين مختلفين، أورد الرواية السابقة التي ليس فيها لفظة [فَيَحُدُّ لي حَدًّا] في باب "كلام الرب عزوجل مع الأنبياء"، وأما هذه الرواية [فَيَحُدُّ لي حَدًّا] فذكرها في باب قوله تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي [صّ:٧٥] .
فائدة زيادة (فيحد لي حدًا)
[ ١٩٦٩ ]
هذه الزيادة في الرواية فيها فائدة تأكيد بأن النبي ﷺ لا يشفع إلا بإذن الله، وفيمن أذن الله له أن يشفع له، فهذا وهو رَسُول الله ﷺ، وهو أفضل الخلق لا يشفع إلا بعد أن يأذن الله ﵎ له، ويأذن له في أناس معينين مخصوصين.
ثُمَّ ذكر المُصْنِّف ﵀ الاستشفاع بالنبي ﷺ وبغيره إِلَى الله تَعَالَى في الدنيا، وهذا الذي نريد أن نمهد له للدخول في موضوع الألوهية والشَّفَاعَة.
افتقار العباد إلى الله
نقول: إن كل بني آدم فقراء محتاجون ومضطرون إِلَى الله ﷿، وأصل وأساس العبودية مبني عَلَى افتقار المخلوق الضعيف المرهوب المقهور العاجز الذي لا حيلة له إلا بالله ﷾، ومن النَّاس من يدرك هذه الفاقة وهذه الحاجة إِلَى الله ﷿، وكثيرٌ منهم لا يدركها، ولكنه لو فكر وتأمل لوجدها قائمة، فالإِنسَان الذي يدرك هذه الحاجة -وكل بني آدم لا بد أن يدركها يومًا ما- في ذهنه وفي فطرته الضعيفة العاجزة.
فهو يسعى ليحقق ما يطمح إليه من النفع ويدفع ما يخافه من الضُر الذي ينزل به والعوارض التي تعرض له، فتحول بينه وبين تحقيق الآمال التي يسعى إليها، فأيًا كَانَ دينه، وأيًا كانت بيئته سواء كَانَ معترفًا بربه أو منكرًا له، تجده دائمًا يعمل من أجل ذلك، ولذلك تجده في أي وقت من الأوقات لابد أن يدعو ربه، فالإِنسَان ضعيف فقير محتاج لا يستطيع أن يقوم بنفسه، ولا أن يحقق لها ما تريده أبدًا، فالله ﷾ متفرد بأنه إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يّس:٨٢] فهذا لله ﷾ وحده، أما بقية النَّاس فهم محتاجون مخلوقون فلا بد أن يلجئوا إِلَى من يدعونه ليحقق لهم حاجتهم ومرادهم.
[ ١٩٧٠ ]
الإِنسَان محتاج وفقير ومضطر، ولا بُدّ أن يدعو غيره وأن يلجأ إليه وأن يتوسل به، وهذا هو أصل عبودية أي عابد، ولهذا فإن العبودية لا تكون عبودية إلا أن يتحقق فيها شرطان هما: الحب من جهة، والخضوع والذل من جهة أخرى.
فإذا أحب إنسان شيئًا ولم يخضع له وينقاد فهذا لا يسمى عابدًا، ولو أن أحدًا خضع وذل وانقاد لأمر وهو كاره له فهذا لا يسمى عابدًا أيضًا، فالعبودية: معناها أن يجتمع في الإِنسَان كمال الحب مع كمال الذل والخضوع، فالنّاس هذا حالهم وهذا شأنهم، أما أهل التوحيد فإنهم أخذوا الأسباب والأمور من مصادرها الصحيحة وعملوا بالأسباب وطلبوها من خالقها ﷾، فأهل التوحيد من الأَنْبِيَاء والصالحين ومن اتبعهم يعلموا أن كل شيء بيد الله ﷾ وأن افتقاره هذا لا يكون إلا لله ﷾، لأن كل مخلوق مفتقر إِلَى من يقضي له حاجاته، فكلنا فقراء لله تَعَالَى.
الموحد الحقيقي الصادق
الموحد الحقيقي المخلص هو من يدعو ويرفع حاجته إِلَى الغني الحميد ﷾ كما قال الله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:١٥] (يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم) .
[ ١٩٧١ ]
ويقول بعد ذلك: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا عَلَى أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا عَلَى أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا عَلَى صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئًا إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) هذا هو غاية الكرم، مع غاية الغنى، فالغنى والكمال المطلق هو لله -﷾- فهو الغني الحميد، فأهل التوحيد والإيمان أدركوا أن الله بيده خزائن كل شيء -﷾-، وهو الذي بيده مفاتح الغيب وهو وحده الرزاق ذو القوة المتين كما قال عن نفسه: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا [هود:٦] .
