أقوال أهل البدع نخصّ منها قول المعتزلة وقول الأشاعرة، أما الأقوال الأُخَرْ الجهمية والفلاسفة هذه نطويها.
١ - قول المعتزلة مشهور وهو أنَّ القرآن مخلوق:
استدلوا بدليل عقلي -كما ذكرنا-، وهو أنه لو أُثْبِتَ الكلام وأن الكلام يُسْمَعْ فمعنى ذلك أنَّ الرب - ﷿ - جسم؛ لأنَّ الكلام لا يصدر إلا بِتَغَيُّر وهذا التغير إذا حلّ في شيء فإنه يدل على أنه جسم، على الذي ذكرنا لك من قولهم.
وهذا القول يدلهم على أنَّ الرب - ﷿ - يجب أن يُنَزَّهَ على جميع المظاهر الجسمية بأنواعها لأنَّ وصفه - ﷿ - بأنه جسم كفر.
وهذا القول يُرَدُّ عليه من جهتين:
@ الرد الأول:
أنَّ ذِكْرْ صفة الكلام لله - ﷿ - وارتباط الجسمية بها، هذا ليس بصحيح؛ وذلك أنّ المقدمة التي بُنِيَ عليها هذا القول هي البرهان بما سموه حلول الأعراض في الأجسام.
وهذا البرهان لم يدل عليه القرآن ولا السنة؛ بل دلّ القرآن والسنة على بطلانه، وذلك من جهة أنَّ الجسم موجود بأعراضه، وأنه إذا كان العَرَضُ يحِلُّ في الجسم فدل على أنَّ الجسم غَيْرُ مُخْتَارْ لحلوله.
لاحظ معي، إذا كان الجسم يحل فيه العرض، والجسم لم يختر حُلُولْ العَرَضِ فيه فَدَلَّ على أنه محتاج، لا ينطبق على الصورة التي فيها الكلام.
لأنّ من قال إنّ القرآن كلام الله تكلّم به، فلو قيل إنه عرض فيقال اتصافه به كان بمشيئته وقدرته واختياره ـ، فخالف من هذه الجهة البرهان.
فدل:
- أولًا: على أنَّ البرهان في نفسه غير صحيح على هذه المسألة - يعني تطبيق البرهان غير صحيح في مسألة الكلام-.
- ثانيًا: دَلَّ على أنهم حينما أصّلوا البرهان لم يطبقوه على وجه الصواب في الصفات فجعلوا الجِسْمِيَّةَ والعَرَضِيَّة متلازمة دائما مع الحاجة، وهذا فيه نظر كما ذكرت لك.
@ الرد الثاني:
أنَّ النصوص دَلَّت على أَنَّ القرآن كلام الله - ﷿ -، وعلى أَنَّ الله يتكلم، وعلى أَنَّ هذا أُكِّدَّ بمؤكدات، ومجموع هذه النصوص، إذا أريد تأويلها فإنه:
- أولًا: لا يستقيم في كل المواضع.
- ثانيًا: أنه يلزم منه نفي الصفات التي وصف بها المعتزلة رب العالمين.
* أما الأول: فلا يستقيم في كل موضع، فمثل ما قالوا في قوله ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، قالوا إنَّ معناه ﴿كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ بأنّ معنى كلم الله موسى يعني أنه سَمِعَ كلامه المخلوق في الشجرة، وهذا السماع أُكِّدَّ في حق موسى لأنه سمع كلامًا تكليمًا.
يعني أنَّ التكليم ليس تأكيدًا للفعل الذي بدا من الله - ﷿ - ولكنه لإحساس موسى بما سمع، وقال بعض الناس في هذا ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ يعني جَرَّحَهُ بأظافير الحكمة تجريحا، أخذوه من كَلَّمَ يعني جَرَّحَ.
وقد جاء بعض المعتزلة إلى أبي عمر بن العلاء -وهو أحد القُرَّاء الذين جعلوا قراءتهم معتمدة على النحو- فقال له في هذا الموطن: اقرأ (وَكَلَّمَ اللهَ مُوسَى تَكْلِيمًا)
قال: هبني قرأت ذلك فما تصنع بقوله تعالى ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]، وما تصنع بقوله تعالى ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣] .
وهذا يدل كما ذكرنا لك على أنه لا يستقيم مع الآيات الأخر.
٢ - قول الأشاعرة:
وهذا هو أخطر الأقوال لأنَّ قول المعتزلة جمهور الأمة يقول بخلافه يعني جمهور المنتسبين للقبلة يقولون بخلافه في زماننا هذا، ما فيه من يقول بقول المعتزلة إلا ثلاث طوائف:
الرافضة والإباضية أو الخوارج والزيدية.
قول الأشاعرة ذكرنا لكم أنَّ كلام الله معنىً وأنَّ القرآن أُلْقِيَ في نفس جبريل فَعَبَّرَ عنه.
وهذا القول منهم لا شك أنه أخص من قول المعتزلة.
