نبوة الأنبياء أو رسالة الرسل بما تَحْصُل؟ وكيف يُعْرَفُ صدقهم؟ وما الفرق ما بين النبي والرسول وبين عامة الناس أو من يَدَّعِي أَنَّهُ نبي أو رسول أو من يأتي بالأخبار المغيبة أو يجري على يديه شيء من الخوارق؟
والجواب عن ذلك: أنَّ المتكلمين في العقائد نظروا في هذا على جهات من النظر.
ونُقَدِّمُ قول غير أهل السنة، ونُبَيِّنْ لكم قول السلف وأهل السنة والجماعة في هذه المسألة العظيمة.
وهي من المسائل التي يقل تقريرها في كتب الاعتقاد مُفَصَّلَة.
فنقول: إنَّ طريقة إثبات نبوة الأنبياء وإرسال الرسل للناس فيه مذاهب:
١ - المذهب الأول:
أنَّ الرسل والأنبياء لديهم استعدادات نفسية راجعة إلى القوى الثلاث والصفات الثلاث وهي السمع والبصر والقلب، فإنه يكون عنده قوة في سمعه، فيسمع الكلام؛ كلام الملأ الأعلى، وعنده قوة في قلبه، فيكون عنده تخيلات أو يتصور ما هو غير مرئي، وعنده بصر أيضا قوي يبصر ما لا يبصره غيره.
وهذه طريقة باطلة، وهي طريقة الفلاسفة الذين يجعلون النبوة من جهة الاستعدادات البشرية، لا من جهة أنها وحي وإكرام واصطفاء من الله ﷻ.
٢ - المذهب الثاني:
قول من يقول إنَّ النبوة والرسالة طريق إثباتها والدليل عليها هو المعجزات.
وهذا قول المعتزلة والأشاعرة وطوائف من المتكلمين، وتبعهم ابن حزم وجماعة، وجعلوا الفرق ما بين النبي وغيره هو أنَّ النبي يجري على يديه خوارق العادات.
فمنهم من التزم -وهم المعتزلة وابن حزم- في أنَّه ما دام الفرق هو خوارق العادات وهي المعجزات فإذًا لا يُثْبَتُ خارقٌ لغير نبي.
فأنكروا السحر والكهانة، وأنكروا كرامات الأولياء، وأنكروا ما يجري من الخوارق؛ لأجل أن لا يلتبس هذا بهذا وجعلوا ذلك مجرد تخييل في كل أحواله.
وأما الأشاعرة فجعلوا المسألة مختلفة، وسيأتي تفصيلها في موضعها إن شاء الله عند كرامات الأولياء.
٣ - المذهب الثالث:
هو مذهب أهل السنة والجماعة والسلف الصالح فيما قرره أئمتهم وهو أنَّ النبوة والرسالة دليلها وبرهانها متنوع، ولا يُحصرُ القول بأنها من جهة المعجزات الحسية التي تُرى أو تجري على يدي النبي والولي.
فمن الأدلة والبراهين لإثبات النبوة والرسالة:
- أولًا: الآيات والبراهين.
- ثانيًا: ما يجري من أحوال النبي في خَبَرِهِ وأمره ونهيه وقوله وفعله مما يكون دالًاّ على صدقه بالقطع.
- ثالثًا: أنَّ الله - ﷿ - ينصر أنبياءه وأولياءه ويمكِّن لهم ويخذل مدعي النبوة ويُبيد أولئك ولا يجعل لهم انتشارا كبيرا.
وهذه ثلاثة أصول.
@ أما الأول: فمعناه أنَّ من قَرَّرَ نبوة الأنبياء عن طريق المعجزات، فإننا نوافقهم على ذلك؛ لكنَّ أهل السنة لا يجعلونه دليلًا واحدًا، لا يجعلونه دليلًا فردًا؛ بل يجعلونه من ضمن الدلائل على النبوة.