إن دُعيَّ الملائكة، فهم عباد مكرمون عند الله ﷾؛ ولكنهم لا يعصون الله ما أمرهم أبدًا، هم عباد من عباد الله يرجون الله، وهم من خشيته مشفقون، ولا يعصون أمره، ولا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، وإن عبد الأنبياء، فالأنبياء بشر مثلنا، عاشوا عَلَى هذه الأرض كما نعيش، ولاقوا من المحن والشدائد ماجعلهم يلجأون إِلَى الله ﷾ ليكشف عنهم ذلك الكرب وذلك الضر، والأولياء أو الصالحون لا شك أنهم أدنى درجة من الأنبياء، فقضية التوحيد واضحة لِمَن بصَّره الله ﷾ وتفكر وتأمل، أمرٌ جلي واضح أن المسئول المدعو هو الله ﷾ سواء كَانَ ذلك دعاء عبادة أو دعاء مسألة فالأمر يرجع كله إِلَى حاجة المخلوقين واضطرارهم وافتقارهم إليه ﷾.
حقيقة وقوع الناس في الشرك
[ ١٩٧٢ ]
إذا لجأ الفقير إلى فقير مثله، ولجأ الضعيف إلى ضعيف مثله، أو نصب الضعيف نفسه إلهًا من دون الله، وقَالَ: ادعوني وأنا أجيبكم، فهذا إخلال بالتوحيد، وهذا لا يفعله إلا من لم يقدِّر الله حق قدره، ولم يفقه حقيقة التوحيد ولا آمن بالله تَعَالَى حق الإيمان، وإن زعم ذلك كما قال تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:١٠٦] هذه حقيقة واقعة، ووقوع النَّاس في الشرك ظنًا منهم أن غير الله ﷾ يحقق لهم ما يريدون، هو الذي جعلهم يجرون وراء السراب وظنوا أن هذا الغير أيًا كَانَ يُتوسط ويتوسل به إلى الله ﷾ فيحقق لهم ما يريدون.
فإذا اعتقد العبد المؤمن وعرف واستيقن أن الله ﷾ هو وحده المدعو المرجو الذي يخاف ويرجى ويدعى ويستغاث ويلاذ ويستجار به، فإنه بعد ذلك لا يحتاج إلى أن يدعو غير الله، ولا أن يتوسط أو يتوسل إلى الله ﷾ بغيره، وهو الذي يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، فليس هنالك أكرم ولا أحلم من هذا الإله.
وبعد ذلك ذكر حال المدعوين المعبودين من دونهم فقَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ [الإسراء:٥٧] .
فهذه الوسيلة إلى هذا الإله الجليل العظيم ﷾، ومع هذا الكرم والفضل والمنِّة هل يسد الطرق الموصلة إليه التي يتوسل أو يتوسط بها العبد إليه فلا يبقى إلا أن يُدعَى ويعبد غيره أو يستشفع إليه بغيره. هل يليق ذلك بكرمه وبفضله وإنعامه، وهو الذي يمد هَؤُلاءِ وهؤلاء، وهو الذي يغيث الكفار إذا دعوه فضلًا عن المؤمنين؟! لا يليق به سبحانه أبدًا؛ ولكن هذا من عمى البصائر.
تفسير المبتدعة لقوله تعالى: «وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ»
[ ١٩٧٣ ]
لقد فسر المُشْرِكُونَ قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:٣٥] بقولهم أي: ابحثوا عن مخلوق تتوسلون به إِلَى الله سُبْحانَ اللَّه!
ولما ذكر الله حال عبادة المؤمنين من الأَنْبِيَاء والملائكة والصالحين قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ [الإسراء:٥٧] يدعونه بأسمائه الحسنى، كما في الحديث (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك) أي أن تسأل الله بأسمائه.
المسألة: هو أن ندعو الله ﷾ بأسمائه الحسنى، وهذا أعظم شيء ندعوه بها، ودعاء العبادة هو أن ندعو الله بأعمالنا التي نتعبده بها كصلاتنا له وذكرنا له ﷾.
الوصول إلى الله يكون بدعاء المسألة أو دعاء العبادة
نستطيع أن نصل إليه ﷾ لأن نحقق له وحده التوحيد، وأن لا ندعو غيره بوسيلتين: إما أن ندعوه بأسمائه الحسنى، وإما أن نتوسل إليه بعبادتنا:
ففي الحالة الأولى: دعوناه وحده، وفي الحالة الثانية: دعوناه بعمل عبدناه وحده به، ولو كَانَ هذا العمل فيه شائبة من الشرك لما تقبل منا ذلك الدعاء؛ ولهذا فالثلاثة الذين دخلوا الغار، لما سألوا الله، سألوه بأعمال عملوها خالصة لوجهه تعالى، فهي من تحقيق الإيمان ومن تحقيق الطاعة ومن تحقيق التوحيد؛ ولذا لمّا سألوا الله بتلك الأعمال استجيب لهم.
