س١/ قال: ما حكم سب الدهر؟
ج/ سب الدهر محرم؛ لأنه إيذاء لله - ﷿ -، كما قال - ﷿ - في الحديث القدسي (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار) (١)، فسب الدهر بمعنى أن يَتَنَقَّصَهَ أو أن يَنْسُبَ إليه الأفعال القبيحة وأشباه ذلك، هذا في الواقع لا يتوجه إلى الدهر؛ لأنَّ الله يُقَلَّب الدهر، الدهر ليس يفعل شيئا، وإنما يتوجه إلى من جعل الدهر على هذه المثابة، ومن جعل الدهر بهذه الصفة وهو الله - ﷿ -، لهذا قال (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار)، فمسبة الدهر حرام وإيذاء لله - ﷿ -.
وقوله - ﷿ - في الحديث القدسي (وأنا الدهر) لا يُفهم منه أنَّ الدهر من أسماء الله - ﷿ -؛ بل يعني أنَّ الذي سب الدهر وقعت مسبته على الله - ﷿ -؛ لأنَّ الله - هو الذي يُصرِّف الدهر كيف يشاء.
إذا تبين ذلك وقد ذكرنا مرارا أنّ وصف الدهر بأوصاف مما يقع فيه من الأوصاف المشينة ليست مسبّة للدهر، فقول القائل هذا يوم أسود أو هذا الشهر شهر نحس أو نحو ذلك، فإن هذا ليس بمسبة للدهر لأن هذا وصف لما يقع في الدهر لما يقع في اليوم أو لما وقع فيه، لما يقع في الشهر أو لما وقع فيه، وهذا كما قال - ﷿ - ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر:١٩]، وقال سبحانه ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [فصلت:١٦] فوصف الله - ﷿ - الأيام التي عذب بها الكفرة أنها أيام نحيسة، فمثل هذا ليس بسب للدهر؛ لأنه وصف لما وقع فيه بالإضافة إلى المخلوق.
س٢/ قال: هل يدخل في سب الدهر قول القائل الدهر باطل والزمان غدار ونحو ذلك؟
ج/ الجواب: نعم لأنَّ هذا من التنقص، وهذا من سب الدهر؛ لأنَّ الدهر لا يبغي على أحد ولكن الذي دَبَّرَ الدهر وقَدَّرَ فيه ما قَدَّرَ هو الله - ﷿ -.
س٣/ هل آية الرجم المعروفة تعتبر من كلام الله، غير أنها منسوخة ولا يجوز التعبد بتلاوتها؟
ج/ الجواب: نعم، كل آية نزلت على النبي ﷺ فهي من كلام الله - ﷿ -، سواء أكانت باقية أم كانت منسوخة، كما قال - ﷿ - ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦]، وفي القراءة الأخرى ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسَأْهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ فالآية التي نُسِخَتْ قرآن ولكن نُسِخَتْ تلاوتها والتعبد بذلك، وحكمها منسوخ، وهذا إذا كانت منسوخة، وأما إذا لم تكن الآية منسوخة فإنه قد تُترك آية بغير النسخ كما قال ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ .
س٤/ يستخدم بعض الكُتاَّب ألفاظ منسوبة إلى القرآن كقولهم: (قال القرآن)، أو (تحدث القرآن)، (فَنَّدَ القرآن هذه الشبهة)، هل يصح الحكم عليها بأنها متفرعة عن القول بخلق القرآن؟
ج/ الجواب: لا؛ لأنّ هذه الكلمات جرت على ألسنة كثير من أئمة أهل العلم السابقين، يقولون قال القرآن، ورد القرآن ونحو ذلك، فينسبون الفعل إلى القرآن، ومعلوم أنَّ القرآن كلام الله - ﷿ -، ففي الحقيقة القائل هو الله - ﷿ -، كأنهم قالوا قال الله في القرآن، تحدث الله في القرآن، وردّ الله في القرآن، وأشباه ذلك.
س٥/ كان من الردود على المعتزلة في الدرس الماضي أنهم إذا أرادوا تأويل صفة الكلام فإنه يترتب عليه نفي الصفات التي أثبتها المعتزلة، مع أنه قد تقرر في كثير من الدروس أنَّ المعتزلة لا يثبتون أي صفة من الصفات، فما الجواب؟
ج/ الجواب: أنَّ الذي قَرَّرْنَاهُ وهو المعروف أنَّ المعتزلة يثبتون ثلاثة صفات، وأنَّ الذين لا يثبتون إلا صفة الوجود المطلق بشرط الإطلاق هم الجهمية.
وكل من أثبت صفة من الصفات ونفى الباقي فإنه يُطْعَنْ بإثباته على ما نفاه.
مثلا يقال لمن أثبت صفة الوجود قالوا إنَّ الله - ﷿ - ليس له إلا صفة الوجود فقط؛ الوجود المطلق، يقال له: لم نفيتَ غيرها من الصفات؟ لم نفيت صفة العلم؟ لم نفيت صفة الكلام؟ لم نفيت صفة المحبة؟ بل سيقول: إنَّ هذه الصفات تستلزم المشابهة التمثيل أو التشبيه، فيقال: لم؟ فيقول: لأن المخلوق يتكلم، فكيف نقول إنَّ الله يتكلم والمخلوق يتكلم، معناه فيه تشبيه. يقول: إنَّ الله يحب والمخلوق يحب معناه أنَّ هذا فيه تشبيه. فكذلك يقال: الصفة التي أثبتها وهي الوجود أيضا مشتركة، فالمخلوق موجود وتقول الله - ﷿ - موجود.