ولذلك تجد أنَّ الأشاعرة هم الذين أخذوا زمام الرد على المعتزلة في خلق القرآن في القرون المتوالية بعد زمن السلف كالإمام أحمد والبخاري والأئمة هؤلاء تولوا الرد وعثمان بن سعيد وغيره ومن صنف.
لكن من رد على المعتزلة بردود عقلية وتوسّع في ذلك هم الأشاعرة وبينهم وبينهم مناظرات.
ولأجل خلاف المعتزلة والأشاعرة في هذه المسألة كان أهل الحديث والأشاعرة في أول الأمر متفقين غير مختلفين حتى حدثت فتنة ابن القُشَيْرِيْ المعروفة في أواخر القرن الخامس، فصارت المنابذة العظيمة ما بين الأشاعرة وأهل السنة.
فكان الأشاعرة لا يعلنون مذاهبهم في كل المسائل على التفصيل حتى حدثت الفتنة.
المقصود من هذا أنَّ الأشاعرة ردوا على المعتزلة في خلق القرآن.
وأَصْلُ مذهب ابن كُلَّابْ في هذه المسألة أنه توسط ما بين قول أهل الحديث -لأنه خالط أهل الحديث- وما بين قول المعتزلة فأتى بهذا الشيء الذي هو: أَنَّ القرآن معنى لأنَّ الذي من أجله قيل إنَّ القرآن مخلوق هو أنَّ كلام الله - ﷿ - أصوات وحروف وأنه يُسْمَعْ.
[ ١١٢ ]
فقال: ننفي هذه ونبقي كلام الله - ﷿ - غير مخلوق وأنه على حقيقته؛ ولكن نقول هو معنى دون لفظ، دون سماع.
إذا تبين ذلك فنأخذ من هذا تفصيل وهو: أنَّ دِلالة الكلام في اللغة على اللفظ والمعنى فيها مذاهب:
١ - مذهب أهل السنة والجماعة وأهل الحديث والأثر:
أنَّ الكلام والقول إذا أُطلق، يعني إذا قيل الكلام كلام فلان،قول فلان،قول الله - ﷿ - فإنه يراد به شيئان معًا دون تَفْرِيقً بين والواحد والآخر؛ يراد به اللفظ والمعنى جميعًا.
٢ - مذهب المعتزلة:
وهو أنَّ الكلام هو في المعنى وفي اللفظ مجاز.
٣ - مذهب الكلابية:
وهو أنَّ الكلام للمعاني ولكن الحديث إخْرَاجُهُ هذا دليلٌ عنه.
واستدلوا على هذا بقول الأخطل في الشعر المشهور المعروف عندهم في الاستدلال:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلًا
والكلام على هذا البيت ورد الإحتجاج به إلى آخره مرّ معنا في الواسطية فنحيلكم عليها؛ لأنه معروف مشهور كررناه أكثر من مرة.
نرجع على أصل المسألة وهو أنَّ الكلابية والأشاعرة قالوا إنَّ الكلام معنى.
كلام الله - ﷿ - معنى، ألقاه في روع جبريل.
وهذا لأجل أنهم أصَّلُوا تأصيلات، ومنها أنَّ الكلام لا يدل على الإخراج وإنما يدل على ما قام في النفس، كما استدلوا بهذا البيت.
لهذا ذكرت لكم في أول الكلام تعريف كَلَّمَ وكَلَمَ وهذه المادة واشتقاقها ليبطل معه قول من قال إنَّ الكلام معنى، فإنَّ اللغة دَلَّت على أَنَّ الكلام لابد أن يكون لفظًا ومعنى.
وحتى كلمة لفظ تدل على شيء ملفوظ مفرد.
وما أحسن قول المعري وإن كان ليس مجال احتجاج قال:
من الناس من لفظه لؤلؤٌ يُبَادِرُهُ اللَّقْطُ إذ يُلْفَظُ
وبعضهم قوله كالحصى يقال فيُلْغَى ولا يُحْفَظُ
يعني (من الناس من لفظه لؤلؤ) اللفظ لابد أن يُلْفَظْ، يُخْرَجْ، فكيف يكون الكلام والقول في الداخل دون الخارج؟
وكيف يكون المعنى يُدَلْ عليه في الإنسان بلا لفظ؟
وإذا كان ثَمَّ لفظ فإذًا ثَمَّ معنى، واللفظ لابد أن يُلْفَظْ ويُخْرَجْ.
فدل ذلك على أَنَّ قولهم بأَنَّ الكلام معنىً وأَنَّ هذا هو الأصل فيه، هذا لاشك أنه مُعَارَضٌ باللغة في تأصيلاتها أو اشتقاقاتها وأيضا مُعَارَضٌ بالنصوص التي سقنا لك بعضا منها.
الكلابية ورثهم أبو الحسن الأشعري والماتُرِيدي في الكلام في هذه المسألة:
- تارة يعبرون عنه بقولهم الكلام صفة نفسية.