التوحيد مفزع الأولياء ومفزع الأعداء وأساس كل خير
[ ١٩٧٤ ]
التوحيد هو مفزع الأولياء كما هو مفزع الأعداء، فالمؤمن إذا حزبه أو همه أمر يفزع فيسأل الله ﷾ خالصًا من قلبه، فيتحقق له دعاؤه بتوحيد الله في الدعاء، أو بدعائه بأمر أخلص فيه فيدعوه وحده، ويدعوه بعمل طاعة أخلص فيها لله، فهذا مفزع أوليائه وأصفيائه، وهو كذلك مفزع أعدائه، فإذا حز بهم أو أهمهم أمر وأرادوا أن يستجاب لهم دعوا الله مخلصين له الدين فيستجاب لهم.
إذًا: التوحيد هو أساس كل خير، فهو الذي يحقق للإنسان الخير سواء كَانَ مؤمنًا أو كافرًا، لأن الكافر يخلص في تلك اللحظة لكنه بعدها ينتكس عَلَى عقبيه، وهذا أيضًا يكون للمؤمنين ولكن فيما دون الشرك بالله ﷾.
عدم إظهار النفس البشرية افتقارها إلى الله
النفس البشرية لا تظهر افتقارها إِلَى الله في كل حال من الأحوال، ولو أننا أظهرنا فقرنا وتضرعنا وانكسارنا وذلنا لربنا ﷿ في كل وقت، لكنا عبيدًا له في كل وقت، لكن هذه مشكلتنا وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ [يونس:١٢] .
فالإِنسَان في حالة الشدة يعترف ويقر بفقره إِلَى الله ﷿، فيعاهد نفسه عَلَى أن يستمر عبدًا لله ﷾، فإذا عافاه الله بعد المرض أو أغناه بعد الفقر نكص عَلَى عقبيه، كما قال الله عن المنافقين وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [التوبة:٧٥-٧٦] وهذا ليس خاصًا بالمنافقين بل حتى المؤمن قد يقع منه ما يشبه ذلك أو يقاربه.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
[ ١٩٧٥ ]
[فالحاصل أن الشفاعة عند الله ليست كالشفاعة عند البشر، فإن الشفيع عند البشر، كما أنه شافع للطالب شفعه في الطلب، بمعنى: أنه صار به شفعًا فيه بعد أن كان وترًا، فهو أيضًا قد شفع المشفوع إليه، فبشفاعته صار فاعلًا للمطلوب، فقد شفع الطالب والمطلوب منه والله تعالى وتر لا يشفعه أحدٌ، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فالأمر كله إليه، فلا شريك له بوجه، فسيد الشفعاء يوم القيامة إذا سجد وحمد الله تعالى، فقال له الله: (ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع، فيحد له حدًا فيدخلهم الجنة)، فالأمر كله لله كما قال تعالى: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ [آل عمران:١٥٤] وقال تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران:١٢٨] وقال تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف:٥٤] فإذا كان لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه لمن يشاء ولكن يكرم الشفيع بقبول شفاعته كما قال ﷺ: (اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء) .
وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال: (يا بني عبد مناف لا أملك لكم من الله من شيء يا صفية عمة رسول الله لا أملك لك من الله من شيء يا عباس عم رسول الله لا أملك لك من الله من شيء) .
وفي الصحيح أيضًا (لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء أو شاة لها يعار أو رقاع تخفق فيقول: أغثني أغثني فأقول: قد أبلغتك لا أملك لك من الله من شيء) فإذا كان سيد الخلق وأفضل الشفعاء يقول لأخص الناس به (لا أملك لك من الله من شيء) فما الظن بغيره؟!
[ ١٩٧٦ ]
وإذا دعاه الداعي، وشفع عنده الشفيع، فسمع الدعاء وقبل الشفاعة، لم يكن هذا هو المؤثر فيه كما يؤثر المخلوق في المخلوق، فإنه ﷾ هو الذي جعل هذا يدعو ويشفع، وهو الخالق لأفعال العباد، فهو الذي وفق العبد للتوبة ثم قبلها وهو الذي وفقه للعمل ثم أثابه، وهو الذي وفقه للدعاء ثم أجابه، وهذا مستقيم على أصول أهل السنة المؤمنين بالقدر وأن الله خالق كل شيء] اهـ.
الشرح:
يقول المصنف ﵀: [الحاصل أن الشفاعة عند الله ليست كالشفاعة عند البشر، فإن الشفيع عند البشر كما أنه شافع للطالب شفعه في الطلب بمعنى: أنه صار به شفعًا فيه بعد أن كان وترًا] .
يريد المصنف رحمه الله تعالى أن يبين الفرق بين الشفاعة الشركية التي ظنها المشركون وبين الشفاعة الحقيقية وذلك أن الله ﵎ ليس كأحد من خلقه، وأن ما يفعله الناس من الشفاعات عند أهل الملك أو المال أو الشأن في الدنيا، ليست كالشفاعة لديه، لأن الرجل إذا أراد حاجةً من الخلق وكانت علاقة هذا المحتاج بالرجل المقصود ضعيفة، فإنه لعدم معرفته أو ضعف علاقته به لا يستطيع أن يرفع حاجته بنفسه ولا يتصل به، فيحتاج إلى رجل معُروف عند ذلك الإنسان ليتوسط له، فيضم صوته مع صوته، وطلبه مع طلبه، حتى تُقضى حاجته، ولهذا سميت الشفاعة بهذا الاسم -على أحد الأقوال- لأنها من الشفع وهو: الضم كما في اللغة.