المعتزلة يثبتون القدرة لله - ﷿ -، والمخلوق عنده قدرة، فما الفرق ما بين ما أثبت وما بين ما نفى؟
_________________
(١) البخاري (٤٨٢٦) / مسلم (٦٠٠٠) / أبو داود (٥٢٧٤)
[ ١١٧ ]
الوجود أيضا مشترك فيه التشبيه، إذا قلنا إنَّ وجود الصفة من حيث هي في المخلوق وفي الله - ﷿ - أنَّ هذا تشبيه فإذًا الوجود فيه تشبيه، فالله - ﷿ - موجود والبشر موجودون، إذًا ثَمَّ تشبيه، فالصفة التي أثبتها فيها تشبيه وهو يريد أن ينفي التشبيه أن ينفي الصفات الأخرى لأجل التشبيه.
كذلك نأتي للأشاعرة نقول أنتم أثبتم سبع صفات السمع والبصر والعلم والكلام والإرادة إلى آخره، فنقول لم أوَّلتم صفة الوجه؟ لم أوَّلتم صفة اليدين؟ لم أوّلتم صفة الغضب، صفة الرضا، صفة المحبة، صفة الرحمة، إلى غير ذلك، يقولون؛ لأنّ هذه تستلزم التشبيه، فنقول: كذلك صفة السمع تستلزم التشبيه، كذلك صفة البصر تستلزم التشبيه، كذلك صفة الإرادة؛ الله - ﷿ - يريد والإنسان يريد، لماذا نقول إن هذا فيه تشبيه؟ يجيب الجميع منهم على اختلاف فرقهم بأن إرادة الله - ﷿ - مختلفة عن إرادة المخلوق، بأن قدرة الله - ﷿ - مختلفة عن قدرة المخلوق.
نقول إذًا نقول في باقي الصفات مثل هذا الأصل فكلام الله - ﷿ - يختلف عن كلام المخلوق ورحمة الله تختلف عن رحمة المخلوق فإثبات الصفات إثبات وجود؛ إثبات لفظ ومعنى لا إثبات كيفية، فلا اشتراك في الكيفية، الله - ﷿ - ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فكما أنه سبحانه له سمع يليق بجلاله وعظمته فكذلك له بصر يليق بجلاله وعظمته، له كلام يليق بجلاله وعظمته، وسمع الإنسان وبصر الإنسان وكلام الإنسان هذا يليق بحال الإنسان.
فإذًا الاشتراك في أصل الصفة، أما الكيفية وتمام المعنى فهذه لا اشتراك فيها.
فإذًا كل مؤول للصفات من الفِرَقْ يلزمه التناقض، كل من أول يلزمه التناقض؛ بل سيما أهل البدع دائمًا في التناقض؛ لأنه يتناقض، ولو أعملوا القاعدة أننا نسلم للقرآن والسنة وما قاله السلف والصالح لما صار التناقض في أبواب الاعتقاد أبدا، ولكنهم تارة يثبتون وتارة يتأولون بعقولهم لأنهم خلطوا قولا سنيا وآخر عقليا.
س٦/ هل معنى قول من قال إن! َ القرآن مخلوق أنه مثل أعضائنا وغير ذلك من المخلوقات؟
ج/ الجواب: لا، يقولون القرآن مخلوق؛ يعني أنّ الله سبحانه خَلَقَ هذا الكلام وسماه قرآن، أو أنّ الله - ﷿ - خلقه في نفس جبريل فعبر جبريل بذلك، ليس أن! َ ثَمَّ شيء مخلوق يعني له صفته ويُمَسْ ويُحَسْ مثل الأعضاء، لا، خَلَقَ هذا الشيء يعني أنه ليس صفة،له خلقه في نفس جبريل وعبر جبريل عما وجده في نفسه.
س٧/ كيف نوفق بين كون الله تكلم بالقرآن وأنَّ القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ؟
ج/ الجواب: أنَّ مرتبة الكتابة أو جهة الكتابة للقرآن غير جهة الكلام، فالله - ﷿ - يعلم ما سينزله على رسوله ﷺ ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود:١٤]، فالله سبحانه يعلم أنَّ هذا القرآن -هذا الكلام- سينزله على عبده محمد ﷺ، فَجَعَلَ هذا الذي سينزله مكتوبًا في القرآن تشريفًا له وتعظيمًا لمكانة هذا القرآن ولأنه حجة الله الباقية إلى قيام الساعة، أما التكلم فكلام الله - ﷿ - بالقرآن إنما هو حين أراد أن يبعث محمدا ﷺ، أو حين أراد أن ينبهه.
أما نزول القرآن جملة إلى السماء الدنيا فهذا أيضا عند من قال به نزول مكتوب لا نزول مسموع.
[ ١١٨ ]