وهذا الدليل وهو دليل المُعْجِزَات -كما يُسَمَّى- يُعَبِّرْ عنه أهل السنة بقولهم الآيات والبراهين، وذلك لأنَّ لفظ (المُعْجِزْ) لم يرد في الكتاب ولا في السنة، لفظ (المُعْجِزَةْ) وإنما جاء في النصوص الآية والبرهان ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ [النمل:١٢]، وقال ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص:٣٢]، ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة:١١١]، ونحو ذلك من الآيات التي تدل على أنَّ ما يؤتاه الأنبياء والرسل إنما هو آيات وبراهين.
وبعض أهل العلم جعل لفظ المُعْجِزْ نتيجة في أنَّ آية النبي وبرهان النبوة مُعْجِزْ، لكن لفظ الإعجاز فيه إجمال.
وذلك لأنه مُعْجِزٌ لمن؟
فيه إجمال وفيه إبهام.
فإعجاز ما يحصل لمن هو معجز؟
فإذا قلنا مُعْجِزْ لبني جنسه فهذا حال، مُعْجِزْ لبني آدم فهذا حال، معجز للجن والإنس فهذا حال، معجز لكافة الورى فهذا حال.
ولهذا جعل المعتزلة والأشاعرة في الخلاف ما بينهم في المعجزات جاءت من هذه الجهة:
أَنَّ لفظ معجز اختلفوا فيه، معجز لمن؟
كما سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله.
ولهذا نعدل عن لفظ الإعجاز إلى لفظ الآية والبرهان.
ونقول الآية والبرهان التي يؤتاها الرسول والنبي للدِّلالة على صدقه تكون معجزة للجن والإنس جميعًا.
فما آتاه الله - ﷿ - محمدا ﷺ يكون مُعْجِزًَا للجن والإنس جميعا، كما قال تعالى ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨] .
أما إعجاز بعض الإنس دون بعض، أو الإنس دون الجن، فهذا هو الذي يدخل في الخوارق ويدخل في أنواع ما يحصل على أيدي السحرة والكهنة وما أشبه ذلك.
أما الفرق ما بين الآية والبرهان الدال على صدق النبي مع ما يؤتاه أهل الخوارق، أنَّه هل هو معجز عامة الجن والإنس أم لا؟
فإن كان معجز لعامة الجن والإنس فهو دليل الرسالة والنبوة.
[ ٨١ ]
هذه الآيات والبراهين التي آتاها الله - ﷿ - محمدا ﷺ أنواع:
+ النوع الأول منها القرآن وهو حجة الله - ﷿ - وآيته العظيمة على هذه الأمة، فتَحَدَّى الله - ﷿ - به الجن والإنس، ولم يستطيعوا ذلك مع أنهم متميزون في الفصاحة والبلاغة وأشباه ذلك.
فإذًا الآية والدليل الأول هو القرآن العظيم وهو الحجة الباقية.
+ النوع الثاني آيات وبراهين سمعية؛ يعني تكون دالة من جهة ما يُسمع، ومن ذلك:
تسبيح الحصى، تسبيح الطعام على عهده - ﷺ - كما روى البخاري في الصحيح أن ابن مسعود قال: (كنا نسمع تسبيح الطعام ونحن نأكل مع رسول الله ﷺ. (١)
+ النوع الثالث آيات وبراهين راجعة إلى البصر وهو ما يُبْصَرُ من أشياء لا تحصل لغيره؛ بل هي آية وبرهان على عجز الثقلين عن ذلك، مثل نبع الماء ما بين أصابعه، ومثل حركة الجمادات وأشباه ذلك.
+ النوع الرابع أدلة وبراهين فيها نُطْقُ ما لم يَنْطِقْ وهذه تشمل الأول المسموعة، وتحرك ما لم يتحرك بالعادة ويشمل حركة الجمادات، وشعور من لا يُعرف بشعورِهِ وهذه إنما يُخْبِرُ عنها نبي وتحصل للرسل والأنبياء، مثل (حنين الجذع) (٢) وتسليم الحجر وأشباه ذلك
هذا نوع وهو الآيات والبراهين (٣)
@ أما الثاني هو أنَّ الرسول يأتي بخبر وأمر ونهي وللرسول قول وفعل، فهذه خمسة أشياء.