[ ١٩٧٧ ]
ثم يقول المصنف: [والله تعالى وتر لا يشفعه أحد، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه] بمعنى: أن هذا الإنسان الذي طلب حاجته من صاحب السلطان، وفي نفس الوقت طلب من الرجل الوسيط أن يشفع له، فهو في الحقيقة قضى غرضه وحاجته عن طريق اثنين وليس عن طريق واحد، وهما الوسيط الشافع والمشفوع إليه، وهذا لا ينطبق -بأية حال- على الله ﵎، فإن الله ﷾ متفرد بالأمر والخلق والرزق والنفع والضر وعنده وحده خزائن كل شيء، وهو وحده الذي إذا أراد أمرًا قال لهكُنْ فَيَكُونُ [البقرة:١١٧] فليس لهذا الإنسان أو الوسيط أي أثر، ولذا فإن قول المشركين هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس:١٨] هو من أبطل الباطل وأقبح القبيح، وهو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله ﵎.
يقول المصنف: [فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فالأمر كله إليه ﷾، فلا شريك له بوجه] ثم يستدل على ذلك بالأمر المشهور المعلوم لدى جميع المسلمين وهو: أمر النبي ﷺ فيقول: [فسيد الشفعاء يوم القيامة] الذي اختصه الله تعالى بالوسيلة التي لم تعط إلا لرجل واحد وهو: الرسول ﷺ [إذا سجد وحمد الله تعالى يقول له ربه ﷿: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع] وهذا بعد أن يلهمه ربه ﷿ من أنواع الثناء والمحامد ما لم يعلمه من قبل، فهو يستأذن ربه، ثم يجيبه ربه ﵎، أما هو فلا يملك من عند نفسه شيئًا؛ بل جميع الأنبياء -حتى أولوا العزم- يتراجعون عن الشفاعة، فضلًا عمن عداهم، ويبقى رسول الله ﷺ فيتقدم ويقول: (أنا لها أنا لها ثم يكون منه السجود، ثم يكون من ربه تعالى الإجابة) .
[ ١٩٧٨ ]
وبعد أن تكون الشفاعة العظمى التي سبق تفصيلها، وبعد أن يفض الموقف، وبعد أن يدخل الجنة السابقون الأولون ومن معهم (سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب)،فيحد الله ﵎ له حدًا من أهل النار ويكون ذلك ثلاث مرات وأيضًا تكون الرابعة كما سبق في حديث أنس يقول المصنف: [فيحد له حدًا فيدخلهم الجنة] أما هو فقد قال له: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف:١٨٨] فخصه الله ﵎ بأنه نذير وبشير، وليس له أبعد من ذلك فيتصرف في أُمور الناس وقلوبهم فيدخل هذا الإيمان ويمنع هذا منه، ليس ذلك من شأنه ﷺ ولا قدرة له عليه لعجزه عن نفع نفسه أو حمايتها، ولو كان النبي ﷺ يعلم الغيب لا ستكثر من الخير؛ لأن الذي يعلم الغيب يعلم ما تؤول إليه عواقب الأمور.
فهل الذي يعلم الغيب يخرج يوم أحد إلى المشركين ويصيبه ما أصابه، ويقتل عمه وتكون تلك الكارثة، وهل يرسل سبعين من القراء من خيار أصحابه وأفضلهم لتقتلهم تلك القبيلة المجرمة؟!
وأحداث كثيرة تتلاحق في السيرة تدل على أنه لا يعلم الغيب، وإنما هو بشر تجري عليه الأقدار كما تجري على أي مخلوق وميزته أنه بشير ونذير، كما يقول الله له قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ [الكهف:١١٠] .
النبي ﷺ بين غلو الصوفية وإجلال أهل السنة
في معرض الحديث عن النبي ﷺ فإننا نجد أن له صفتين مختلفتين تمامًا.
الأولى: هي صفة الرَّسُولِ ﷺ في الكتاب وفي السنة.
[ ١٩٧٩ ]
والأخرى صفة من نسج الخيال، وشخصية أسطورية وهمية، لا وجود لها في القُرْآن ولا في السنة والواقع، إنما هي من أوهام وخرافات الذين اخترعوا هذه الأوصاف التي لا أصل لها من أهل الغلو كالصوفية ومن تبعهم.
أما الصفة الأولى: فهو كسائر البشر تصيبه العوارض مثلهم، بل قد يكون ما يصيبه ﷺ من العوارض أشد، كما ثبت في الحديث الصحيح أنه ﷺ قَالَ: (إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم) وهذا لفضله ﷺ، ولِرَفعِ درجتهِ ﷺ عند ربه، ونجد أنه يأكل ويشرب وينام ويتعَب ويفكر ويهتم ويغتم ويتخذ الأسباب مثل سائر البشر، رغم أن الله تَعَالَى خصه بهذه الميزة العظيمة وهي الرسالة وجعله سيد ولد آدم، وهذا كله نجده واضحًا جليًا.