- وتارة يعبرون عنه بأن كلام الله - ﷿ - قديم؛ يعني قبل أن يخلق الخلق، قبل أن يوجد شيء، تَكَلَّمَ بكلام قديم وانتهى.
- تارة يعبرون عنه بأنه معنى قائم بالنفس.
- وتارة يعبرون عنه بأنه عبارة، يعني القرآن عبارة عن كلام الله؛ يعني عُبِّر به عن كلام الله.
إذا تبين لك ذلك، فحاصل معتقد هذه الطوائف -الكلابية الأشاعرة والماتريدية- أنّ القرآن قديم كلام الله - ﷿ - قديم.
يعني تَكَلَّمَ الله - ﷿ - به في الأزل ثم لما أراد إنزاله على محمد ﷺ قام ما تكلم به في الأزل به معنى فألقاه في رُوعِ جبريل فنزل به جبريل وعبّر عنه، وإلاّ فكلام الله عندهم ليس بالعربية وليس بالسريانية وليس إلى آخره لتنزهه عندهم اللغات.
إذا تبين ذلك، فمن أحسن الردود عليهم ما استشكله الآمدي.
والآمدي من حذاق الأشاعرة المعروفين ومن الأذكياء.
قال: إني نظرت في هذا القول وهو أنَّ كلام الله قديم، وأنَّ القرآن قديم، وأنه حين أوحي إلى محمد ﷺ إنما أُوحِيَ بالعبارة وبما أُلْقِيَ في نفس جبريل، فأشكل علي أنَّ القرآن فيه آيات كثيرة فيها التعبير عنه بلفظ الماضي ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١]، وهل كان ثَمَّ مُجَادِلَة؟ وهل كان ثم زوج؟ وهل كان ثَمَّ صوت حتى يسمع الله؟
قال ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ﴾ فإذا كان الله - ﷿ - قال هذا القول في الأزل ولا زوجة ولا مُجَادِلَة ولا قول، فما الذي سمع؟
فيلزم منه أنَّ قوله ﴿قَدْ سَمِعَ﴾ وكل أفعال الماضي في القرآن أنها غير مطابقة للواقع، وهذا هو الكذب.
وهذا لاشك أنه ردٌ منطقيٌ جميل لأنه يلزمهم على أصولهم ولا فرار لهم منه.
إذا تبين لك ذلك، فنقول خلاصة الرد على هذه الطوائف يكمن في أشياء:
@ الرد الأول:
الاستدلال باللغة في معنى كَلَّمَ في معنى الوحي، هذا واحد.
@ الرد الثاني:
الاستدلال بالنصوص من القرآن والسنة التي فيها الإضافة، والقاعدة الفرق ما بين إضافة المخلوقات وإضافة المعاني.
@ الرد الثالث:
أنه يُرَدْ ما استدلوا به من أنواع الأدلة مثل ما أَصَّلُوهُ في أَنَّ الكلام يدل على المعنى فقط في اللغة، وأنّ الوحي يكون بالمعنى والإلقاء في الروع، وغير ذلك من الاستدلالات، مثل قولهم يلزم التشبيه يلزم التجسيم إلى آخره.
@ الرد الرابع:
بقول الآمدي في التفريق ما بين الماضي والحاضر.
[ ١١٣ ]
أطلنا عليكم، والكلام يطول لأنَّ هذه المسألة فيها طول يعني، وأكثر المسائل وأعظم المسائل بحثًا وتفصيلات هي هذه.
على العموم نقف عند هذا؛ لأنَّ الوقت تأخر، ونكمل إن شاء الله تعالى المسائل في الدرس القادم.
الحقيقة دائمًا إذا أوضحت أو أردنا مثل هذا، الواحد يتألم من جهة، وهو أنَّ مثل هذا الكلام لا ينبغي أن يُقَرَّرْ مثل مذاهب الفرق وأقوال الأقوام؛ لكن لابد منه لأنه مع الأسف مجتمعات المسلمين وبلادنا بخاصة وكل من سيصلهم هذا الكلام عن طريق الأشرطة، المجتمعات اختلطت، فصار فيها من أتباع الفرق جميعًا ولا يحسن أن يبقى طالب العلم السني السلفي عَرِيًَّا عن قوة الحجة وقوة الدليل وعن فهم كلام الناس في ذلك؛ لأنه قد يقال إنكم لا تفهمون تقلدون إلى آخره،فإذا فهم المسائل وضبطها واستطاع أن يرد على أولئك فقد نصر الحق، إضافة على أنَّ كتب التفسير المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة أكثر من كتب التفسير السلفية، فأكثر كتب التفسير والحديث وإلى آخره شروح الحديث يعني، وكتب الأصول كلها على منهج الأقوام؛ لا تجد كتابا في الأصول من الكتب المتقدمة إلا ما شذّ أثبت مذهب أهل السنة والجماعة في مسألة الكلام، حتى كتب الحنابلة تجد فيها ضلال في هذه المسألة؛ لأنهم وافقوا الأقوام في أن القرآن عبارة أو معنى ونحو ذلك.
[ ١١٤ ]