وهذا النوع من الدلائل أهم من الدلائل التي ذَكَرْتُ لك فيما قبل عدا القرآن فهو أعظم الأدلة؛ وذلك أنَّ محمدا ﷺ جاء بأخبار -هذه تَصْدُقْ على جميع النبوات والرسالات-:
- جاء بخبر عن الله - ﷿ -، وهذا الخبر: منه ما يتعلق بالماضي، ومنه ما يتعلق بالحاضر، ومنه ما يتعلق بالمستقبل.
- وجاء بأمر ونهي، وهذا الأمر والنهي هو ما يدخل في الشريعة، والأوامر متنوعة والنواهي متنوعة.
- وجاء بأقوال هو قالها في التبليغ وأفعال له.
وكل هذه بمجموعها تدل للناظر على أنَّ من قال وأخْبَرَ عن الله وفَعَلَ وأَمَرَ ونَهَى فإنه صادق فيما قال؛ لأنّ كلَّ مدَّعٍ للخبر والأمر والنهي وله أقوال وله أفعال وليس على مرتبة النبوة فلابد أن يظهر لكل أحد أن يظهر كذبه فيما ادعاه وتناقضه في أقواله وأفعاله وضَعْفُ أمْرِهِ ونَهْيِهِ وعدم إِصْلَاحِهِ وأشباه ذلك.
ولهذا محمد ﷺ جعل الله - ﷿ - له الكمال فيما أخبر به، وفيما أمر به، وفيما نهى، وفي أقواله وأفعاله، فَجَعَل إتِّباعه في الأقوال والأفعال إتِّباعًا مأمورا به ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، وقال ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، وجعل ما يخبر به الرسول - ﷺ - كخبر الله - ﷿ -؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، ونحو ذلك.
فاستقام أمره ﷺ في هذه الأمور الخمسة، ولم يُعْرَف أنَّ أحدًا طعن في شيء من هذه الأشياء واستقام على طعنه ولم يستسلم؛ بل كُلُ من طعن في واحد من هذه الأشياء فإنه آل به أمره إلى الاستسلام، أو أن يكون طعنه مكابرة دون برهان.
لهذا نقول إن هذا الدليل من أعظم الأدلة التي تُفَرِّقُ ما بين الرسول والنبي الصادق وما بين مُدّعي النبوة، فإنّ الرسول له أحوال كثيرة يُسْمَعْ في أقواله، يُرَى في أفعاله، أوامره ونواهيه جاءت بماذا؟ أخباره جاءت بماذا؟
ونبينا محمد ﷺ أخْبَرَ عن أشياء حدثت في الماضي لم يكن العرب يعرفونها، وجاء تصديقها من أهل الكتاب وما كان يقرأ ﷺ كتب أهل الكتاب، وجاء بأخبار عما سيحصل مستقبلًا، وجاء بأخبار عما سيحصل بين يدي الساعة وحصلت بعده ﷺ شيئًا فشيئًا، منها ما حصل بعد موته سريعا، ومنها ما يحصل شيئا فشيئا، ومنها ما سيحصل بين يدي الساعة، وكل هذه الأخبار في تصديقها دالة على أنه لا يمكن أن يُعْطَاهَا إلا نبي.
كذلك ما أمر به ﷺ وما نهى عنه فهو موافق للحكمة البالغة التي يعرفها أهل الدين ويعرفها أهل العقل الراجح، حتى إنَّ الحكماء شهدوا في الزمن الماضي وفي الزمن الحاضر بأن شريعة محمد ﷺ هي شريعة ليس فيها خلل لا من جهة الفرد في عمله ولا من جهة التنظير في المجتمع بعامة.
وكذلك ما في أفعاله ﷺ فكان ﷺ له المقام الأكمل في التخلص من الدنيا والبعد عن الرَّفْعَة - يعني والترفع على الناس - بل كان ﷺ أكمل الناس في هديه وفي تواضعه وفي قوله وفي عمله ﷺ، وكان أكمل الناس في عبادته، وكلُّ دعوى لمن ادَّعَى النبوة فلا بد أن يظهر فيها خلل في هذه الأشياء.