فإذا انتقلنا إِلَى الصورة الأخرى التي تذكرها الصوفية وهي: أنه مخلوق من نور، موجود قبل المخلوقات، بيده مقاليد السماوات والأرض يعلم الغيب ، وأمور غريبة يذكرونها له التي لو تأملها الإِنسَان لعلم أنها لا توجد في دنيا البشر ولا عالمها أبدًا وليس لها من كتاب الله ولا من سنة رسوله ﷺ أصل يُرجع إليه، وإنما الحال أن قومًا أرادو هدم الإسلام، والطعن فيه عن طريق الغلو الذي اتخذوه كما فعل النَّصَارَى وكما فعل اليهود بأنبيائهم، وكما غلت الشيعة من هذه الأمة في الإمام عَلِيّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ حتى ادعوا أنه إله في حياته.
ومرت القرون وفُضح هَؤُلاءِ القوم وحوربوا وتميزوا عن سائر الأمة الإسلامية، حتى أصبحت الأمة منقسمة إِلَى سُني وشيعي، وأصبحت كلمة السنة، تعني: من ليس شيعيًا فكأنهم اختصوا بمخالفة السنة مع أن المخالفين للسنة كثير، وظل الهدامون وأعداء الإسلام يريدون هدم عقيدة التوحيد والإيمان عندأهل السنة، فاخترعوا الأقطاب والنقباء والندباء وشيوخ التصوف.
[ ١٩٨٠ ]
ومن نفس مدخل الغلو وحُبِّ النبيِ ﷺ دخلوا، فألّهوه ﷺ، ورفعوه عن منزلةِ البشرية إِلَى منزلةِ الألوهيةِ، وجعلوه ندًا لله ﵎ يعلم الغيب، ويُدخِلُ الجنة من شاء -عياذًا بالله- وعندما نَعرِضُ هذهِ الأمور عَلَى الآياتِ والأحاديثِ يَظهرُ لَنَا كَذِبَ هَؤُلاءِ، وإن زعموا ما زعموا من المحبة.
وهذا يذكرنا بما عليه كثير من النَّصَارَىالذين زعموا أن عيسى إله، ويسمونه الرب "يسوع" ويؤلفون الكتب في ذلك، ويذهبون إِلَى غابات إفريقيا وآسيا ليدعو النَّاس إِلَى دينه، وهم صادقون مع أنفسهم في محبته؛ لكن هذه المحبة أفضت بهم إِلَى الكفر والشرك ولم تنفعهم محبتهم له عند الله، وكذلك عيسى ﵇ لم يرض بها لنفسه أبدًا.
ومثله النبي ﷺ لم يرض بهذا الغلو، بل نهى عنه فقد قَالَ: (لا تطروني كما أطرت النَّصَارَى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله) .
ثُمَّ يقول المصنف: [وقال الله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف:٥٤]] فهو ﷾ المتفرد بالخلق والأمر، وفي هذه الآية دليل لأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى إثبات صفة الكلام لله ﷾، وأنه يتكلم بما شاء متى شاء.
فمن ذلك مثلًا كلمة "كن" فالله تَعَالَى يتكلم بالأمر، فإذا قَالَ: "كن"، فهذا أمره، فإذا كَانَ ما أمر به فهو خلقه، وفي هذه الآية دليل عَلَى أنه لا يجوز لأحد غير الله ﵎ أن يشرع للناس بأي حال من الأحوال، فالشرع المتبع إنما هو شرع الله ودينه، لأن الله تَعَالَى هو الذي خلق الخلق، فكيف يكون له الخلق ويكون لغيره الأمر والنهي؟
[ ١٩٨١ ]
وهذا ما فعله النَّاس في الجاهلية الأولى وفي كل جاهلية في كل زمان ومكان، يؤمنون بأن الله له الخلق، ولكن يجعلون لغيره الأمر، فيشرعون ويسنون القوانين، ويحلون ما يشاءون، ويحرمون ما يشاءون، وهذا من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله ﵎، وهو حقيقة الطاغوت الذي أمر الله ﵎ أن يكفر به، ولا يكون الإِنسَان مؤمنًا إلا إذا كفر بالطاغوت الذي يشرع من دون الله تعالى؛ لأن الخلق جميعًا مأمورون بأن يطيعوا أمر الله، كما هم مخلوقون بإذن الله ﷾، ولا انفصال بينهما بأي حال من الأحوال.
الحكمة من قبول الله لشفاعة الشفعاء
يقول المُصْنِّف ﵀: [فإذا كَانَ لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه لمن يشاء ولكن يكرم الشفيع بقبول شفاعته كما قال ﷺ: (اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء)] .
لما نفى الله ﷾ تلك الشَّفَاعَة الشركية بيَّن الشَّفَاعَة المثبتة التي تكون لعباده المؤمنين -كما سبق- وفي هذه الشَّفَاعَة حكم عظيمة، منها إكرام الله ﵎ للنبي ﷺ حينما يشفع للخلق أجمعين في الموقف، وكذلك إذا شفَّع الله ﵎ الشهيد في أهل بيته فهو تكريم له، لأن الله ﷾ يريد أن يظهر فضل الشهيد فيشفعه، وكذلك شفاعة الابن الصالح في أبيه أو العكس ومنها حصول الخير للمشفوع الذي ﵁ فتفضل عليه بقبول الشَّفَاعَة فالأمر إذًا كله لله ﷾.
[ ١٩٨٢ ]
وفي قول النبي ﷺ: (اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّه مَا يشَاءُ) دليل على أن الشَّفَاعَةَ الشرعية في الدنيا من أسباب الخير والإعانة التي يعين العبد المسلم بها أخاه، فإذا شفع أجر على هذه الشَّفَاعَةِ، ويقضى الله ﵎ ما يشاء، فلا يخسر الشافع شيئًا؛ بل له أجر شفاعته وإن لم يتحقق كانت له شفاعته، كما قال الله ﵎: مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا [النساء:٨٥] أي: وزر منها، هذا بالنسبة في الدنيا.
وفي الآخرة يقول: [وفي الصحيح أن النبي ﷺ قَالَ: (يا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أمْلِكُ لَكُم مِنَ اللهِ مِنْ شيء يا صفية عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ لا أَمْلِكُ لَكِ مِنْ اللهِ مِنْ شيء يا عباسُ عَمَّ رَسُولِ اللهِ لا أَمْلِكُ لَكَ مِنْ اللهِ مِنْ شيء)] .
فاللهُ سبحانه ليس بينه، وبين أحد من الخلق نسب، ولذا يقول تَعَالَى لإبراهيم ﵇ لما أن أتم الكلمات: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا [البقرة:١٢٤] أكرمه الله ومَنَّ عليه فجعله إمامًا للناس، فأراد إبراهيم ﵇ الخير لذريته فقَالَ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [البقرة:١٢٤] أي تبقي الإمامة في ذريتي: قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:١٢٤] فكرامة الله لا تنال المجرمين، وإن كانوا أبناء الأَنْبِيَاء والمرسلين، فلا بد من عمل صالح يعمله الإِنسَان حتى ينال هذا الرتبة.
[ ١٩٨٣ ]
ولم يكن هنالك أحد أعزُ على النبي ﷺ ممن لم يعمل صالحًا من عمه أبي طالب الذي حمى الدعوة ونصرها وأيدها وحوصِر مع النبي في الشِّعْبِ، وتحمل الأذى كل ذلك من أجل النبي ﷺ ومع ذلك لم يأذن له ربه أن يستغفر له، بل أنزل الله ﵎ عليه إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:٥٦] فحينئذٍ يأس النبي ﷺ من شأن عمه، ولكن الله أذن له في أن يشفع له الشَّفَاعَةَ التي سبقت، وهي: أن يكون في ضحضاح من نار، له شراكان من نار يغلي منهما دماغه، وهو يظن أنه أشد أهل النَّار عذابًا، وهو أهونهم عذابًا عافانا الله من ذلك، أما أن يدخل الجنة فلا وهذه خاصة بأبي طالب وحده دون غيره من النَّاس.
فالأمر ليس أمر وساطة أو نسب مجرد، وإنما هو عمل صالح يفعله الإِنسَان وأن يرضى الله ﵎ عنه بأن يشفع له.
ثم يقول المصنف ﵀: [وفي الصحيح أيضًا (لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُم يأتي يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، أو شَاةٌ لَهَا يَعَارٌ، أو رِقَاعٌ تَخْفِقُ، فَيَقُولُ: أَغِثْنِي أَغِثْنِي فَأَقُولُ: قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيء)] .
[ ١٩٨٤ ]
هذا المال إذا أخذه الإِنسَان من الغلول من بيت مال الْمُسْلِمِينَ أو من الحق العام فلا يجوز له وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ [آل عمران:١٦١] بفتح الياء وضم الغين المعجمة، وفي قراءة بضم الياء وفتح العين، فلو أن أحدًا أخذ من الفيء أو من المال العام للمسلمين شيئًا، فإنه يأتي يَوْمَ القِيَامَةِ وهو يحمل ذلك على رقبته نسأل الله العفو والعافية، هذا الذي تهاون فيه كثير من النَّاس -إلا من رحم الله- وأصبحوا يرون أنه مباح وحلال لا شيء فيه، فسيعاقبون عليه، فهذا الرجل الذي كَانَ مولى لرَسُولِ اللهِ ﷺ، وغلَّ شملةً، أي: ملحفةً فَقَالَ ﷺ: (والذي نفسي بيده إنها لتشتعل عليه نارًا) وقد تكون لا تساوي شيئًا مع أنه خرج وجاهد مع رَسُول الله ﷺ ومع ذلك يعذب ويعاقب عليها!