_________________
(١) البخاري (٣٥٧٩) / الترمذي (٣٦٣٣)
(٢) البخاري (٣٥٨٥) / الترمذي (٥٠٥) / ابن ماجه (١٤١٤)
(٣) انتهى الوجه الأول من الشريط السادس.
[ ٨٢ ]
أيضا هو ﷺ تحدّى الناس في قوله فيما أتى به، وأخذ يدعو كما يظهر لك من قصة هرقل مع أبي سفيان وسؤالات هرقل لأبي سفيان، وأخذ يدعو غير ملتفت لخلاف من خالف، والناس يزيدون وأعداؤه ينقصون، وهذا مع تطاول الزمن ونصره الله - ﷿ - له، فإنَّ هذا دليل على صدقه فيما أخبر وفي أمره ونهيه وقوله وفعله ﷺ.
@ أما الثالث -كما ذكرنا- هذه جنس أجناس الأدلة أنَّ الله - ﷿ - هو صاحب الملكوت وهو ذو الملك والجبروت، وهو الذي يَنْفُذُ أمره في بريته، فمحال أن يأتي أحد ويَدَّعِي أنه مرسل من عند الله، ويصف الله - ﷿ - بما يصفه به، ويذكر الخبر عن الله وأسمائه ونعوته، ثم هو في مُلْكِ الله - ﷿ - يستمر به الأمر إلى أن يُشَرِّع ويأمر وينهى وينتشر أمره ويغلب من عاداه ويسود في الناس ويُرفع ذكره دون أن يعاقب، ولهذا قال - ﷿ - في بيان هذا البرهان ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة:٤٤-٤٧]، لو كانت الدَّعْوَةُ في ملك الله - ﷿ - وهذا يَدَّعِي أنه مُرْسَلٌ ونبي ويأتي بأشياء يقول هي من عند الله، فإنّ مالك الملك لا يتركه وحاله بل ربما جعل ذلك ابتلاءً وامتحانا للناس، ولكن لا يُنْصَرْ وتكون شريعته هي الباقية ويكون ذكره هو الذي يبقى، ويكون خبره عن الله وعن أسمائه وصفاته ودينه وشرعه وعن الأمم السالفة وعما يحصل هو الذي يبقى في الناس، فإنَّ هذا مخالف لقول الله - ﷿ - (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) والمشركون لما كذّبوا النبي ﷺ قالوا ﴿شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور:٣٠]، لأنّ السُّنَّةَ ماضية عند العقلاء أن الذي يَدَّعِي عن الله - ﷿ - فإنما يُتَرَبَصُ به الهلاك والإفناء.
﴿شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ فجاء البرهان ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور:٣١]، لأنّ هذا برهان صحيح، فتربصوا فإنِّي معكم من المتربصين ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ وقد صدقتم في هذا البرهان لأنه لو كان كما تقولون كاذب فإنه يُتَرَبَصُ به ريب المنون وأن يُهْلِكَهُ الله - ﷿ - وأن يجعله مخليا وأن يجعله عبرة لمن اعتبر.
فالنبي ﷺ وسائر الأنبياء والمرسلين جعلهم الله - ﷿ - حملةً لرسالته وشَرَّفَهُم ورَفَعَ ذِكْرَهُمْ ونَصَرَهُم بين الناس، ولهذا تجد أنَّ الرسالات هي الباقية في الناس، رسالة موسى ﵇ ورسالة إبراهيم ورسالة عيسى ﵇ ورسالة محمد ﷺ، وكل واحدة منها دخلها من التحريف ما دخلها، فأتباع إبراهيم حرَّفُوا في دينهم حتى أصبحوا على غير ملة إبراهيم، وأتباع موسى من اليهود الآن على غير دين موسى، وأتباع عيسى ﵇ الآن على غير دين عيسى، وأتباع محمد ﷺ هم الذين حفظهم الله - ﷿ - وجعل منهم طائفة ظاهرين بالحق يقومون به إلى قيام الساعة.
هذا ما يتعلق بالمسألة الثالثة.
[ ٨٣ ]