فإذا كَانَ الصحابي الذي جاهد مع النبي ﷺ وخرج معه ومع ذلك بسبب فساد نيته يعاقب، فما بالكم بمن يغل وهو ليس في جهاد ولا عمل صالح ولم يقدم شيئًا للإسلام وللمسلمين إلا الخيانة والسرقة، وربما تكون وظيفته هذه أخذها بوسائل غير مشروعة، ومع ذلك يرى وكأن بيت مال الْمُسْلِمِينَ من حقه يأخذ منه كما يشاء ويصرفه كما يشاء، وهذا من عمى البصيرة ونسيان الآخرة.
والشاهد من القصة أن النبي ﷺ يقول: (لا أملك لك من الله من شيء) . لكن هل يتعارض هذا مع كونه ﷺ يشفع لأصحاب الكبائر؟
[ ١٩٨٥ ]
والجواب أنه لا تعارض فالنبي ﷺ الذي هو سيد الشفعاء لا يملك من عند نفسه أن يشفع، لكن إذا أذن الله تَعَالَى له أن يشفع في الذي غل أو سرق أو زنى أو أذنب بأي ذنب فإنه يشفع، ولهذا قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [فإذا كَانَ سَيِّدُ الخلقِ وأَفْضَلُ الشفعاء يقول لأخصِّ النَّاس به (لا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيء) فما الظن بغيره؟!] نعم، فما الظن بغيره وإن كَانَ صالحًا أو شهيدًا أو برًا أو تقيًا.
ثُمَّ يقول ﵀: [وإذا دعاه الداعي، وشفع عنده الشفيع، فسمع الدعاء وقبل الشَّفَاعَة، لم يكن هذا هو المؤثر فيه، كما يؤثر المخلوق في المخلوق؛ فإنَّه ﷾ هو الذي جعل هذا يدعو ويشفع] فالله ﷾ يختلف شأنه عن شأن غيره من المخلوقين والعالمين جميعًا، لأنه هو الذي خلق الأسباب، وأما غيره فهو من الأسباب، ولو أن مخلوقًا شفع لك عند مخلوق آخر فحصل لك الخير فإنك حينئذ تقول: كَانَ هذا الشيء بفضل الله، ثُمَّ بفضل فلان وفلان فاجتمع سببان: الشافع، والمشفوع لديه، ويسر الله الخير أو الفضل على يديهما، فهذا شفع وهذا استجاب فكان لك المطلوب، لكن بالنسبة لله تَعَالَى فإن الأمر يختلف.
ونتيجة لذلك نعرف أن باب الشَّفَاعَة من أعظم الأبواب التي نتعرف بها على حقيقة توحيد الله ﷾، لأن الدعاء هو العبادة وتوحيد الألوهية يُعرف عندما نعرف حقيقة الشَّفَاعَةِ المنفي منها والمثبت.
ثُمَّ يتطرق المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مسألة لها علاقة بموضوع القدر فَيَقُولُ:
[وهو الخالق لأفعال العباد، فهو الذي وفق العبد للتوبة، ثُمَّ قبلها، وهو الذي وفقه للعمل، ثُمَّ أثابه، وهو الذي وفقه للدعاء، ثُمَّ أجابه، وهذا مستقيم على أصول أهل السنة المؤمنين بالقدر، وأن الله خالق كل شيء] .
[ ١٩٨٦ ]
الإيمان بالقدر له أربع مراتب: سنذكرها إن شاء الله تفصيلًا فيما بعد، لكن نوجزها الآن لكي نصل إِلَى مرتبة الخلق، ومعنى الإيمان بالقدر: أن نؤمن بأنه ركن من أركان الإيمان كما في حديث جبريل ومن معانيه أن يؤمن بمراتبه الأربع.
وأول المراتب: العلم: فنؤمن بأن الله ﷾ يعلم ما كَانَ وما سيكون وأدلتها مستفيضة.
ثُمَّ المرتبة الثانية: الكتابة، أي: أن الله ﷾ كتب ذلك كله أيضًا في اللوح المحفوظ كما في الحديث عنه ﷺ أنه قَالَ: (أول ما خلق الله القلم أمره أن يكتب فكتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) وقبل ذلك يقول الله تعالى: مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَاب [الحديد:٢٢] وقَالَ: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يّس:١٢] .
ثُمَّ المرتبة الثالثة: وهي المشيئة والإرادة: فكل ما وقع فالله قد شاء أن يقع، ولا يقع في خلقه ما لم يشأ ﷾ سواء من الشر أو من الخير، وشاء وقوع الشر ولم يرض به، وشاء وقوع الخير ورضي به.
والمرتبة الرابعة: وهي مرتبة الخلق والإيجاد: فلو أن فلانًا من النَّاس صلّى في وقت معين فإن الله سبحانه قد علم أنه سيصلي في هذا الوقت المعين قبل أن يخلقه، بل قبل أن يخلق السماوات والأرض، وكتب الله ﵎ أنه سيصلى كذلك، وشاء اللهُ ﵎ أن يصلي، وخلق الله ﵎ في هذا العبد هذا الفعل كما قال تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:٩٦] فهو الذي خلق هذا العمل، والعبد فاعل له، وهذا مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ يقرر المسألة بوضوح أن لا خالق إلا الله اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر:٦٢] .
من أعظم الردود على القدرية
[ ١٩٨٧ ]
والذين خالفوا في المرتبة الرابعة من مراتب القدر هم القدرية ولهذا ذكر الإمام أَحْمَد رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عبارة عظيمة في حق القدر فقَالَ: "ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصموا وإن أنكروه كَفَرُوا" وهذا يدل عَلَى دقة فهم السلف الصالح.
فنقول لهم: هل يَعلمُ اللهُ ﷾ أن هذا الفعل سيقوم؟ فإذا قالوا: نعم، الله تَعَالَى يعلم ذلك. فنقول لهم: فما المانع أن يكون كتبه، فإن قالوا وكتبه، فنقول لهم: فما المانع أن يشاءه، فإن قالوا لا مانع أن يشاءه، لكن العبد هو الذي يفعل، فنقول لهم: أهو الذي خلقه؟ فإما أن تقولوا إن الله علمه وكتبه وشاءه والعبد خلقه وهذه لا يقرها عقل سليم، أو يقولوا: والله خلقه، فيستسلموا، ويلزموا الحجة، فإن لم يقروا فنتجادل معهم في العلم.
فإذا لم يقر القدري بأن الله يعلم كل شيء فقد كفر، لا لأنه أنكر أن العبد يخلق فعل نفسه، بل لأنه أنكر شيئًا واضحًا، يعلم العامي والجاهل من الْمُسْلِمِينَ أن من قاله يكفر.
مذهب أهل السنة في إثبات القدر
ومذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ أن الله تَعَالَى خالق كل شيء، ومنها أفعال العباد، وهذا يُجلي لنا حقيقة عظيمة يريدها المصنف، وهي حقيقة التوحيد، وأنه لا شأن لأحد ولا فضل إلا من بعد فضل الله ﷾، فهو الذي خلقك أولًا، ثُمَّ أعطاك الهداية، ووفقك للعمل الصالح وللدعاء، وأثابك عليه، وهو الذي خلق هذا العمل فيك وأعطاك القدرة عليه، ثُمَّ هو بعد ذلك يمتنُّ عليك بالجنة جزاء لك عَلَى هذا العمل.
[ ١٩٨٨ ]
فالفضل كله من أول الأمر إِلَى آخرِهِ للهِ ﷾، والعبد دائرٌ بين منزلتين منزلة إِيَّاكَ نَعْبُدُ ومنزلة إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وهو في الحالتين لا يملك شيئًا. فالعبادة لله وحده، والاستعانة عَلَى أداء هذه العبادة وتحقيقها هي من عند الله ﵎ وتطلب منه وحده، ولذلك كَانَ النبي ﷺ يدعو الله ويقول: (ولا تكلني إِلَى نفسي طرفة عين) نعوذ بالله أن يكلنا الله ﵎ إِلَى أنفسنا، فإن العبد لو خلى بينه وبين نفسه فإنه يخذل ولا يوفق للخير أبدًا.
ولهذا فالله ﷾ لم يظلم الكفار والعصاة أبدًا بل بين لهم الحق وأنار لهم الطريق، وغاية ما في الأمر أنه تَعَالَى لم يوفقهم للخير، فسلكوا طريق الشر، ثُمَّ أقام عليهم الحجة فازدادوا كفرًا، وكلما ظهرت الدلائل القوية المؤكدة لهم أنهم عَلَى باطل وكفر ازدادوا كفرًا وعتوًا وجبروتًا، كما حصل لقوم فرعون ولكفار قريش ولكل المكذبين الجاحدين في كل زمان ومكان.
ولهذا يجب علينا أن نسأل الله ﷾ دائمًا أن يوفقنا لما يحب ويرضى، ونسأله أن لا يكلنا إِلَى أنفسنا طرفة عين، ونعلم ونوقن أن الفضل لله وحده، وأن الخير من عنده وحده ﷾، وأننا لا نملك لأنفسنا ضرًا ولا نفعًا، فهو الذي يثبت الذين آمنوا بالقول الثابت عند سؤال الملكين، وهو الذي يمن عليهم بأن يجوزوا الصراط، وهو جل شأنه الذي يدخلهم الجنة بفضله تَعَالَى وكرمه، كما قال ﷺ: (لن يدخل الجنة أحد بعمله، قالوا: ولا أنت يا رَسُول الله! قَالَ: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) .
[ ١٩٨٩ ]
فالخير والفضل كله إليه ﷾ ومنه جل شأنه، وهو الذي عنده خزائن كل شيء، وبهذا نكون قد أكملنا الباب المتعلق بالشَّفَاعَةِ وما تبعه من الاستطراد في مسألة التوسل والْحَمْدُ لِلَّهِ.
[ ١٩٩٠ ]